الأحد، 28 ديسمبر 2008

ليفني تهدد.. أبو الغيط يصمت عبد الباري عطوان

أن تهدد تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية باجتياح قطاع غزة، و"سحق" المقاومة فيه، وحركة "حماس" بالذات، فهذا أمر متوقع، ولا جديد فيه، ولكن أن تصدر السيدة ليفني هذه التهديدات من قلب عاصمة عربية، قدّم شعبها وجيشها آلاف الشهداء من أجل فلسطين، فهذا أمر مستهجن، علاوة على كونه مهيناً، وغير مقبول.
كنا ننتظر من السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري الذي كان يقف إلى جوارها، وهي تطلق هذه التهديدات، وتلوح بيدها غاضبة، ومتوعدة، في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقداه في ختام مباحثاتها مع الرئيس المصري حسني مبارك، كنا ننتظر منه أن يحتج، أو أن يطلب منها احترام حرمة المكان، ومشاعر عشرات الملايين من المصريين، ولكنه لم يفعل، نقولها بأسف شديد، وتصرف كأنه وزير خارجية كوستاريكا أو السويد، عندما ساوى بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، بمطالبتهما بضبط النفس وعدم توتير الأوضاع.
نحن نسأل السيد أبو الغيط، والرئيس المصري حسني مبارك قبله، عما إذا كانا سيسمحان لأي مسؤول فلسطيني، ومن حركة "حماس" بالذات أن يهدد بـ "سحق" "إسرائيل"، وتغيير الأوضاع فيها، وقصف الإسرائيليين بصواريخ من طراز "كروز" أو غيرها؟.. بالقطع لن يسمحا بذلك، لأنهما يعتبران "إسرائيل" دولة ذات سيادة، وفوق كل هذا دولة صديقة، تربطها معاهدات سلام مع مصر، ومثل هذه التهديدات "غير حضارية"، وغير مقبولة.
الحكومة المصرية دعت السيدة ليفني لزيارتها ليس للاحتجاج على حشودات جيشها استعداداً لاجتياح قطاع غزة وإحكام إغلاق المعابر ووقف كل أسباب الحياة عن مليون ونصف مليون إنسان، وإنما سعياً للتهدئة، أو بالأحرى لاستجدائها، لأن هذا الاجتياح، في حال حدوثه، سيشكل أكبر إحراج لمصر، وسيخلق لها صداعاً أمنياً وأخلاقياً مزمناً، ربما ينعكس على شكل توترات داخلية، وتهديدات لأمنها القومي، هي في غنى عنها في مثل هذا الظرف الذي تتزاحم فيه المشاكل عليها من كل جانب.
الحكومة المصرية مرتبكة، وتصرفاتها توحي بذلك، فهي تستدعي السفير السوري في القاهرة للاحتجاج على مظاهرة أمام سفارتها في دمشق للمطالبة بفتح معبر رفح، ولكنها لا تجرؤ على استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج لأن حكومته ترتكب مجازر في قطاع غزة، وتمارس حصاراً تجويعياً على أهله، وتتصرف كأنها دولة في القطب الشمالي، أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، أو أثناء مجزرتي قانا الأولى والثانية.
* * *
نعترف مسبقاً بأن "إسرائيل" دولة تملك ترسانة عسكرية متضخمة بأسلحة الدمار الشامل، وتستطيع تحريك دباباتها وطائراتها الحديثة لاحتلال قطاع غزة في أيام، إن لم يكن في ساعات، فحركة "حماس" التي تريد إطاحتها ليست دولة "عظمى" تملك جيوشاً جرارة، وجنرالات درسوا فنون الحرب في كليات "سانت هيرست" البريطانية، أو "ويست بوينت" الأمريكية، مثل معظم نظرائهم في الدول العربية "المعتدلة"، كما أنها لا تستطيع تهريب الدبابات عبر أنفاق رفح.
مصدر قوة "حماس" وفصائل المقاومة الأخرى يتمثل في التمسك بأدبيات المقاومة والثوابت الوطنية والأخلاقية العربية، والإسلامية، والالتصاق بالمواطنين الفلسطينيين وترجمة طموحاتهم في التصدي لمشاريع التصفية الأمريكية والإسرائيلية لقضيتهم برجولة وشجاعة، والدليل الأبرز على ذلك أن كل أشهر الحصار الإسرائيلي العربي الرسمي فشلت في تأليب أبناء القطاع ليثوروا على هذه الفصائل، بل ما حدث هو العكس، ومن غير المستبعد أن تطلق مأساة غزة شرارة قد تشعل الشارع العربي، وربما تحرك الجيوش للانقلاب على قياداتها المتخاذلة المتواطئة مع أي عدوان إسرائيلي خاصة إذا صمد المقاومون لبضعة أيام في مواجهة الغزاة.
فما يحدث في غينيا حالياً، حيث تحرك الجيش وجنرالاته لملء الفراغ الدستوري بوفاة الرئيس، ومنع خلفائه الفاسدين من تولي السلطة، هو درس يمكن أن يتكرر في أكثر من عاصمة عربية، وبالتحديد في مصر، التي قد تواجه مثل هذه الحالة في أي وقت من الأوقات، حيث يرفض الشعب المصري في غالبيته الإرث السياسي الراهن، واستمراره عبر خطط الخلافة.
اجتياح قطاع غزة لن يوقف الصواريخ، ولن يجلب الأمن للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية وإن أوقفها، أي الصواريخ، فلفترة محدودة، وفوق كل هذا وذاك، لن يقضي على حركات المقاومة الفلسطينية، فالقوات الإسرائيلية احتلت القطاع لعقود، واغتالت الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة "حماس" ومعظم قادتها الميدانيين مثل الدكتور الرنتيسي، وحجازي، والمقادمة والمهندس يحيى عياش، فماذا حدث؟..
ازدادت الحركة قوة وصلابة، بينما في المقابل ازداد خصومها "المعتدلون" الفلسطينيون ضعفاً وهواناً. وانعكس ذلك في نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة.
* * *
غزة أصبحت "معضلة" إسرائيلية، مثلما هي معضلة عربية، لأنها ردت الاعتبار لسلاح المقاومة، وأعادت توحيد الشارع العربي خلفها، لأن شعبها لم يركع لسياسات التجويع والإرهاب، وعقوق ذوي القربى، ناهيك عن تآمرهم ضده في وضح النهار.
إيهود باراك لم يتوقف عن التهديد باجتياح القطاع طوال الأشهر العشرة الماضية، ولكنه لم يفعل، ليس رأفة بالشعب الفلسطيني، وإنما رعباً من النتائج، فالاجتياح يعني استفزاز المقاومة واستبسال عناصرها في مواجهة الدبابات الإسرائيلية، وإطلاق مئات الصواريخ على عسقلان، وأسدود، وبئر السبع، وربما تل أبيب، فكل الاحتمالات واردة، والمفاجآت واردة أيضاً، فمن كان يتوقع صمود المقاومة الإسلامية اللبنانية أربعة وثلاثين يوماً وتحقيق أهم انتصار حقيقي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وإقامة "مقابر جماعية" لدبابات الميركافا فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية؟
صحيح أن مساحة قطاع غزة لا تزيد عن 150 ميلاً مربعاً، وليس فيه غابات أو أدغال أو جبال "تورا بورا" الشامخة، ولكن فيه رجالاً مؤمنين، مستعدين للشهادة في ميدان المواجهات، على الشهادة جوعاً، ومرضاً، بفعل الحصار.
نقولها للمرة الألف، ماذا ستفعل السيدة ليفني بقطاع غزة بعد احتلاله، إذا تمكنت قواتها من تحقيق ذلك؟ هل ستبقى في القطاع كقوة احتلال أم ستسلمه إلى الرئيس عباس، أم ستنسحب منه هروباً، مثلما فعل جنرالاتها بعد هزيمتهم في جنوب لبنان؟ هل تذكر أو تتذكر السيدة ليفني وباراك وزير دفاعها أساطير المقاومة في القطاع التي دفعت أرييل شارون لابتلاع "قرص سم الانسحاب" المهين، والمغادرة دون شروط؟
اجتياح قطاع غزة إذا وقع، ورغم الكوارث الإنسانية التي يمكن أن تلحق بأهله من جرائه، وعشرات، بل ربما مئات الشهداء، الذين سيسقطون نتيجة له، هذا الاجتياح، ربما يكون مفيداً للقضية الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات، من حيث فضح النظام الرسمي العربي أولاً، وكشف الوجه النازي الحقيقي ل"إسرائيل"، الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، أمام العالم بأسره، وإسدال الستار على مهزلة المفاوضات وأبطالها في الجانب الفلسطيني على وجه الخصوص.
قطاع غزة أصبح عنوان الكرامة العربية والإسلامية، والبديل المشرّف للرد على عملية سلمية مهينة مذلة لم تقدم للفلسطينيين غير المستوطنات والحواجز الأمنية، والسور العنصري، والاعتداءات في الخليل، والأهم من ذلك مسؤولين فلسطينيين أدمنوا التسول والاستجداء، وحوّلوا الشعب الفلسطيني إلى شعب من المتسولين أو الشحاذين، بعد أن كان، وكوفيته، رمزاً للإباء والشمم والثورة على الظلم. فألف تحية إلى أهل غزة وكل الشرفاء في الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

ليست هناك تعليقات: