الكنيسة تحولت إلى حزب ومشروع دولة والسادات لم يصنع الفتنة الطائفية
حوار عبد الرحمن هاشم ـ خاص (المصريون) : بتاريخ 17 - 6 - 2007
فجر المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة أكثر من "قنبلة" في حواره المثير مع المصريون ، حيث كشف عن وثائق جديدة توضح جذور الفتنة الطائفية في مصر ، والتحولات التي تمت في الكنيسة المصرية ، والقيادات التي أثرت على هذا التحول ، كما حدد ملامح التوترات الطائفية الخطيرة التي حدثت في عهد الرئيس السادات مبرأ له من أن يكون صانعا لتلك الفتن وإنما كان حريصا على وأدها ، ودافع عن موقفه تجاه البابا شنودة ، حين عزله ، لأن البلد لم تكن تحتمل اللعب بالنار مشيرا إلى أن القضاء المصري أنصف السادات بعد وفاته وذهاب سلطانه ، عندما أكد على صحة قراراته في هذا الشأن ، ورفض عمارة ما أسماه تيار "عموم ولاية الكنيسة" الذي يقوده الآن البابا شنودة الثالث في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، ودعا أقباط مصر إلى الالتفاف حول القضايا الوطنية الكبرى ، وأن يكون لهم نشاط حقيقي في ساحة الإصلاح المجتمعي، وأن يكون انتماؤهم إلى الوطن والمجتمع بدلا من الانعزال والتحول نحو الطائفية التي تؤدي إلى الاحتقان، فضلا عن الوقوف في طريق مسدود.
وفي حواره الخطير الذي تنفرد المصريون بنشره ، يوضح المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة المنطلق الإسلامي في التعامل مع أهل الكتاب، ويحلل ويكشف التحول الذي طرأ على الكنيسة المصرية، وما تبعه من ظهور للفتن الطائفية، وأجاب باستفاضة عن الأسئلة التي أثيرت حول الفتح الإسلامي وعروبة مصر، واضطهاد الأقباط والجزية، وبناء الكنائس، وتحول المسيحيين إلى الإسلام، وعلاقة الكنيسة بالدولة.
وإلى نص الحوار :
ـ في البداية نريد من الدكتور عمارة إلقاء الضوء على المنطلق الإسلامي في التعامل مع أهل الكتاب، والأمثلة التطبيقية التي توضح ذلك؟
* الإسلام هو الجامع الوارث لكل مواريث النبوات، ولقد تفرد بالسماحة التي جعلته وحده المؤمن بكل الرسل والأنبياء وبجميع الكتب والصحف والألواح دون تفريق بين أحد من رسل الله (عليهم الصلاة والسلام)؛ "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ" (البقرة : 285).
وانطلاقا من هذا البلاغ القرآني جاء التطبيق النبوي الذي يحتضن ـ بالأيمان ـ كل الرسل والأنبياء فهم جميعا أبناء دين واحد، وشرائعهم ـ أمهاتهم ـ شتى: "الأنبياء أخوة من علات، وأمهاتهم شتي، ودينهم واحد " (رواه البخاري ومسلم وأبو داود).
ولذلك، خاطب الرسول (صلى الله عليه وسلم) اليهود، فقال :" نحن أحق وأولى بموسي منكم" (رواه البخاري ومسلم)، وقال عن عيسي (عليه السلام) : "أنا أولى بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة". قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال :"الأنبياء أخوة من علات، وأمهاتهم شتي، دينهم واحد فليس بيننا نبي" (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد).
وعلى هذا، فالمنطلق الشرعي الإسلامي في التعامل مع غير المسلمين في الدولة الإسلامية منطلق ثابت يميز بين حقوق الله وبين حقوق العباد ـ وحقوق الله سبحانه وتعالى أساس في العقائد والعبادات التي يحاسب عليها يوم الدين، ولهذا ترك الإسلام غير المسلمين في الدولة الإسلامية وما يدينون، ففي دستور دولة المدينة ـ الصحيفة ـ أصبح الآخر الديني ـ اليهود ـ جزءًا من الذات ـ ذات الرعية الواحدة والأمة الواحدة ـ مع حرية الاعتقاد بالعقيدة الجاحدة لشريعة الإسلام!! ونصف هذا الدستور على أن "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومن تبعنا من يهود، فإن لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا نتناصر عليهم. وأن بطانة اليهود ومواليهم كأنفسهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر المحض من أهل هذه الصحيفة دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه".
وعندما جاء وفد نصارى نجران سنة 10 هـ سنة 631 م إلى مدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتح لهم أبواب مسجد النبوة، فصلوا فيه صلاة عيد الفصح، مولين وجوهم إلى المشرق، ثم تركهم وما يدينون، وعقد لهم عهدا عاما ودائما لهم ولسائر من يؤمنون بالنصرانية عبر الزمان والمكان، ولقد جاء في هذا الدستور الذي تفرد به الإسلام دون كل الأنساق الفكرية والمواثيق الدستورية: " ولنجران وحاشيتها ولأهل ملتها، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها فصيحها وأعجمها، جوار الله وذمة محمد النبي رسل الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته، وأن أحرس دينهم وملتهم أينما كانوا بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملتي.
ولا يحمّلون من النكاح ـ الزواج ـ شططا لا يريدونه ولا يكره أهل البيت على تزويج المسلمين، ولا يضارون في ذلك إن منعوا خطابا وأبوا تزويجا، لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم ومسامحة أهوائهم، إن أحبوه ورضوا به، وإذا صارت النصرانية عند المسلم ـ زوجة ـ فعليه أن يرضي بنصرانيتها ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها والأخذ بمعالم دينها ولا يمنعها ذلك، فمن خالف ذلك وأكرهها على شيء من أمر دينها، فقد خالف عهد الله وعصى ميثاق رسوله، وهو عند الله من الكاذبين ولهم ـ أي النصارى ـ إن احتاجوا في مرمة بيعهم وصوامعهم أو شيء من مصالح أمورهم ودينهم إلى رفد ـ مساعدة ـ من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها، وأن يرقدوا على ذلك، ويعانوا ولا يكون ذلك دينا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء بعهد رسول الله وموهبة لهم ومنة لله ورسوله عليهم، لأني أعطيتهم عهد الله أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الزمان والذّبِ عن الحرمة، واستوجبوا أن يذب عنهم كل مكروه حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم..".
إذًا في مقابل الولاء الكامل والانتماء الخالص لدولة الإسلام تكون هناك الحقوق المتساوية التي تسمى الآن في المصطلح الحديث المواطنة، لكن الفارق بينها وبين المواطنة التي جاءتنا من الغرب، والتي ينادي بها البعض أن المواطنة الغربية كانت على أنقاض الدين، لأنها مفهوم علماني، بينما المواطنة التي نص عليها الإسلام قبل 14 قرنا مرجعيتها الدين ودافعها الدين، ولا تتناقض مع الدين.
إذًا المنطلق الشرعي كما قلت في التعامل مع غير المسلمين التمييز بين حقوقه الله وحقوق العباد؛ حقوق الله .. يتركون وما يدينون ولا يتدخل فيها الإسلام وحقوق العباد يتدخل الإسلام بقوانينه وفقهه وشريعته ومعاملاته، وكل ما يتعلق بشئون المجتمع، لأن الدولة في الإسلام دولة مدنية رعيتها متعددة الديانات ومرجعيتها تكون هي الشريعة الإسلامية خاصة أن النصارى بحكم دينهم وإنجيلهم مطلوب منهم أن يتركوا ما لقيصر لقيصر ويكتفوا بما لله، أي أنهم يخضعون لكل منظومة قانونية يسنها القيصر وهذا لا يتعارض مع تعاليم دينهم.
ـ يدعي البعض أن هذا المنطلق والتعامل السمح ظل مطبقا في عهد الرسول وصحابته خلال القرن الأول الهجري فقط لكن بعد ذلك تغير التعامل مع غير المسلمين وتم اضطهادهم .. ما تعليقكم؟
* هذا المنطلق ظل منطلقا ثابتا طوال التاريخ الإسلامي، والدليل على ذلك أنه في عصر أحد السلاطين العثمانيين كانت توجد قلاقل من بعض غير المسلمين فحاول هذا السلطان نفيهم من الدولة الإسلامية، لكن اعترض عليه علماء الإسلام أن لهم عهد الله وذمة ورسوله ومنعوه من نفيهم، وتكرر الأمر في عهد دولة محمد علي وأسرته، ففي عهد الخديوي عباس باشا الأول تم ضبط رسائل بين بابا الأرثوذكس في مصر وبين بابا الفاتيكان؛ والدولة المصرية عبر تاريخها دائما كانت حذرة من العلاقات الخارجية للأقليات، ففكر الخديوي عباس الأول أن يتخذ موقفا ضد الأقباط في مصر، ولكن وقف في مواجهته شيخ الأزهر؛ فمنطلق الإسلام الثابت معهم هو أن يُتركوا وما يدينون ولهم كافة حقوق المواطنة شرط ألا يكونوا ثغرات للأعداء، وأن يكون انتماؤهم وولاؤهم الكامل للدولة والحضارة لإسلامية.
ـ لكن تعامل النبي (صلى الله عليه وسلم) مع اليهود اختلف وانتقل من المسالمة إلى الحرب.. لماذا؟
* هذه قضية بديهية فلو أن أحدا من الرعية المسلمين خرج على الولاء والانتماء للدولة، فلابد أن تتخذ منه الدولة موقفا، والإسلام لأنه دين ودولة، وأمة وجماعة، ونظام واجتماع، ليس الدين الذي يخلو من القانون ومن السلطة التي تعاقب المعتدين وتدين الجناة، والذي حدث أن اليهود في المدينة كانوا نوعين وهذه القضية يغفل عنها كثير من الذين كتبوا.. كان هناك يهود عرب، فدستور دولة المدينة عندما تحدث عن قطاعات اليهود قال: يهود بني عوف، ويهود بني النجار ويهود الأوس، ويهود الخزرج، ويهود بني جشم.. هؤلاء اليهود العرب كانوا حلفاء لليهود العبرانيين.. القبائل العبرانية الثلاث بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، واليهود العبرانيون لم يكونوا يسكنون داخل المدينة، بل الواحات الزراعية خارج المدينة، وكانوا حلفاء لهؤلاء اليهود العرب، واليهود العرب دخلوا العرب دخلوا في الإسلام، وانتهى هذا الفارق، لكن ظل اليهود العبرانيون لهم موادعة وموالاة بينهم وبين الدولة الإسلامية، لكنهم خانوا وذهبوا إلى الوثنيين (قريش) وطلبوا منهم جمع كل العرب والوثنيين الذين يعبدون الأصنام في المدن وفي البادية للقضاء على الدولة الإسلامية، وعرضوا ثلث ثمار الواحات الزراعية مقابل إتمام هذا الحلف، وبلغ الأمر حد أن المشركين عبدة الأصنام سألوا هؤلاء اليهود: أنحن على الحق أم محمد على الحق ؟ فقالوا لهم: أنتم على الحق ونزل فيهم القرآن الكريم: " أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ والطَّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِيـنَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَذِينَ آمَنُوا.." إذا هؤلاء المعاهدون خانوا العهد ويهود بني قريظة فتحوا ثغرة في ذروة حصار الأحزاب ضد الدولة الإسلامية، ولذلك الذين قتلوا منهم لم يقتلوا كمحاربين إنما هم خونة، ارتضوا التحكيم، واختاروا المحكمين، وطبق عليهم حكم القضاء بالخيانة، ولو حدث هذا من مسلم لكانت عاقبته مثلهم سواء بسواء.
ـ كيف بعد الذي ذكرته في دستور المدينة وعهد نصارى نجران نفهم قوله تعالي "حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ"؟
** الجزية معناها الضريبة وتطلق أحيانا على ضريبة الأرض الزراعية التي هي الخراج، وأحيانا تطلق على ضريبة الرأس، والجزية نظام قديم عرفته الإمبراطوريات القديمة قبل الإسلام بقرون طويلة، وعندما جاء الإسلام أحدث تغييرات نوعية وكمية في الضرائب؛ وعلى سبيل المثال: المواطن في مصر كان يدفع 14 ضريبة للدولة الرومانية فلما جاء الإسلام وحرر مصر من الاستعمار الروماني اختزل الضرائب في ضريبتين: ضريبة الخراج على الأرض الزراعية، ويستوي فيها المسلم وغير المسلم، وضريبة الجزية:، وهي دراهم معدودة على من لا يريد دخول الجيش والحرب دفاعا عن الوطن، وكل غير المسلمين الذين دخلوا الجيش وحاربوا مع المسلمين لم يدفعوا الجزية، بل كانوا يأخذون نصيبهم من الغنائم مثلهم مثل المسلمين، وهناك عشرات المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين تنص على هذه المبادئ منها: المعاهدة مع أهل "جرجان" ومع أهل "أذربيجان" ومع أهل "أرمينية" ومع "الجراجمة" في شمالي سوريا ومع أهل "حمص"، ومع "بني تغلب" ومع أهل "الباب" وكلها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وظل هذا النظام قائما، أي أن غير المسلمين إذا دخل الجيش وحارب دفاعا عن الوطن تسقط عنه ضريبة الجيش أي ضريبة الجندية (الجزية) وفي التاريخ العثماني الحديث عشرات الأمثلة على ذلك لأن الدولة العثمانية في بعض عصورها كان 40% من رعيتها غير مسلمين.. هذه هي قضية الجزية فهي بدل جندية وليست بدلا عن الإيمان بالإسلام ولو كانت الجزية بدلا عن الإيمان بالإسلام لكان أول من يدفعها رجال الدين والرهبان غير المسلمين لكن الإسلام يسقط عنهم الجزية ويسقطها عن النساء والأطفال والعجائز والمرضى، لأنهم ليسوا مقاتلين ويسقطها كذلك عن الفقراء؛ إذًا الجزية ضريبة مقابل الجندية يدفعها من لا يريد دخول الجيش وأقول: أيضًا إن المسلم يدفع زكاة هي أضعاف أضعاف ما يدفعه غير المسلم، ولقد أسقطت الجزية عن نصارى مصر سنة 1855م عندما سرى عليهم قانون التجنيد مثلهم مثل المسلمين المصريين.
أما آية الجزية فنزلت في سنة 9 هـ بمناسبة غزوة تبوك وهي ضد الروم فهي تتكلم ليس عن مطلق النصارى، وإنما خصت نصارى الروم المعتدين على البلاد العربية، ولذلك تجد الأوصاف المذكورة في الآية تنطبق على هؤلاء الأعداء المحاربين إما لو رجعنا إلى عهد رسول الله صلى الله عليهم وسلم لنصارى نجران فسنجده يتحدث عن هذه الضريبة كضريبة مقابلة للدفاع عن الوطن، وعلى هذا الأساس تم تطبيقها مع الرعية غير المسلمة طوال تاريخ الإسلام.
ـ قلت: إن الدين الإسلامي أعطى غير المسلمين جميع حقوق المواطنة مثلهم في ذلك مثل المواطنين المسلمين، فما ضمانة عدم تحولهم إلى ثغرات اختراق تخترق جدار الأمن الوطني والقومي للدولة المسلمة؟
* الضمانة هي الدولة لأن الدولة تحرس أرضها واجتماعها ومقومتها وهويتها من أي اختراق خارجي، وبالتالي تحاسب وتراقب وتعاقب كل من يخترق هذا الحمى، وبامتداد التاريخ الإسلامي وجدنا قطاعات من الأقليات كثيرا ما كانت تقع في غواية الأجنبي والاستعمار، وهذا حدث في فترة الحروب الصليبية وتحدث عنها المؤرخون فهناك كتاب اسمه: "تاريخ حرب الصليب" كتبه رجل دين مسيحي اسمه مكسيموس مونرون وترجمه رجل دين مسيحي اسمه مكسيموس مظلوم وطبع في القدس عام 1865م، ذكر في هذا الكتاب أن الصليبين بعد أن احتلوا القدس وقتلوا المسلمين 1099م جاء النصارى، وأخذوا يغنون مع الصليبيين ويحتفلون معهم ويقولون: إن الجنود الصليبيين قد أخذوا قبر ابن الله من غير المؤمنين!!
وتكرر هذا في ظل الفترة التتارية؛ فالمقريزي يذكر في تاريخه (كتاب السلوك) كيف أن النصارى في دمشق عندما احتلت من قبل التتار ساروا في الشوارع بالصليب، وأجبروا المسلمين على القيام لتعظيم الصليب، ورشوا الخمور على المساجد، وكانوا يهتفون في الشوارع: "لقد ظهر الدين الصحيح دين المسيح"، ولما اشتكي المسلمون إلى كتبغا قائد الجيش التتري وهو نصراني نسطوري نهرهم ونزل إلى كنائس النصارى وعظم قسسهم، كما يقول المقريزي، وهذا أحدث ردة فعل بعد انتصار المسلمين في عين جالوت وحدث انتقام إسلامي من هذا الذي صنعوه.
وتكرر هذا الأمر مرة أخرى في ظل حملة بونابرت على مصر، فبعض القبط بقيادة المعلم يعقوب حنا، وهذا الرجل يتحدث عنه الجبرتي في تاريخه ويسميه يعقوب اللعين كون فيلقا من شباب الأقباط وصل لعدة آلاف، وتزيوا بزي الجيش الفرنسي، واشتركوا مع القوات الفرنسية في غزو القرى المصرية، وفي قهر المصريين، وفي تعذيب علماء الأزهر.
ويقول الجبرتي إن "كليبر" ـ خليفة بونابرت ـ قد عهد إلى المعلم يعقوب حنا بان يفعل بالمسلمين ما يشاء فتطاولت النصارى من القبط ونصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم وأظهروا حقدهم ولم يبقوا للصلح مكانا وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين !!".
كما يروي الجبرتي كيف احتفلوا بانتصار بونابرت على المسلمين في مدينة غزة فيقول: فأظهر النصارى والفرح السرور في الأسواق والدور وأولموا في بيوتهم الولايم وغيروا الملابس والعمايم وتجمعوا للهو والخلاعة وزادوا في الشناعة"!!.
وعندما هزمت الحملة الفرنسية جلوا مع الفرنسيين ومات يعقوب في السفينة ووضع جثمانه في برميل خمر ودفن في فرنسا.
إذًا كانت هناك اختراقات وغواية من الاستعمار لقطاعات من هذه الأقليات، وهناك مؤرخ وباحث لبناني مسيحي اسمه جورج قرم كتب كتابا جيدا عن نظام الحكم، وتحدث عن أسباب الاضطهاد الذي لقيه المسيحيون في فترات من التاريخ الإسلامي، وأرجعه إلى ثلاثة أسباب أهم سبب: هو الغواية الاستعمارية والسبب الثاني: أنهم كان منهم من يتولى وظائف المالية والجباية والضرائب فكانوا يظلمون الأغلبية، وكان هذا يحدث ردود فعل من الأغلبية المسلمة ضدهم، والسبب الثالث للاضطهاد: هو وجود بعض الحكم من المسلمين من الذين كان عندهم نوع من التعصب والشذوذ مثل: الحاكم بأمر الله، والمتوكل في العصر العباسي.
والخلاصة: أن مهمة الدولة أن تحارب هذه الاختراقات وتعاقب هؤلاء الذين يغيرون ولاءهم ويخرجون عن الولاء والانتماء للدولة والوطن.
ـ حققت الكنيسة القبطية قبل أعوام قوة سياسية لم تحدث عبر تاريخها السابق حين استعادت إلى رحابها السيدتين وفاء قسطنطين وماري عبد الله، بعد أن كانتا قد أسلمتا، مما اعتبر تطورا نوعيا أثار العديد من التساؤلات حول دور الكنيسة وما إذا كانت تمثل قيادة روحية أم قيادة حزبية سياسية، وتمتد تلك التساؤلات لتشمل طبيعة علاقة الكنيسة بالدولة وحدود التزاماتها بالقانون والنظام العام للدولة.
* أنا أشعر أننا نتعامل مع موقف ودور الكنيسة بالقطاعي فعلى سبيل المثال، تظهر حادثة نتحدث عنها ثم نتجاوزها حتى تظهر حادثة أخرى فنتحدث عنها.. ونتعامل مع العرض لا نتعامل مع المرض: أي لا نغوص لنبحث القضية من جذورها.. النصرانية تقول: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" وتقول: إن دور ورسالة الكنيسة هي خلاص الروح، وتتحدث عن أن المسيح مملكته ليست في هذا العالم إنما هي في السماء.. لكن الملاحظ عندنا في مصر تحول الكنيسة إلى حزب وقيادة سياسية على غير ما تطلب النصرانية، وهذا الدور السياسي للكنيسة لم يبدأ مع قضية وفاء قسطنطين فأنا معي كتاب عنوانه (الأقباط عبر التاريخ) كتبه د. سلم نجيب وهو قاض قبطي هاجر من مصر سنة 1965م إلى كندا وهو رئيس الهيئة القبطية في كندا، والكتاب عبارة عن رسالة دكتوراه أنجزها بالفرنسية في باريس، ثم ترجم هذا الكتاب، وقدم له مجدي خليل ونشر في القاهرة في "دار الخيال"، والكتاب فيه معلومات كثيرة، لكني أقف عند محطات فيه.. الكتاب يشير إلى أن البابا شنودة كتب مقالا في مجلة "مدارس الأحد" في يناير 1952م، أي قبل ثورة يوليو في أثناء الكفاح المسلح ضد الإنجليز في قناة السويس منشور في العدد الأول من مجلة "مدراس الأحد" في الصفحات من 1 إلى 5، والكتاب الذي بين يدي نشر نص هذا المقال؛ فحين أراد الإنجليز عمل فتنة بين المسلمين والأقباط أحرقوا كنيسة في السويس حيث الكفاح المسلح ضدهم وأدرك الناس هذه اللعبة الاستعمارية، إلا أن البابا شنودة في مقاله يلقي بالمسئولية على المسلمين ويقول في المقال بالحرف الواحد: "لعل العالم قد عرف الآن أن المسيحيين في مصر لا يمنعون من بناء الكنائس فحسب، بل تحرق كنائسهم الموجودة أيضًا ولا يعرقل فقط نظام معيشتهم من حيث التعيينات والتنقلات والترقيات والبعثات، إنما أكثر من ذلك يحرقون في الشوارع أحيانًا". البابا شنودة في ذلك التاريخ كان اسمه (نظير جيد) رجل مدني لم يدخل بعد في الدير كتب هذا المقال الإثاري بعنوان: "حول جريمة السويس.. أبهتي أيتها السماوات واقشعري من هذا أيتها الأرض". والأخطر في هذا المقال أن نظير جيد الذي تخرج في كلية الآداب سنة 1647م أشار إلى موقف له حدث في سنة 1948م يؤكد على أننا أمام مشروع له زعيم، والزعيم له تاريخ في هذا المشروع؛ وخلفية الموقف أن الإنجليز مرة أخري أحرقوا كنيسة في الزقازيق بعد بدء حرب فلسطين، ودخول الفدائيين قبل الجيوش العربية، وذهب إبراهيم فرج ـ سكرتير حزب الوفد ـ (مسيحي)، واتفق مع البابا على تسوية الموضوع مع مدير المديرية في الزقازيق، لكن البابا شنودة (نظير جيد) في المقال الذي نتحدث عنه لم تعجبه هذه التسوية، بل رفضها واتهم المسلمين والإخوان المسلمين بالأخص بحرق كنيسة الزقازيق!!.
الخطير أن نظير جيد يتحدث في المقال، ويذكر أن وزير الصحة نجيب باشا إسكندر (مسيحي) في حكومة النقراشي باشا سنة 1948م ذهب إليه عندما حرقت كنيسة الزقازيق، وجاء نص كلامه هكذا :" لقد زارنا نجيب باشا وقتذاك فقال لنا: ( لاحظ صيغة الجمع) لحساب من تعملون؟ لقد اصطلح المدير مع المطران وانتهى الأمر وانتم تهددون وحدة العنصرين".
إذًا هناك جماعة مع نظير جيد ذهب إليهم وزير الصحة نجيب إسكندر باشا، ويعلق نظير جيد بعد ذلك فيقول: "وإبراهيم فرج باشا جاهد كثيرا ليقنع غبطة البطريرك لمقابلة رئيس الوزراء قائلاً: إن من الواجب أن نفسد على الإنجليز دسائسهم في تقويض هذا الاتحاد المقدس بين عنصري الأمة".
يعني إبراهيم فرج ـ سكرتير الوفد ـ يدعو المطران إلى مقابلة رئيس الوزراء وتسوية الموضوع لنفسد على الإنجليز كل هذا نظير جيد وجماعته ضده.. وهذا هو البعد التاريخي لموقف البابا شنودة قبل أن يدخل الدير.
المحطة الثانية التي نتوقف أمامها في كتاب (الأقباط عبر التاريخ) حدثت في سبتمبر 1952م عقب قيام ثورة يوليو، حيث أقيمت جمعية الأمة القبطية برئاسة محام اسمه إبراهيم هلال، وأنا أشير إلى هذه الجمعية التي ذكرها كتاب (الأقباط عبر التاريخ) لأن مطالبها هي نفس مطالب البابا شنودة (نظير جيد) بعد أن تحول إلى الدير وأصبح بطريركًا للأرثوذكس.. الجمعية أقيمت في 11 من سبتمبر 1952م وتعمدوا إعلانها في أول شهر توت ـ عيد الشهداء عند الكنيسة القبطية ـ وتكونت الجمعية ودخل فيها خلال عام واحد 92 ألفا من شباب الأقباط وظلت قائمة حتى 24 من أبريل 1954م.
ما مطالب هذه الجماعة؟، يتكلم الكتاب ـ الذي بين أيدينا ـ فيقول: "إنها تؤكد على أن الأقباط يشكلون أمة، ويطلبون ألا ينص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة، وأن يكون نائب رئيس الجمهورية قبطيا، ويطلبون أن يكون الدستور وطنيا، وليس دينيا مصريا، وليس عربيا، وبإزالة كل صور وأشكال التمييز ضد الأقباط، وكان لهذه الجماعة علمها وزيها الخاصان بها وكان العلم يمثل صليبا مصريا (مفتاح توت عنخ أمون) منصوبا في الإنجيل؛ وتعليق تحت هذا الشعار يقول: (وسيأتي اليوم)!!، وبالإضافة إلى ذلك كان لهذه الجماعة نشيد وطني قبطي كان ينشد في جميع احتفالاتهم وكان شعار هذا الجماعة هو : "مصر كلها أرضنا التي سلبت منا بواسطة العرب المسلمين منذ 14 قرنا.. إن أرضنا هي مصر ونحن سلالة الفراعنة وديانتنا هي المسيحية وسيكون دستورنا هو الإنجيل وتكون لغتنا الرسمية هي اللغة القبطية"، وأريد أن أستدرك فأقول: إن المقال الذي كتبه نظير جيد (البابا شنودة) في يناير 1952، وضع فيه عبارة لافتة للنظر تقول: "إن المسلمين أتوا وسكتوا معنا في مصر"! يعني هو يرى أن المسلمين غزاة وجاءوا وسكنوا في مصر، وليسوا مصريين قد أسلموا. هذه الجمعية التي كونت في سبتمبر 1952م اختطفت البابا وقتذاك، وذهبت به إلى دير في الصحراء، وأرغموه على التنازل عن البابوية، لكن ضباط الثورة قبضوا عليهم، وحل عبد الناصر الجماعة وأدخل قيادتها السجن، وبعد حل الجماعة وفشل الآلية التي تريد إرجاع مصر قبطية بلغة قبطية، والنظر إلى المسلمين باعتبارهم غزاة، بعد حل هذه الجماعة وسجن قيادتها دخل نظير جيد إلى الدير لتأتي في 14 من نوفمبر سنة 1971م بطريركا وبابا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وليتخذ بواسطة الكنيسة المشروع الذي تبناه منذ عام 1948م والذي تبنته جماعة الأمة القبطية سنة 1952م.
وهذا الكتاب (الأقباط عبر التاريخ) كتاب في غاية الأهمية وهو مليء بمعلومات شديدة الأهمية وشديدة الغرابة في نفس الوقت؛ إذًا نحن أمام تطور في الكنيسة المصرية ليس واقف عند فرد هو نظير جيد الذي أصبح البابا شنودة الثالث، وإنما فريق واتجاه يتبنى أني يكون هناك عموم لولاية الكنيسة، مما يعني أن الكنيسة التي رسالتها التاريخية أن تقف عند ما لله هذا الاتجاه يريد أن يجعلها تتولي ما لله وما لقيصر (أي السياسية والدولة)، وهذا يذكرنا بما قام به الإمام الخوميني في الفكر الشيعي؛ فالفكر الشيعي منذ غيبة الإمام الثاني عشر وقف الفقهاء عند الفروع والعبادات، وتركوا شئون السياسة والدولة إلى أن يعود الإمام الغائب، والأمر الذي أحدثه الإمام الخوميني هو ما يسمى في فكر الثورة الإيرانية (عموم ولاية الفقيه)؛ أي أن الفقيه أصبحت ولايته عامة تشكل إقامة الدولة والحكومة كنائب عن الإمام الغائب، ونحن في الكنيسة المصرية أمام تيار يتبنى عموم ولاية الكنيسة، ولا أريد أن أقول إن كل رجال الكهنوت في الكنيسة الأرثوذكسية يتبنون هذا الذي تبناه البابا شنودة، إنما هناك اتجاهًا للأب متى المسكين، وله كتب كثيرة، وأنا في مكتبتي أكثر من 25 كتابا له لكنه مقموع وكان من المؤيدين لموقف الدولة أيام السادات في مواجهة هذا التيار( تيار عموم ولاية الكنيسة)؛ فالبابا شنودة عندما جاء إلى رئاسة الكنيسة في 14 من نوفمبر 1971م، وكانت الدولة في ذلك التاريخ في مأزق وتعد لحرب أكتوبر، وتواجه كذلك مراكز القوى (التيار الناصري واليساري)، انتهز فرصة هذا الوضع الذي فيه الدولة، وبدأت أحداث الفتنة الطائفية، ولذا أنا أركز على سؤال لا أرى أحد يطرحه لماذا لم تعرف مصر فتنة طائفية إلا بعد مجيء البابا شنودة ؟ (حادثة الخانكة في 1972م).
أقول رغم ما بذله كرومر والاستعمار الإنجليزي فلم يستطيعوا أن يوجدوا فتنة طائفية في مصر، والذي حدث فقط هو مؤتمر قبطي، ثم حدث مؤتمر مصري وعولجت المشكلة، وعندما قامت ثورة 1919م، انتهت هذه الصفحة تماما لكن مصر لم تعرف فتنة طائفية، وحوادث القلق والعنف، إلا بعد مجيء البابا شنودة على رأس الكنيسة القبطية وبدأت بحادثة الخانكة في 1972م.
أنا أعرف أن بعضهم يلقي اللوم على السادات، وأنا أتساءل لا يمكن لرجل مثل السادات وفي وضعه أن يحدث قلقا في المجتمع وهو يعد لحرب أكتوبر، الأمر الثاني: لو كانت الفتنة الطائفية صانعها هو السادات كان من المفروض أن تموت بموت السادات لكنها استمرت بعده وأنا أعرف أن بعضهم يقول إن السبب فيها هو الجماعات الإسلامية، لكن الفتنة الطائفية بدأت في 1972م قبل إفراج الدولة عن "الإخوان المسلمين" وقبل ظهور الجماعات الإسلامية، ثم أن الجماعات الإسلامية وجماعات العنف ضربت، لكن استمرت الفتنة الطائفية.
إذًا تغيرت رئاسة الدولة واستمرت الفتنة الطائفية، وتغيرت أوضاع الجماعات الإسلامية واستمرت الفتنة، إذًا المستمر هو وجود البابا شنودة ووجود هذا التيار تيار عموم ولاية الكنيسة وشمولها السياسة والدولة.
وأنا أقول إن البابا شنودة لما عزله السادات في مارس 1981م وأعاده الرئيس مبارك في سنة 1982م بعد مقتل السادات، رفع البابا شنودة قضية أمام مجلس الدولة لإلغاء قرار السادات، فجاء حكم مجلس الدولة بتاريخ 12/4/1983 في القضية رقم 934 لسنة 36 قضائية ضد البابا شنودة، وجاء في حيثيات الحكم (وأنا نشرت هذا الكلام في كتابي (في المسألة القبطية حقائق وأوهام) ونص الحكم وهو: "إن البابا شنودة حول الكنيسة إلى حزب سياسي وإلى مشروع دولة وإنه قام بما يخل بالأمن وقد حرك أقباط المهجر في مظاهرات ضد الرئيس السادات عند زيارته لأمريكا، وأنه سعى إلى إثارة شعور الأقباط لحشدهم حوله، واستغل ذلك في الضغط على سلطات الدولة، واستعدى الرأي العام العالمي على الحكومة المصرية، وأضر بسمعة البلاد ولقد صور له الطموح السياسي أن تقيم الكنيسة من نفسها دولة داخل الدولة تستأثر بأمور المسيحيين الدنيوية، وخرجوا بالكنيسة عن دورها السامي الذي حدده لها المسيح عليه السلام في قوله : "ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، إذًا أقول: إن القضية ليست وفاء قسطنطين ولا ماري عبد الله ولا غير تلك الحوادث التي نأخذها بالقطاعي لكننا أمام مشروع سياسي له أركانه وله قيادته، وبعد أن فشلت الآلية المدنية (المتمثلة في جمعية الأمة القبطية) في تحقيقه أصبح أمام البابا شنودة طريق واحد هو طريق الكهنوت وجعل الكنيسة والسلطة الدينية في خدمة هذا المشروع.
الاثنين، 18 يونيو 2007
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق