الأربعاء، 16 مايو 2007

أرقام الحكومة.. ومشاكل عديمي الدخل ـ جمال أسعد عبد الملاك

: بتاريخ 15 - 5 - 2007

قد توارث المصريون الاحتفال بالمناسبات والمواسم منذ الفراعنة حتى الآن وأصبح لدينا من بينها موسم مناقشة الموازنة العامة للدولة وأيضا مناقشة الحساب الختامي للدولة في مجلس الشعب كل عام .
وقد أصبحت تلك المناسبات ضمن مواسم الاحتفال وذلك لعدم حدوث أي تغيير يذكر منذ سنوات لا في طريقة عرض الأرقام من قبل الحكومة للمجلس في الموازنة العامة ولا في طرح أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات للحساب الختامي على الحكومة وبالتالي فإن مناقشة أعضاء مجلس الشعب للموازنة والختامي هي هي .. وردود الحكومة على المجلس وعلى الجهاز هي هي.. لا تغيير ولا استفادة فسياسة الحكومة وبرامجها وتجاوزاتها لقانون الموازنة العامة الصادر من مجلس الشعب والوارد في الحساب الختامي لا تتغير .
وبعيدا عن تعقيدات الأرقام فالموازنة العامة هي المشروع المقدم من الحكومة قبل نهاية السنة المالية لمجلس الشعب والذي توضح فيه بناء على دراسة انتهت إليه الحسابات الختامية للسنوات الماضية مع وضع احتياجات الجماهير في الاعتبار ما يمكن تحقيقه عن إيرادات في مواجهة ما يمكن إنفاقه من مصروفات واستثمارات وذلك بهدف الارتقاء بمستوي معيشة الأفراد خاصة محدودي الدخل منهم وإتاحة المزيد من فرص العمل ، بما يكفل في النهاية حياة كريمة لكل فرد من أفراد المجتمع فهل يتم هذا ؟ وهل الأرقام الكثيرة والمتداولة بين جميع الأطراف تخلق وتوجد تلك الحياة الكريمة ؟
بداية من الطبيعي لكي يتم هذا وحتى تستقيم الأمور لابد أن نصل إلى أن تكون جملة الإيرادات أكبر من المصروفات والاستثمارات حتى يكون هناك فائض وفي أحسن الأحوال فنحن نتمنى أن تكون الإيرادات مثل المصروفات فهل يحدث هذا ؟ ما هو قائم الآن عكس كل تلك الاستهدافات .. فالمصروفات تزيد عن الإيرادات كل عام أكبر عن العام السابق له بما يعني زيادة عجز الموازنة.
ذلك العجز الذي يجب أن يغطي عن طريق إيرادات فعلية ولكن ما يتم هو تغطية ذلك العجز ( أي الفرق بين الإيراد والمصروف) عن طريق القروض الداخلية والخارجية أي تقوم الحكومة بالاقتراض من مؤسسات خارجية ومن مؤسسات داخلية حتى تغطي هذا العجز مثلا: تقوم الحكومة بأخذ أموال التأمينات الاجتماعية والتي هي ملك أصحابها المؤمن عليهم فهي أموال قطاع خاص وذلك للصرف على بند الموازنة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والحكومة تستولي على أموال بنك الاستثمار لتقدم كما تقول أموال الدعم للغلابة مع العلم أن أموال هذا البنك لابد أن يتم استثمارها أصلا.. وقياسا إلى ذلك فقد قامت الحكومة ببيع شركات ومصانع القطاع العام حتى تغطي عجز الموازنة .. أي بيع البيت الذي يؤوينا أو المشروع الذي نقتات منه لكي نأكل وهنا نطرح سؤال لماذا لا نقترض لسد العجز ويحدث فائض وهذا يكون سؤالا منطقيا حيث أن فكرة الاقتراض تعنى تشغيل واستثمار المبلغ المقترض حتى يقوم بسداد أقساط القرض وفوائده وبالتالي يتبقي لنا بعد ذلك المشروع الذي أنشأ من هذا القرض.. فهل يحدث ذلك ؟ الأرقام تقول عكس ذلك كيف ؟ لأن الحكومة بدلا من أن تقوم باستثمار تلك الديون تقوم باستخدامهافي تمويل العجز النقدي وعجز الموازنة العامة للدولة فقد تم استغلال ما نسبته 64.5 % في تمويل عجز الموازنة بينما بلغت النسبة المستخدمة لتمويل الاستثمارات العامة 30.1 % أما النسبة المتبقية وهي 5.4 % فقد تم استخدامها في تمويل عجز بعض الهيئات بما لا يساعد في زيادة معدلات النمو الاقتصادي ويعد عبئا على الاقتصاد القومي وبناء على ذلك ولأن تلك الديون لا يتم استثمارها ولكن يتم صرفها فهناك فارق بين الاثنين ولذا تتضخم الديون سنة بعد الأخرى فالدين الداخلي كان 435 مليار جنيه عام 2004 أصبح في عام 2005 511 مليار جنيه بزيادة قيمتها 76 مليار جنيه وبنسبة 17.5 % أي بدلا من تقليل قيمة الدين عن العام السابق فقد زاد الدين بنسبة 17.5 % عن العام السابق .
وهذا يعني زيادة أعباء تلك الديون والأعباء تعني قيمة القسط السنوي الذي يجب أن يدفع للدائنين مضافا إليه فوائد تلك الديون والأهم والأخطر أن قيمة أعباء الديون قد وصلت إلى أكثر من 90 % من حجم الناتج القومي أي أننا نعيش بالديون وبالتالي تتراكم الديون حتى نصل إلى أن كل دخلنا لا يغطي الديون وهنا هل هذا يؤدي بالسياسة المالية أن تقوم بأي دور في الإسراع بمعدل النمو الاقتصادي بالطبع لا
فحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن الحساب الختامي للعام 2004 / 2005 وهو جهاز تابع لرئيس الجمهورية مباشرة فلم تسفر الجهود المبذولة خلال العام عن تخفيض معدل البطالة إلى المستوى المستهدف والبالغ 9.3 % حيث بلغ معدل البطالة نحو 11.2 % حسب الجهاز المركزي للإحصاء . وهنا لا أريد أن أذكر التناقض في الأرقام بين جميع الأجهزة الحكومية والرقابية والتي تؤكد عدم المصداقية في تلك الأرقام الشيء الذي جعلنا نطلق على تلك المناقشات بأنها مناسبات سنوية تحولت إلى احتفالات موسمية تقليدية
وأقول وأنا واثق: فلنرجع مثلا لعشر سنوات ماضية ونقوم بالإطلاع على تلك التقارير نجد أن التقارير هي نفس التقارير والملاحظات هي ذاتها والردود لا تتغير البتة
فهل هذا الجمود يوحي بأي تغيير حقيقي وماذا يعني قرار الجهاز المركزي للمحاسبات والذي لخص القضية بالكامل عندما يقول أن هناك تضاربا واختلافا حقيقيا غير مبرر في الأرقام الواردة من كل من وزارة المالية ووزارة التنمية الاقتصادية والبنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العام والإحصاء ومركز المعلومات وعدم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء وكذلك ما يصدر عن باقي الوزارات والهيئات فكل جهة من هذه الجهات لها معدلاتها وإحصائياتها وبياناتها ومؤشراتها فماذا يعني هذا ؟ غير العزلة والانفصال والانعزال وغياب الخطة الواحدة والمنهج الموحد لكل الجهات والموثق لكل الأرقام
الإشكالية هنا هو أن الحكومة تعمل وكأن الجهاز المركزي موقعه هو المواجهة والتصيد وليس التصحيح والتكامل بل الأخطر أن كل وزارة تعمل وكأن الأمر هو صراع بين وزارة وأخرى وهنا فلنترك الأرقام لأصحابها فالموازنة لمجلس الشعب والحساب الختامي للجهاز المحاسبي ولكن نحن الشعب عديم الدخل فلا علاقة لنا بالأرقام فنحن نسمع الوعود والشعارات والبرامج ونحن أيضا ننتظر تحقيق تلك الوعود لا الوعود الكبيرة ولا تلك الأكبر من أحلامنا فنحن نريد مأوى يأوينا وهدمة تغطينا ولقمة تكفينا وعلاج يحمينا ومدرسة تعلم أولادنا وحدا أدنى لدخل يضمن عدم مد اليد والعوز والحاجة .
هذا هو مطلبنا وأي حكومة لا تقدر على تحقيق ذلك بدون شعارات وبدون الدخول في دهاليز الأرقام تصبح حكومة غير قادرة على مهامها فلنترك الموقع لحكومة أقدر على تحقيق ذلك الحد الأدنى لعديمي الدخل . وهذا هو المحك والمعيار والمقياس لأي نجاح لأي حكومة ولأي نظام في العالم والغريب أن تعليق وزارة المالية على تقرير الجهاز هو قول الوزير: وأنا موش مغسل وضامن الجنة . والوزير هذا قد أخذ أحسن جائزة لأحسن وزير مالية في العالم . نعم نحن سمعنا ولا نعلم ماذا يقصد الوزير بالمغسل فهل وصل عديمي الدخل إلى حالة الموت وأن وزير المالية هو المغسل ؟ إذا كان الأمر كذلك فنحن حتى في هذه الحالة لا نريد أن يكون مغسلنا هو وزير المالية .

ليست هناك تعليقات: