الخميس، 21 فبراير 2008

مخالفة القانون من أجل الدعوة .. هل يقبل؟

مخالفة القانون من أجل الدعوة .. هل يقبل؟

السادة الأفاضل في إسلام أون لاين، تحية طيبة وبعد..
أرجو منكم أن تقبلوا مني هذه تساؤلي بصدر رحب: هل يحق لفئة من الناس اختراق القانون في أشكاله المتعددة بهدف الدعوة إلى الله؟.

فهل الدعوة إلى الله تتطلب منا عدم احترام النظام والقانون فيما لا يأمر بمعصية لله، مثل قانون الجامعات الذي يحظر على الأحزاب العمل السياسي داخل حرم الجامعة، بينما يخترقه البعض بهدف الدعوة إلى الله.

وأنا أؤكد أنه عمل سياسي بالدرجة الأولى، حيث يقومون بعمل دوائر تسمَّى الربط العام، وتضم في طياتها نصارى، وهى تهدف لعمل حصانة لهم في الشارع، ومنها عمل الدعوة الفردية، الذي يهدف إلى ضم أعضاء جدد.

أقصد من سرد ذلك إلى أنه عمل سياسي بالدرجة الأولى، كما أرجو الوضع في الاعتبار حكمة القانون في منع العمل السياسي داخل حرم الجامعة، فبإمكانكم تخيل الجامعة والأحزاب تعمل بها، والطلاب ينقسمون أحزابًا وفرقًا، يتعصب كل منهم لحزبه وسياسته.. فهل هذا المجتمع جدير أن يكون مكانًا للعلم؟.

أيضًا، هنا موقف أريد منكم رأي الشريعة الإسلامية فيه، لقد قام ضابط الأمن في جامعتنا بمنع طالبة من الدخول بلوحة عن فلسطين، وذلك لأنها غير حاصلة على تصريح قانوني بذلك، وتطور الأمر إلى مشادة كلامية، أدت إلى جذب الضابط للطالبة من يدها، فشعر طلاب الحركة الإسلامية أن ما فعله الضابط يعد جريمة، وأنا معهم في أنه مخطئ، ولكنهم قاموا بالذهاب إليه وضربه ضربًا مبرحًا، بدلاً من اتخاذ الإجراء القانوني ضد الضابط.

سيدي، سنويّا تحصل الكثير من الحوادث الشبيهة بهذا الموقف، ويقوم طلاب الحركة بالاعتداء على عمداء الكليات والأساتذة، للرد عليهم، ولا يسلكون الطريق القانوني.

أنا هنا أريد حكم الشريعة الإسلامية فيما يقوم به طلاب الحركة داخل الجامعة، وفيما يفعله البعض من ممارسة العمل السياسي داخل الجامعة، وعدم الالتزام بالقانون؟.

مع العلم أنه من الممكن ممارسة الدعوة إلى الله بدون مخالفة القانون، وشكرًا.

أرجو أن يكون صدركم متسعًا لقول الحق، وجزاكم الله خيرًا.


السؤال
شباب وطلاب, مشكلات في الدعوة والحركة, وسائل اجتماعية الموضوع
الدكتور فتحي يكن المستشار

الحل


أخي الكريم حسين، حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
إن التساؤلات التي طرحتها تعتبر عندي في غاية الأهمية، وهي تتكرر بشكل وبآخر، هنا وهناك وهنالك، فهي تظهر أحيانًا من خلال الالتفاف على قوانين الدولة بحجة أنها غير إسلامية، وأنها تحكم بغير ما أنزل الله.

ثم تبدو في مكان آخر، من خلال التحايل على الرسوم والضرائب، والامتناع عن دفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء، بذريعة أن قوانين هذه الدولة وضعية، تجوز سرقتها! وقد تظهر من خلال مخالفة قوانين السير وأنظمة المرور، تحت مظلة الاستجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكفار.

إن هذه الممارسات وغيرها - وهي متعددة وكثيرة - يحسن النظر إليها والحكم فيها برأي الشرع ومنظور الشريعة، استجابة لقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا).

أما بالنسبة للحالة التي عرضتها، المتعلقة بممارسة نشاطات محظورة في الجامعات، أقول: إن الانتساب للجامعة ابتداءً يعتبر دخولاً في عقد بين الطالب وهذه المؤسسة، والدخول في أيّ عقد مع أية جهة يقتضي الالتزام بقوانينها واحترام أنظمتها.

والوفاء بالعقود والتزام العهود من المبادئ الأساسية التي أرسى قواعدها الإسلام، وحذر من مخالفتها، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)، وقال في مقام المدح: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا).

ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني من خلال ترجمتها على أرض الواقع، حتى مع غير المسلمين، فكان في كل مسألة يرى البعض أنها لا تحتاج إلا إلى شيء من التساهل يرفض ذلك، وينهى عن الغدر، حتى مع الكفار والمشركين.

هذا جانب، والجانب الآخر أن الطلبة الذين تعنيهم إنما يصدرون في تصرفاتهم تلك عن قناعة شرعية، بأن وراء حظر هذه النشاطات في الجامعة خلفيات سياسية، أملتها مواقف الدولة غير الشرعية وغير الإسلامية.

أضف إلى ذلك أنهم يرون أن النشاط الذي يقومون به يتصل بقضية مقدسة - هي قضية فلسطين - وأن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مجازر وحرب إبادة فوق كل اعتبار، وأن ذلك يقتضي من حكومة البلد وإدارة الجامعة وأساتذتها وطلابها - فضلاً عن مؤسسات الدولة وشعبها ومواطنيها - أن يكونوا في خندق واحد مع المسلمين حيثما كانوا، لمواجهة العدو الصهيوني ولنصرة إخوانهم في الدين والدفاع عن مقدساتهم.

فإذا كانت الضرورات - والضرورات تقدّر بقدرها - تبيح المحظورات الشرعية، فإن من باب أولى أن تبيح المحظورات القانونية والإدارية.

وثمة حيثية هامة ينبغي الوقوف عندها بين يدي دراسة الموضوع، وتتعلق بموازين المصالح والمفاسد وحكم الشرع فيها، فمن خلال القاعدة التي تنص على أن "درء المفاسد يُقدَّم على جلب المنافع"، يمكن تحديد حكم شرعي في القضية المطروحة أو غيرها، فإذا تبين أن مفاسدها هي الطاغية، وهي الأكبر، كان العزوف عنها أولى، وبخاصة إذا خرجت عن إطارها، وغدت خارج دائرة السيطرة، والعكس هو الصحيح كذلك، والله أعلم.

وعن علاقة الطلاب الذين يمارسون الدعوة في الجامعة، بهيئات التدريس والجهات الأمنية، أنصح بقراءة هذا المقال، الذي ناقش تلك المسألة:

الدعوة الطلابية.. استيعاب لا مواجهة

وفقك الله، ومرحبًا بك وبرسائلك دائمًا.

ليست هناك تعليقات: