الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

مفتي سلوفينيا.. الشيخ «نجاد جرابوس» :نعاني تهميشاً وتمييزاً أكثر مما حدث في العهد الشيوعي!

مفتي سلوفينيا.. الشيخ «نجاد جرابوس» :نعاني تهميشاً وتمييزاً أكثر مما حدث في العهد الشيوعي!
حوار: همّام عبد المعبود

انتقد الشيخ «نجاد جرابوس» مفتي سلوفينيا مظاهر التمييز التي تحكم سبل تعاطي الحكومات المتعاقبة مع مطالب الجالية المسلمة هناك؛ التي لم تتوقف مساعيها لبناء مسجد في العاصمة «لوبليانا» منذ عام 1969م؛ مؤكداً أن هذا الموقف يكشف زيف دعاوى الحرية والديمقراطية والمساواة التي يتحدث عنها حكام «سلوفينيا» التي كانت تترأّس الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الأخيرة.
وقال «جرابوس» في حوار خاص مع «المجتمع»: إن مشكلات مسلمي سلوفينيا لا تتوقف عند بناء المسجد الذي تضع السلطات أمامه مزيداً من العراقيل؛ بل تتعدى إلى حرمانهم من الالتحاق بالوظائف أو شغل مناصب في مؤسّسات الدولة بسبب عقيدتهم وأسمائهم الإسلامية!
:ولم يُخفِ «جرابوس» تشاؤمه إزاء تحسُّن أوضاع المسلمين في المرحلة القادمة، في ظل افتقادهم لأي نفوذ سياسي قادر على إجبار الحكومة على تغيير موقفها، موضحاً أن تنامي النفوذ الكاثوليكي في سلوفينيا يُعَدُّ من أهمّ العقبات أمام حصول المسلمين على حقوقهم.
وقلّل «جرابوس» من أهمية تعاطف بعض الأحزاب السلوفينية مع مشكلات المسلمين، مشدّداً على ارتباط هذا التعاطف بالانتخابات التشريعية والمحلية، وهو تعاطف لا يستمر كثيراً في حال الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها.
وفيما يلي نصّ الحوار:< بدايةً، كيف دخل الإسلام إلى سلوفينيا؟ وإلى أي مدى تفاعل مواطنوها معه؟ ــ دخل الإسلام سلوفينيا إبّان الفتح العثماني لمنطقة البلقان في عهد «محمد الفاتح»؛ حيث اعتنق العديد من أبناء سلوفينيا الإسلام بعد انتقال عدد كبير من الدعاة المسلمين إليها، واستقر المسلمون في هذا البلد فترة طويلة مكّنتهم من تشييد مظاهر عمرانية إسلامية لافتة؛ تمثّلت في مساجد ومدارس إسلامية استمرت لسنوات طويلة مركزاً لنشر الإسلام. إلا أن هذه المساجد تعرّضت للتدمير فور خروج الدولة العثمانية من منطقة البلقان؛ حتى أنه لم يبقَ مسجد واحد أو مدرسة إسلامية، رغم أن العثمانيين حافظوا طوال فترة بقائهم الطويلة في البلقان على جميع مؤسّسات السلوفينيين الدينية؛ فلم يهدموا كنيسة، ولم يدمروا مكتبة كاثوليكية! ورغم أن عدد الكنائس التاريخية في سلوفينيا قد تجاوز ثلاثة آلاف كنيسة لم يمسسها أحد بسوء، إلا أن الحملة على المساجد لم تتوقف؛ بل تصاعدت إبان العهد الشيوعي الذي امتدت معاوله إلى باقي المساجد والمدارس الإسلامية فحوّلها إلى متاحف أو إسطبلات خيول أو مخازن حبوب، لدرجة أن سلوفينيا أصبحت إحدى الدول الأوروبية القليلة جداً التي لا يوجد بها مسجد واحد! نفوذ كاثوليكي.. وتلكّؤ حكومي! < هل لفضيلتكم أن تلقي لنا الضوء على أوضاع المسلمين الحالية في سلوفينيا؟ ــ يبلغ عدد المسلمين في سلوفينيا أكثر من مائة ألف نسمة أغلبهم من أصل بوسني، وتكاد سلوفينيا أن تكون الدولة الوحيدة في أوروبا التي لا يوجد بها مساجد، نظراً لسطوة وتنامي نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، التي أدّت دوراً مهماً في تغذية المشاعر العدائية ضد المسلمين باعتبارهم من أحفاد العثمانيين الذي لا يحمل لهم السلوفينيون أيّ مودّة. وقد تخيّل المسلمون هناك أن أوضاعهم ستكون أفضل بعد انهيار الشيوعية، إلا أن المفجع أن الأوضاع استمرت على حالها؛ حيث عانى المسلمون تهميشاً وتمييزاً فاق الحقبة الشيوعية، فقد رفضت الحكومات المتعاقبة التصريح لمسلمي البلاد ببناء مسجد رغم انتشار المسلمين في أغلب مدن سلوفينيا، بدءاً من العاصمة «لوبليانا»، ومدن «ماريبو» و«شيليه» و«كرانبي» و«يوغوميتشو» و«تبوي»، وهي المساعي التي بدأت من منتصف سبعينيات القرن الماضي، ولم تجد أي تعاطٍ إيجابي من السلطات حتى هذه اللحظة! < كيف استمرت هذه الأوضاع رغم انضمام سلوفينيا للاتحاد الأوروبي الذي يشترط ضمانات للحفاظ على حقوق الأقليات؟ - انضمام سلوفينيا للاتحاد الأوروبي أعطى آمالاً لقطاع عريض من المواطنين بإمكانية تحسُّن أوضاعهم في ظل التعهّدات التي قدّمتها حكومة سلوفينيا بشأن الحفاظ على حقوق الأقليات، وبينهم المسلمون، إلا أن أرض الواقع لم تشهد جديداً في هذا الصدد؛ حيث تلكّأت حكومة «لوبليانا»، وادّعت وجود عراقيل تمنع بناء المساجد، في مقدّمتها طبيعة النسق المعماري للعاصمة. كما أبدت الكنيسة الكاثوليكية ذات النفوذ المتنامي اعتراضات شديدة على هذا الأمر، ووضعت الكرة في ملعب المجلس المحلي للعاصمة الذي نظّم استفتاء حول بناء المسجد، ورغم تأييد الأغلبية الساحقة من السكان لبناء المسجد إلا أن الأوضاع لم تتغيّر، ولم يرَ المسجد النور حتى الآن. ضرورة تكثيف الضغوط < هل تلمح في الأفق حلاً قريباً لهذه الأزمة؟ ــ يسود شعور بالتشاؤم في أوساط أغلبية المسلمين في الجمهورية اليوغوسلافية السابقة تجاه وجود انفراجة قريبة للأزمة، وذلك لأسباب عدّة، أهمها: أن المسلمين هناك لا يتمتعون بالقدرات والإمكانيات التي تجعلهم قادرين على إزعاج السلطات وإجبارها على حل الأزمة، فضلاً عن أن العداء للإسلام تتصاعد وتيرته في المجتمع السلوفيني، متزامناً مع حملات منظمة لتشويه صورة الإسلام يقودها القس «فرانكس رودي» زعيم الكاثوليك، الذي وصف الإسلام بأنه عقيدة العنف التي لا تحمل أية مشاعر ودّ للآخر. وكذلك مطالبة بعض السياسيين بضرورة الحفاظ على الأمن العام في سلوفينيا، بزعم أن بناء مسجد في العاصمة «لوبليانا» يُعَدُّ دعماً للإرهاب، متذرّعين بأن العديد من الدول الأوروبية تدفع الآن ثمن تساهلها مع المسلمين، سواء أكانوا مواطنين أم وافدين.. ولا تبشّر هذه الأجواء بانفراج الأزمة، ولاسيما أن البعض قد حاول ابتزاز المسلمين بهدف تقليل مساحة المسجد للنصف وعدم بناء مئذنة كيلا تشكّل استفزازاً للأغلبية الكاثوليكية، رغم امتلاء البلاد بأكثر من ثلاثة آلاف كنيسة في دولة متناهية الصغر من حيث المساحة! < وهل هناك تحركات مضادة إزاء هذه العراقيل؟ - بالفعل، فقد هدّدت دار الإفتاء في سلوفينيا، وكذلك المشيخة الإسلامية بتصعيد الأمر لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية لانتزاع قرار يُلزِم الحكومة ببناء المسجد، وممارسة ضغوط على الحكومة التي تتشدّق كل يوم بمزاعم حول الديمقراطية وحقوق الأقليات، وهي تحرّكات قد تُجبِر هذه الحكومة على التراجع والسماح ببناء المسجد. تمييز واضح.. وتعاطف مؤقّت < ركّزتم كثيراً على مسألة المسجد، فهل هي المشكلة الوحيدة التي تواجه مسلمي سلوفينيا؟ - ليس بناء المسجد المشكلة الوحيدة، بل إن هناك حزمةً من المشكلات تواجه المسلمين هناك، فهم يعانون كثيراً بسبب عقيدتهم وأسمائهم الإسلامية التي جعلتها الدولة عراقيل أمام التحاقهم بمناصب رفيعة أو شغْلهم وظائفَ راقية، بل إن المأساة تصل إلى ذروتها بوجود جماعات يمينية لا هدفَ لها إلا تشويهُ صورة المسلمين، وادّعاء أنهم خطر على أمن واستقرار سلوفينيا.. وكذلك فرضت الحكومات المتعاقبة قيوداً شديدة على بناء المدارس الإسلامية أو أي مؤسسات لدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية. < تتحدثون عن قضايا مسلمي سلوفينيا وكأنهم يعيشون في جزيرةٍ معزولة، وهو ما يتناقض مع ما ذكرتَ من أن نتائج الاستفتاءات أظهرت ترحيب الأغلبية في العاصمة ببناء مسجد.. فكيف هذا؟ - هناك وجهة نظر ترى الأمر من منظور أكثر تفاؤلاً؛ حيث خلقت هذه المعاناة حالة من الاهتمام بأوضاع مسلمي سلوفينيا من جانب العديد من الأحزاب السياسية ومراكز الدراسات الأكاديمية، التي تسعى حالياً لإجراء حوار مع ممثلي المسلمين للبحث عن أُطُر لحلّ مشكلاتهم، وهو ما أطلق نوعاً من التعاطف معنا. وهناك أحزاب وقوى سياسية تطالب بضرورة حصول المسلمين على حقوقهم حتى لا يشعروا بالعزلة والتهميش داخل المجتمع بشكل قد يغذِّي نزعات متطرّفة لديهم، وهو أمر لا يصبّ في مصلحة البلاد، ولكن وجهة النظر هذه لا تحظى بإجماع بين أوساط المسلمين الذين يرون أن المراهنة على دعم بعض الأحزاب والقوى السياسية ليس كافياً لنيل المسلمين حقوقَهُم؛ بل ينبغي مواصلة الجهود وتصعيد الضغوط لوقف المعاناة الشديدة التي نكتوي بنارها. < هل يعني هذا وجود ما يُطلق عليه «إسلام فوبيا» (الخوف من الإسلام) ونزعات عنصرية تجاه المسلمين في المجتمع السلوفيني؟ - نعم، هناك حالة «فوبيا» من الوجود الإسلامي، ومخاوف غير مبرَّرة من جانب الأغلبية الكاثوليكية، رغم أن المسلمين قد أدّوا دوراً مهمّاًً في نهضة سلوفينيا، ولم يصدر عنهم ما يدلُّ على تأييدهم للعنف والتطرُّف، وهو ما يشير إلى تحكُّم النزعة العنصرية في تعامل الحكومات السلوفينية المتعاقبة مع الشأن الإسلامي، وهو ما يُحبِط ـ بِدَوْرِهِ ـ أيَّ موجةِ تفاؤلٍ في أوساط المسلمين بوجود حلٍّ قريب لمشكلاتهم.>

ليست هناك تعليقات: