انتخابات الشوري : انتصار الديمقراطية في بر مصر!
ضياء رشوان
عندما تبدأ عزيزي القارئ في قراءة هذا المقال، تكون انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري قد بدأت، في أول تطبيق عملي للتعديلات الدستورية بشأن الانتخابات العامة في البلاد، خاصة المادة (٨٨) الشهيرة، التي كانت سابقاً تختص بانتخابات مجلس الشعب وحده، وأصبحت بعد تلك التعديلات تنطبق أيضاً علي انتخابات مجلس الشوري.
ولمزيد من التوضيح، فهذه المادة في صياغتها السابقة التي حسمها حكم المحكمة الدستورية العليا عام ٢٠٠٠ كانت تنص علي ضرورة إشراف القضاة علي عمليتي الاقتراع والفرز في انتخابات مجلس الشعب، بما أوجب أن تكون كل لجنة فرعية، أو صندوق انتخابي، تحت الإشراف المباشر من أحد رجال القضاء، وأن تشكل لجان الفرز من القضاة وحدهم، وهو ما تم تطبيقه في انتخابات مجلس الشعب عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠٥، أما الصياغة الجديدة للمادة كما أتت بها التعديلات الدستورية الأخيرة وتم تفصيلها في التعديل الأخير لقانون مباشرة الحقوق السياسية، فقد استبعدت هذا الإشراف القضائي المباشر علي عمليتي الاقتراع والفرز، ووحدت من طريقة الإشراف وإدارة الانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري.
ووفقاً لذلك تشكلت اللجنة العليا للإشراف علي الانتخابات من خليط من عناصر قضائية حالية وسابقة وشخصيات عامة، اختارها مجلسا الشعب والشوري، وهو التشكيل الذي رفضته جميع الأحزاب والقوي السياسية الرئيسية في البلاد ومعها قطاعات واسعة من النخبة السياسية والثقافية.
ووفقاً للتعديلات نفسها في القانون فقد تم توحيد طريقة تشكيل اللجان العامة والفرعية المشرفة علي انتخابات مجلسي البرلمان، فأصبحت اللجنة العامة المشرفة علي الانتخابات في كل دائرة تتشكل من عناصر قضائية، يتراوح عددها من ثلاثة إلي تسعة عناصر بحد أقصي، بينما تتشكل اللجنة الفرعية رئيساً وأميناً من العاملين في أجهزة الدولة الحكومية.
أما لجان الفرز في الدوائر الانتخابية فقد نص التعديل الأخير علي أن تتشكل كل منها برئاسة أحد أعضاء اللجنة العامة، أي أحد القضاة، ومعه اثنان من رؤساء اللجان الفرعية في نطاق الدائرة الانتخابية، أي موظفين في إحدي الهيئات الحكومية.
هذا هو الإطار الدستوري والقانوني الذي تجري انتخابات الشوري اليوم في ظله، وهو وحده الذي يمكن له أن يدلنا علي النتيجة المتوقعة لها. وكما يقول المثل العامي المصري «الجواب يبان من عنوانه»، فهذه القواعد القانونية لإدارة انتخابات الشوري توضح كيف سيكون مسارها ومسار كل الانتخابات التي ستجري في المستقبل، لأحد مجلسي البرلمان والتي ستطبق عليها القواعد نفسها.
فبعيداً حتي عن تشكيل اللجنة العليا للإشراف علي الانتخابات علي المستوي القومي وما يشوبه من مثالب كبيرة تحول دون حيدتها ونزاهتها، فتشكيل اللجان العامة في الدوائر يوضح النية التي يتجه إليها الحزب الوطني وحكومته والتي ستكون محلاً للتطبيق العملي اليوم في انتخابات الشوري.
فقد أصر الحزب والحكومة علي ألا يزيد عدد القضاة في تلك اللجنة علي تسعة بنص القانون، في الوقت الذي تضم فيه بعض الدوائر الانتخابية في مجلس الشوري ما يزيد علي نصف المليون ناخب وتمتد علي مساحات جغرافية شاسعة وتشمل عشرات القري ومئات اللجان الفرعية، الأمر الذي يجعل مهمة هذا العدد الضئيل من القضاة في الإشراف عليها مستحيلة التنفيذ علي المستوي العملي، ويتركها مفتوحة مستباحة لأعضاء الحزب الحاكم ورجال إدارات الدولة وموظفيها الذين يديرون الانتخابات في اللجان الفرعية ليفعلوا فيها ما يشاءون.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا أصر الحزب الوطني وحكومته علي وضع هذا الحد الأقصي لعدد القضاة في تشكيل اللجنة العامة، في الوقت الذي يوجد فيه عدد كاف من أعضاء الهيئات القضائية في البلاد يمكن الاستعانة بهم في عضوية تلك اللجان، بالعدد الذي يتناسب مع مساحة كل دائرة انتخابية وعدد الناخبين المقيدين فيها، وبخاصة أن الانتخابات سوف تجري بحكم التعديل الدستوري الأخير في يوم واحد بما يسقط حجة عدم إشغال القضاة عن عملهم الأصلي بعملية الانتخاب؟
والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تبدو واضحة في التشكيل الغريب للجان الفرز في الدوائر المشار إليها سابقاً، فقد جعل الحزب الوطني أغلبية عضويتها لموظفي الحكومة وليس للقضاة حيث هناك اثنان من الموظفين مقابل قاض واحد.
والأرجح أن كل من يتشدقون في الحزب الوطني وحكومته باحترام القضاء، ورغبتهم الصادقة في منحه أقصي درجة من الإشراف علي عملية الانتخاب بما لا يعطل عمله الأصلي، لا يستطيعون أن يفسروا لنا لماذا لم يتم تشكيل لجنة الفرز هذه من العناصر القضائية وحدها دون غيرها ولديهم من ثلاثة إلي تسعة منهم موجودون بالفعل في تشكيل اللجنة العامة في الدائرة؟
الحقيقة أن إجابة السؤالين المرتبطين ببعضهما البعض لن تكون نظرية في هذا المقال، بل ستكون عملية بعد منتصف الليل، اليوم عندما تعلن نتائج انتخابات الشوري التي تجري الآن وفقاً لتلك القواعد، حيث سنري جميعاً كيف استعاد الحزب الوطني عافيته بصورة مفاجئة في هذه الانتخابات، خلافاً لما شهدناه في انتخابات مجلس الشعب السابقة، وكيف سيكتسحها بمرشحيه «الأكفاء» ويسقط جميع مرشحي الإخوان المسلمين والأحزاب الرسمية «منعدمي» الشعبية، لتنتصر بذلك الديمقراطية الحقيقية في بر مصر.
الأربعاء، 13 يونيو 2007
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق