الثلاثاء، 18 سبتمبر 2007

ابن تيمية والتأويل دكتور/ محمد عمارة

ابن تيمية والتأويل


د. محمد عمارة
لقد أبدع شيخ الإسلام ابن تيمية [661 – 728 هـ / 1263- 1328م] في مكانة العقل والعقلانية الإسلامية صفحات لو جمعت ـ من كتبه ـ كونت سفرا كبيرا..
ومن هذه الإبداعات، التي قرر فيها المؤاخاة بين الحكمة العقلانية وبين الشريعة النقلية ـ وبتعبيره: بين صريح المعقول وصحيح المنقول ـ قوله :
"والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد في العقل ، فالحق لا يتناقض ، والرسل إنما أخبرت بحق والله فطر عباده على معرفة الحق ، والرسل إنما بعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة . قال الله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ} (فصلت : 53).. فأخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية والمبينة لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية، وبتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول"..
هكذا قطع ابن تيمية بأن لله آيات في كتابه المسطور ـ هي الدلالة البرهانية القرآنية ـ وآيات في كتاب الكون ـ كتاب الله المنظور ـ هي الدلالة البرهانية العيانية ـ .. وقطع بالمؤاخاة بين هذه الدلالات.. المنقول منها والمعقول..
وإذا كانت إبداعات ابن تيمية في هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة ، تستدعي قراءته من جديد، لإزالة الأوهام التي علقت بأذهان الذين جهلوه.. وافتروا عليه.. فإن موقف هذا الفيلسوف الكبير من قضية التأويل هو الآخر في حاجة إلى أن تسلط عليه الأضواء..
لقد توهم كثيرون ـ من خصوم ابن تيمية وأنصاره ـ رفضه للتأويل بتعميم وإطلاق.. ولو أنهم فقهوا موقف الرجل لعلموا موقفه من هذه القضية الشائكة.. وهو موقف متوازن وموضوعي بقوله فيه :
".. والتأويل المقبول : ما دل على مراد المتكلم..
فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب هو من باب التحريف والإلحاد لا من باب التفسير وبيان المراد..
وأما تأويل ما أخبر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها ، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره.. ولهذا قال السلف : إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه..
وكذلك الصحابة والتابعون ، فسروا جميع القرآن، وكانوا يقولون : إن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به، وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه ، وكذلك لا يعلمون كيفيات الغيب، فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر.
وأما من قال : إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا الله، فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله، وقالوا إنهم يعلمون معناه.
والآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله، إنما نفى عن غيره علم تأويلها لا علم تفسيرها ومعناها.."

هكذا نفى ابن تيمية إمكانية التأويل ـ أي إدراك الكنه ـ لما لا يستقل العقل بإدراكه، من ذات الله وصفاته وحقائق عالم الغيب ـ فالعقل يدرك تفسيرها ومعناها.. لا كنهها وتأويلها.. بينما الباب مفتوح أمام العقل لتفسير ما عدا ذلك من عالم الشهادة.. والإدراك لحقائق ما جاء به القرآن الكريم.


ليست هناك تعليقات: