ارتفاع عدد الإصابات بالزهري حول العالم
ازدياد مخاوف الأوساط الطبية بسبب انتشار ممارسة الجنس من دون وقاية
التقارير الواردة عن معدلات الإصابة بمرض الزهري في شرق العالم و غربة منذ مطلع العام الحالي، مُثيرة للريبة والقلق لدى غالبية الهيئات الطبية العالمية.
ومع صدور تقرير إدارة مراكز السيطرة علي الأمراض والوقاية في الولايات المتحدة هذا الشهر حول الارتفاع الذي وُصف بأنه حاد في إصابات الرجال الشاذين والرجال الممارسين للاتصال الجنسي مع الذكور والإناث، تحدثت الأنباء عن استعدادات إدارة جامعة الولاية بسان دييغو السريعة لتوفير إجراء تحاليل مستعجلة لمرض الزهري من الراغبين في ذلك من الطلبة نظراً لانتشار الإصابات بين الطلاب في داخل الحرم الجامعي. واتى حرص إدارة الجامعة مع قرب حول نهاية الفصل الدراسي وخشيتها من انتشار الإصابات في مناطق أخرى. هذا وكانت مجلة لانست العلمية قد عرضت في فبراير الماضي من هذا العام نتائج مزعجة جداً حول الارتفاع الصاروخي في عدد الإصابات بالزهري في الصين، وكذلك الارتفاع المماثل في عدد حالات إصابة حديثي الولادة بنوع الزهري المنتقل من الأمهات إلي الأجنة أثناء فترة الحمل. وهي ارتفاعات في الإصابات بلغ معدل زياداتها السنوية حوالي 72%، لكل عام بين عام 1991 وعام 2005 ! وهي معدلات زيادة تُضاف إلى حديث الأوساط العلمية عن رصدها ارتفاع الحالات الإصابات بالزهري في أوروبا الشرقية وأجزاء من روسيا خلال السنوات القليلة الماضية.
مرض الزهري
* والحديث الطبي المتنامي عن الزهري ليس موجها بالدرجة الأولى نحو رصد مدى انتشار الأمراض الجنسية في السنوات الماضية وضرورة الاهتمام، على أقل تقدير، بوسائل الوقاية من إصابات الأمراض المُعدية عبر الاتصالات الجنسية غير الطبيعية أو العابرة، بل لما هو معلوم طبياً من ارتباط وثيق بين الإصابات بالزهري وبين الإصابات بمرض الإيدز. ولما هو معلوم أيضاً من انتشار تلك الإصابات بين صغار السن من البالغين وغيرهم ممن لم يتعرضوا أو يُعيشوا في الأجواء السابقة من الناحية التاريخية لانتشار الإصابات بالزهري، حيث كان يتوفر ما يُعرف بنوع من المناعة العامة لتفشي الإصابات به. وهذا الأمر يُعيد إلى الأذهان ما سبق أن عرضه الباحثون من بريطانيا في يناير من عام 2005 حول تدني المناعة العامة للزهري في المجتمعات، والزيادات الحالية للإصابات به. ومنذ أن أُصيب كريستوفر كولومبس بالزهري، ارتبط في الأذهان دخول هذا المرض إلي العالم القديم باكتشاف العالم الجديد. والزهري أحد الأمراض التي تنتقل بالاتصال الجنسي أو من الأم الحامل إلى جنينها أو عبر نقل الدم، ويتسبب به أحد أنواع البكتيريا القادرة، إن لم تتم معالجتها، على العيش في جسم الإنسان لسنوات طويلة. وبالرغم السنوات الطوال، يظل البنسيلين هو العلاج الأفضل، والذي لم تستطع تلك البكتيريا تكوين مناعة ضده. ووفق ما تشير منظمة الصحة العالمية إليه في إصداراتها الحديثة فإن الإصابات السنوية في كافة أنحاء العالم تتجاوز 12 مليون إصابة، 99% منها في الدول النامية. لكنها تشير إلى أن ثمة انتشاراً وبائياً حديثاً في مناطق أوروبا الشرقية، وأيضاً إلي ظهور حالات وبائية في بعض المدن الأوروبية والأميركية في أوساط الرجال الشواذ، و أن ثمة تزايدا في عدد الإصابات هناك.
طلاب الجامعات والشواذ
* وكان المسؤولون في جامعة ولاية سان دييغو الأميركية والسلطات الصحية في الولاية قد أعلنوا أن الطلاب مدعوون وعلى وجه السرعة إلي إجراء فحوصات الكشف عن الإصابة بمرض الزهري، بعد ورود تقارير عن تأكيد العديد من حالات الإصابات داخل أسوار الحرم الجامعي لها بهذا المرض الجنسي.
وتوجه المسؤولون بذلك الطلب إلى كل الطلاب الذين سبق لهم ممارسة الجنس بطريقة لم تُتبع وسائل الأمان فيها خلال الأشهر الخمسة الماضية. كما تم إرسال الدعوة لإجراء الفحوصات عبر عناوين البريد الإلكتروني وعقد ندوات تعريفية بالمرض وملصقات حائطية بهذا الشأن الصحي.
ويأتي هذا الاستنفار الجامعي مع صدور تقرير إدارة مراكز السيطرة علي الأمراض والوقاية بالولايات المتحدة في الرابع من هذا الشهر بخصوص معدلات الإصابة بمرض الزهري في الولايات المتحدة. وقال الباحثون في الإدارة المذكورة إن ثمة ارتفاعاً حاداً خلال العقد الماضي في عدد الإصابات بالزهري بين الشواذ الرجال، وبين الرجال الذين يُمارسون الجنس مع الذكور ومع الإناث bisexual men، ما يرفع من احتمالات إصابتهم أيضاً بمرض الإيدز كما يُؤكد الباحثون الفيدراليون في تقريرهم.
وقال التقرير إنه ومنذ بدء هبوط نسبة الإصابات بالزهري إلي أدنى ما تم رصده من معدلات لها في العام 2000، فإن معدلات الإصابة بهذا المرض الجنسي المُعدي في ارتفاع مستمر وحاد حتى عام 2005. وهو العام الذي تم فيه تجميع معلومات البحث، أي فيما بين عام 2000 وعام 2005. ومن بين المُصابين، توصل الباحثون إلي أن الشواذ من الرجال، والرجال الذين يُمارسون الجنس مع الذكور ومع الإناث، لم تكن تتجاوز نسبتهم بين المُصابين بمرض الزهري 7%. لكن في عام 2005 شكلت هذه المجموعة من الرجال وحدها نسبة 60%!! وأن عدد إصابات الرجال بلغت ستة أضعاف إصابات النساء.
إهمال الوقاية
* وقال الدكتور خليل غانم، من كلية الطب بجامعة جون هوبكنز في بالتيمور، إن أكثر التداعيات الممكنة تدميراً لهذه النتائج في ارتفاع حالات الإصابة بالزهري هي ارتفاع معدلات إصابتهم بعدوى مرض الإيدز. و أضاف بأن الزهري و الإيدز بينهما علاقة وثيقة و علاقة قاتلة بشكل متكافل ومتعاون.
وعلق الدكتور جيمس هيفلفينغر، الباحث في الإدارة المذكورة، بأن الزهري، كغيره من الأمراض الجنسية المُعدية، يرفع من احتمالات الإصابة أو نقل عدوى مرض الإيدز. وأن الإصابة بالزهري ترفع من احتمالات الإصابة بمرض الإيدز بنسبة قد تصل إلى خمسة أضعاف.
ولاحظ جول غنسبيرغ، المدير التنفيذي للرابطة الطبية للشواذ والسحاقيات بسان فرانسيسكو، أن الكثيرين منهم لا يعلمون بنتائج التحاليل حول إصابتهم بالإيدز إلا بعد ظهور نتائج التحاليل المؤكدة للإصابة بالزهري أولاً. وأرجع الأسباب في انتشار الإصابات بين الشواذ إلى تعدد الشركاء في الممارسات وإلى عدم اتخاذ وسائل الممارسة الآمنة للجنس مثل الواقي الذكري.
والواقع أن المراقبين الطبيين أُصيبوا بخيبة أمل بعد الجهود المكثفة التي تم بذلها في الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، علي وجه الخصوص، والتي وصلت ذروتها في عام 1999 مع إعلان مراكز السيطرة علي الأمراض والوقاية في الولايات المتحدة بدء مرحلة تطهيرها تماماً من الزهري.
وبالتتبع التاريخي لمعدلات الإصابات في الولايات المتحدة، كان عام 1990 هو الأسوأ، حيث بلغت نسبة الإصابات حوالي 21 حالة لكل 100 ألف إنسان، وهي الأعلى منذ عام 1949. وهبطت مع تلك الجهود إلي نسبة 2 إصابة لكل 100 ألف إنسان في عام 2000. لكن في عام 2005 ارتفعت إلى 3 إصابات لكل 100 ألف إنسان، أي حوالي 9000 حالة. وألقى الدكتور غانم باللوم على مجتمع الشواذ، وعلى المؤسسات الطبية والموجهين الطبيين لعامة الناس في فشل توصيل فحوى رسالة الوقاية. خاصة بعد انتشار ذلك الوهن في اتخاذ احتياطات الأمان عند ممارسة الجنس safe-sex fatigue مع ورود الأنباء باكتشاف أدوية قوية ضد الإيدز إبان فترة التسعينات من القرن الماضي. و قال إنه بمجرد ظهور هذه الأدوية المدهشة، فإن المرضى لم يعودوا يرون أن كلمة الإيدز مرتبطة بالموت. وهو ما حصل بالتزامن مع تقاعس الأطباء في إيضاح وتبليغ رسالة ضرورة اتباع وسائل أمان ممارسة الجنس.
الزهري في الصين واضطرابات السلوكيات الجنسية
* تمثل الحالة الصينية، وقبلها حالات أوروبا الشرقية ومناطق من روسيا الاتحادية، نموذجاً للانفلات في الممارسات الجنسية مع موجات الانفتاح. ووفق ما تم طرحة ضمن أعداد يناير من مجلة لانست الطبية البريطانية، فإن السلطات الصحية الصينية أكدت أن معدلات الإصابة بالزهري وصلت إلى أرقام عالية، وصفتها المصادر الطبية بأنها من نوع مستويات ناطحات السحاب، حيث بلغت الزيادات في عدد الإصابات بين تلك التي سُجلت في بدايات تسعينيات القرن الماضي وبين التي تم تسجيلها رسمياً في عام 2005، أكثر من 25 ضعفاً! وعزا الباحثون الأسباب في هذا الارتفاع لإصابات أحد الأمراض الجنسية إلي انتشار البغاء و انتشار ممارسة الجنس قبل الزواج.
وتاريخياً كانت نسبة الإصابات بالزهري في عام 1949 تبلغ أكثر من 5% في الصين بين مجمل عدد السكان، وهي من النسب العالمية العالية التي وُصفت حينها بأنها أحد أسوأ الانتشارات الوبائية للزهري في التاريخ البشري وفق ما تذكره المصادر الطبية. وتم اتخاذ إجراءات صحية لمعالجة عموم المُصابين والحد من الانفلات في الممارسات الجنسية، ما خفض أعداد المُصابين.
ووفق ما تُؤكده الإحصائيات الحديثة للمركز القومي الصيني للأمراض الجنسية المُعدية فإن الإصابات بلغت اليوم 5.7 حالة لكل 100 ألف شخص من السكان. هذا بالمقارنة مع إحصائيات عام 1993 التي قالت بأن الإصابات لكل 100 ألف شخص لم تكن تتجاوز 0.2 شخص. وكانت مدينة شنغهاي الأعلى من حيث انتشار الإصابات، والتي تبلغ 55 حالة سنوياً لكل 100 ألف شخص.
وقال الدكتور مايرون كوهن، من جامعة كارولينا الشمالية في كابيل هل والمشارك مع الباحثين الصينيين في دراستهم، إن المتوقع أن ترتفع معدلات الإصابات إلى درجة أسوأ قبل أن تهبط.
لكن الحقيقة أن هذا ليس هو كل شيء، بل إن معدلات إصابة الأجنة ببكتيريا الزهري وظهور إصابات الأطفال حديثي الولادة به، ارتفع من معدل 0.01 لكل 100 ألف مولود حي في عام 1991، ليصل العدد إلى 20 حالة لكل 100 ألف مولود حي عام 2005!
الاثنين، 14 مايو 2007
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق