السبت، 3 مايو 2008

جرائم فوق الأرض وسرقات في باطنها.. الصهاينة يصادرون المياه العربية

جرائم فوق الأرض وسرقات في باطنها..
الصهاينة يصادرون المياه العربية


غلاف مجلة المجتمع العدد 1798
تقوم الإستراتيجية الصهيونية على أساس مبدأ غاية في الخطورة على الأمن المائي العربي، بل وعلى الأمن القومي العربي ككل، وهو أن "المياه مصدر إستراتيجي تحت السيطرة العسكرية".. وقد أثبتت الوثائق التاريخية والوقائع الاستيطانية أن الحركة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م حدَّدت أن فلسطين "وطن لليهود"، وأن مصادر المياه العربية هي الحدود ل"أرض الميعاد"!!

منذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948م، وهو يبحث عن الذرائع المختلفة للاستحواذ والاستيلاء بكل الوسائل والطرق على مصادر المياه في الوطن العربي لتنفيذ طموحات الكيان في تعمير وزراعة صحراء النقب التي تفتقر للمياه وتشكل أكثر من نصف مساحة أراضيه.
وسعت "إسرائيل" منذ البداية للسيطرة على مصادر المياه العربية، وقالت رئيسة وزرائها السابقة "جولدا مائير": "إن التحالف مع إثيوبيا وتركيا يعني أن أكبر نهريْن في المنطقة (النيل والفرات) سيكونان في قبضتنا".


اهتمام مبكر


وقد بدأ الاهتمام الصهيوني بالمياه العربية في وقت مبكر، حيث كانت المسألة المائية قضية أساسية واكبت الحركة الصهيونية منذ نشأتها، فمفهوم الحدود الآمنة تدخل فيها منابع المياه في المنطقة، وأساساً نهر الأردن ونهر اليرموك ومياه "جبل الشيخ" و"نهر الليطاني".. ففي عام 1867م نظمت مؤسسة استكشاف فلسطين البعثة الصهيونية الأولى المكونة من مهندسين لتقييم الموارد المائية في المنطقة، ووضعت اللجنة في تقريرها مياه نهرَيْْ الأردن والليطاني في اعتبارها، وخلال الفترة (1899 1901م) قام مهندس سويسري اعتنق الديانة اليهودية ويُدعَى "إبراهام بوكات" بتقديم مشروع إلى مؤسس الحركة الصهيونية "ثيودور هرتزل" ينص على ما يلي: "إن أرض إسرائيل المقترحة يمكن أن تكون خصبة جداً باستخدام مشروع طاقة وريًّ ضخم، وذلك باستقدام مياه نهريْ الليطاني والأردن إلى الجليل لري أرض إسرائيل الموعودة، وتزويد مدينة "القدس" والمدن الأخرى بالمياه"..
وقال "هرتزل": "إن المؤسِّسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسو المياه" "ذكر ذلك في روايته "الأرض القديمة الجديدة"، وتمضي الوقائع التاريخية لتؤكد ذلك، فقد أدرك زعماء الحركة الصهيونية منذ وقت مبكر أهمية المياه لإنشاء دولتهم في فلسطين، حيث تفاوض "هرتزل" مع اللورد البريطاني "كرومر" عام 1903م لتحويل مياه النيل إلى صحراء سيناء لتوطين المهاجرين اليهود فيها، وفي عام 1905م قام المهندس العالمي "ديلبوس" بدراسة حوض نهر الأردن، وتوصل إلى نتيجة مهمة، وهي أن مياه نهر الأردن لا تكفي حاجات "إسرائيل" من المياه على المدى البعيد، واقترح تحويل مياه نهر الليطاني اللبناني أو الحاصباني أحد منابع نهر الأردن إلى الأراضي الفلسطينية.
وبعد الحرب العالمية الأولى، وأثناء مؤتمر السلام في باريس عام 1919م قدمت الحركة الصهيونية مذكرة إلى المؤتمر طالبت فيها بربط فكرة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين بالهجرة اليهودية والمياه، وأكدت المذكرة ضرورة تلازم حدود "الدولة العبرية" مستقبلاً مع مصادر المياه، وأثناء تقسيم بلاد المشرق العربي ضمن اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916م طلب ممثل الحركة الصهيونية من البريطانيين أن يُدخِلوا نهر الأردن ونهر الليطاني ضمن حدود فلسطين.
وبإعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، وبعد الاتفاق بشأن حدود فلسطين، وبمعرفة الحركة الصهيونية وموافقتها بدأت هذه الحركة تنفيذ مشروعاتها، والتخطيط المبكر لإقامة الوطن القومي لليهود، وذلك ببناء الوقائع على الأرض والمؤسسات حتى يحين الوقت لإقامة ذلك الكيان، والأمر يتطلب الأموال والهجرة، والاستيطان، وضمان المياه، وحماية الدول الغربية، وتمَّ تأمين ذلك كله للحركة الصهيونية كعامل أساسي في تحقيق الحلم الصهيوني.
وجاء مشروع "روتنبرج" لتوليد الطاقة الكهربائية على نهر اليرموك ليكون البداية للسيطرة على المياه العربية، تلاه مشروع "هايس لوذر ميلك" الأمريكي عام 1938م الذي يتلخص في شق قناة من البحر المتوسط قرب "حيفا" تتجه شرقاً لتصب في البحر الميت، والاستيلاء على مياه نهر الأردن وروافده، وتجفيف بحيرة "الحولة"، والاستيلاء على مياه نهر الليطاني.


سيطرة على مصادر المياه


وزادت "إسرائيل" المشكلة تفاقماً بعد حرب عام 1967م، حيث تمكنت من السيطرة على مصادر المياه العربية، وبخاصة في الجزء الجنوبي من نهر الأردن، وأدى سحبها الجائر للمياه إلى إلحاق أفدح الأضرار بالأراضي الزراعية العربية الممتدة على جانبيْ النهر..
وفي عام 1978م تصاعدت حدة المشكلة حين أقامت "إسرائيل" ما يُسمَّى بمنطقة الحزام الأمني في جنوب لبنان، حيث مكنها ذلك من السيطرة على مصادر المياه اللبنانية، وبخاصة مياه نهر الحاصباني الذي يغذِّي بحيرة طبرية بما لا يقل عن 25% من مخزونها من المياه العذبة سنوياً، أضف إلى ذلك أن "إسرائيل" قامت ببناء مستوطناتها فوق الأراضي الفلسطينية الرابضة على الأحواض المائية في الضفة الغربية، وبخاصة في منطقة "الأغوار"، معرِّضةً بذلك مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية للدمار..
كما قامت باستنزاف مياهها بطريقة مفرطة أخلَّت بالتوازن المطلوب بين معدلات التغذية السنوية لهذه الأحواض وبين الاستهلاك الفعلي لمياهها، حيث زاد معدل استهلاك الفرد "الإسرائيلي" السنوي منها إلى 3 أو 4 أضعاف استهلاك الفرد الفلسطيني، وهذا ما دفع سلطات الاحتلال إلى منع الفلسطينيين من الحصول على كامل حصصهم المائية الإضافية التي تقررت في اتفاقية "أوسلو" الثانية، والبالغة 80 مليون متر مكعب، حيث لم تسمح لهم إلا باستغلال من 16 إلى 20 مليون متر مكعب منها فقط.
طفل يحمل قارورتين من الماء

أما استخدامها لمياه نهر الأردن، فقد قُدِّر بنحو 55%، في الوقت الذي حُرِم الفلسطينيون من استخدام مياهه التي كان مقرَّراً أن تبلغ حصة الضفة الغربية منها وفقاً لمشروع "جونستون" نحو 220 مليون متر مكعب، كما تضررت الأراضي الواقعة على ضفتيْ النهر أبلغ الضرر نتيجة سحب "إسرائيل" الجائر لمياهه، أضف إلى ذلك استغلالها لحوالي 45 مليون متر مكعب من مياه عدد من الأودية التي تُقدَّر مواردها بنحو 72 مليون متر مكعب من المياه، ومنعها من الوصول للمناطق الفلسطينية.
وينص اتفاق أوسلو عام 1993م بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية على إنشاء لجنة للتعاون والتنسيق في موضوع المياه، وقد تعهد الكيان الصهيوني عام 1995م بزيادة حصة الضفة الغربية من المياه، وهي ابتداء مياه فلسطينية استولت عليها "إسرائيل" عام 1967م، وقد عالجت اتفاقية "وادي عربة" التي وُقِّعت عام 1994م بين الكيان الصهيوني والأردن موضوع المياه بتفصيل واهتمام، ويؤخذ على هذه الاتفاقية أنها تجاهلت حقوق الدول العربية الأخرى في مياه نهر الأردن ونهر اليرموك، وأدخلت "إسرائيل" طرفاً أساسياً في تعاون عربي أو إقليمي في مجال تنمية الموارد المائية، وأسست لهيمنة صهيونية على موارد المياه في نهر الأردن والأحواض الجوفية.


الملفات المائية العربية


وبذلك يتضح أن أطماع "إسرائيل" كبيرة جداً وخطيرة باستخدام المياه كعنصر أساس في الصراع العربي الصهيوني، حيث تشكِّل المياه أحد أهم عناصر الإستراتيجية "الإسرائيلية" سياسياً وعسكرياً، وذلك لارتباطها بخططها التوسعية والاستيطانية في الأراضي العربية.
ومما يؤكد قيام الكيان الصهيوني على سرقة المياه العربية أن "إسرائيل" أصبحت موجودة في جميع الملفات المائية للدول العربية، وذلك على النحو التالي:
الملف المائي الفلسطيني: حيث تسيطر "إسرائيل" على حوالي 80% من مياه الينابيع المتجددة، والتي تُقدَّر سنوياً بنحو 650 مليون متر مكعب، وتبيع ال20% الباقية للشعب الفلسطيني بسعر دولار لكل متر مكعب، وهو ما يعني أنها تسيطر على مخزون المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة!
الملف المائي السوري والعراقي: ففي مرتفعات الجولان السورية تستولي "إسرائيل" على 40% من المياه، وهي مياه بكميات ضخمة أثبت المسح أنها تعادل ضعفيْ كمية المياه السطحية التي تغذِّي بحيرة طبرية، والتي من المتوقَّع أن تصل إلى مليار متر مكعب، كما أن "إسرائيل" تتعاون مع تركيا من أجل استخدام ورقة المياه ضد العراق وسورية والتلاعب بحصصهما في مياه دجلة والفرات.
الملف المائي اللبناني: فقد أقدمت "إسرائيل" على مد خط أنابيب للمياه من نبع "العين" المتفرع عن نهر "الجوز"، وهو أحد روافد نهر الحاصباني، وتستغل بشكل كامل مياه الحاصباني والوزاني بمعدل 145 مليون متر مكعب سنوياً، كما تسيطر "إسرائيل" على قسم من نهر الليطاني، وتقوم بتحويله إلى نهر الحاصباني، ثم إلى بحيرة طبرية عن طريق محطة ضخ قرب جسر "الخردلي".
الملف المائي الأردني: من المعروف أن "إسرائيل" تستولي على مياه نهر الأردن، والذي ينبع من الأراضي الأردنية، وتمنع الأردن من إقامة أي سدود عليه، وفي اتفاقية السلام بين "إسرائيل" والأردن اتُّفِق على أن تسمح "إسرائيل" للأردن بتخزين 20 مليون متر مكعب من المياه من فيضانات نهر الأردن خلال فترة الشتاء، وحوالي 10 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة من الينابيع المالحة المحوَّلة إلى نهر الأردن، إلى جانب 10 ملايين متر مكعب تقدِّمها "إسرائيل" للأردن في تواريخ يحدِّدها الأردن في غير فصل الصيف، ولكن "إسرائيل" لم تنفِّذ هذه الاتفاقيات، مما جعل الأردن يعاني من نقص في المياه ويسعى لشراء مياه من تركيا!
الملف المائي لمصر والسودان: حيث بدأ الكيان الصهيوني يعبث في منابع النيل في محاولة للتأثير على حصة مصر والسودان من المياه، وهو واضح في قيام "إسرائيل" بتقديم العون لإثيوبيا لإقامة سدود على منابع النيل، كما عرضت على إثيوبيا شراء مياه النيل منها.
وبذلك يصبح واضحاً أن "إسرائيل" نصَّبت نفسها متحكمة بالموارد المائية العربية، كما يُلاحظ أنها تواجه قسماً من الدول العربية بشكل مباشر، وهو الأردن وفلسطين ولبنان وسورية، وتواجه قسماً آخر عن طريق تركيا، وهو العراق وسورية، أو عن طريق إثيوبيا وهو السودان ومصر.


الهجرة الصهيونية.. والحاجة للمياه


وعند الربط بين الواقع المائي في "إسرائيل" وحاجتها المتزايدة للماء في ضوء تدفق الهجرة اليهودية، خاصة ذلك التدفق الكبير من المهاجرين اليهود من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي المنحل، ومن الدول التي كانت تشكل حلف "وارسو" المتلاشي، وهو تدفق فاق كل تصور واحتمال.. كل ذلك يؤدي بنا إلى استخلاص عدد من النتائج، أهمها: أنه على الرغم من أن "إسرائيل" ظلت تشكو تقليدياً من نقص موارد المياه، إلا أن احتياجاتها الأساسية تزايدت بمعدلات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وذلك بفعل تزايد الاستهلاك المائي الناتج عن تزايد أعداد المهاجرين اليهود إلى "إسرائيل"، وكذلك تضاؤل كميات المياه الواردة من المصادر الموجودة بالفعل، حيث ازدادت ملوحة مياه المجمعات نتيجة لاستخراج المياه العذبة، وازدادت نسبة الملوحة في مجرى نهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، كما نقصت المياه الجوفية نتيجة لقلة مياه الأمطار علاوة على جفاف العديد من الآبار الجوفية في الضفة الغربية وهضبة الجولان.
لكل هذه الأسباب لا يستبعد المراقبون والمحللون احتمال إقدام "إسرائيل" على القيام بأعمال عدوانية جديدة للاستيلاء على المزيد من المياه العربية، وهناك ثلاث خطوات متوقعة في هذا الصدد:
أولاً: استمرار السيطرة على المياه الجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ثانياً: الاستيلاء على مياه نهر اليرموك.
ثالثاً: التوسع في سرقة مياه نهر الليطاني.
كما أن جميع هذه الأسباب قد تساعد "إسرائيل" على اختلاق الذرائع للعدوان المسلح على أراضٍٍ عربية مجاورة من أجل وضع يدها على موارد المياه العربية أو مصادرة الحقوق المائية العربية، وهي في سلوكها هذا تطبق إستراتيجية "الردع الجسيم" لتبدو قوتها هجومية تردع الجانب العربي عن الدفاع عن أرضه أو مياهه أو حقوقه؛ فتحقق غرضها دون قتال، وإنما بالتهديد أولاً باستخدام القوة، وهي قوة هجومية في تكوينها رادعة في قدرتها، فإذا لم ينفع التهديد فاستخدام السلاح هو البديل.. فهل ستشهد الفترة القادمة حروباً بين العرب و"إسرائيل" من أجل المياه؟!

ليست هناك تعليقات: