الأحد، 18 يناير 2009

دليل الدعاء من الألف الى الياء

إنَّ مقتضى إيمان المرء بالله سبحانه وتعالى إلهاً واحداً وربًّا معبوداً أن يلجأ إليه؛ وبخاصَّةٍ في المُلِمَّات، والإنسان يعرف ضعفه، فإنَّه كثيراً ما يصادف ظروفاً وأحوالاً لا يملك في مواجهتها حيلة، أمَّا المؤمن فهو يأخذ بالأسباب، وفي نفس الوقت يستعين بالله عزَّ وجلّ، أمَّا غير المؤمن فقد يهاجمه اليأس، أو يركن إلى الأسباب الماديَّة وحدها. والنفس الإنسانيَّة مهما بلغت قوَّتها، ومهما بلغ غناها، تحسُّ دائماً في ساعة العسرة بالضعف، وحاجتها إلى من يحميها وينقذها من وحدتها ويزيل عنها المكروه. الدعاء هو العبادة: والدعاء من العبادات، بل هو العبادة الحقيقيَّة ذاتها، لدلالته على إقبال العبد على الله عزَّ وجلَّ والإعراض عمَّن سواه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح. والله سبحانه وتعالى قريبٌ من عباده، وهو عزَّ وجلَّ يبادر بإجابة دعواتهم، حيث قال عزَّ وجلّ: "وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان"، والعبد الذي يدعو يمكنه أن يتقرَّب إلى الله سبحانه وتعالى بوسيلةٍ من الوسائل تُزيد من رجاء القبول والاستجابة؛ فالوسيلة هي المنـزلة والدرجة والقُربة، والتوسُّل إليه سبحانه وتعالى هو أن تتقرَّب إليه بعملٍ صالح. تحري الأوقات الفاضلة وأحوال القرب: هناك أوقاتٌ وأحيانٌ وأحوالٌ فاضلة، يستطيع المرء إذا تحرَّى الدعاء فيها كان لله عزَّ وجلَّ متوسِّلاً متقرِّبا، وصار دعاؤه أقرب للإجابة، فهناك ساعةٌ في يوم الجمعة، إن وافقناها أُعطِينَا، وساعةٌ كلَّ ليلة، للدنيا والآخرة، وهناك وقت السَّحَر، فلنتوسَّل إلى الله عزَّ وجلَّ بتحرِّي هذه الأوقات للدعاء والاستغفار. والمؤمن يدعو ربه أينما كان وفي أية ساعة، ولكن هذه الأوقات والأحوال والأماكن تخص بمزيد عناية، فإنها مواطن يستجاب فيها الدعاء بإذن الله تعالى. ومن تلك الأحوال والأوقات: ليلة القدر، ودُبُر الصلوات الخمس، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وعند شرب ماء زمزم مع النيَّة الصادقة، وفي السجود في الصلاة، وعند التأمين في الصلاة، ودعاء الغازي في سبيل الله، والدعاء عند المريض، ودعاء يوم عرفة في عرفة، والدعاء في شهر رمضان، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند المصيبة، ودعاء الوالد لولده، ودعاء المسافر، ودعاء المضطَّرّ. كما قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الربّ: وعزَّتي لأنصرنَّك ولو بعد حين"رواه الترمذيّ، وقال: حسن. ومن الوسائل الكريمة التي تؤهِّل دعاء العبد للإجابة: أن يدعو لغيره، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أَنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثل"رواه مسلم. وكذلك طلب الدعاء من الصالحين، وقد فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك، فعن أسير بن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفِيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مرادٍ ثمَّ من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك بَرَصٌ فبرِأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ ثمَّ من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبرِأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له.رواه مسلم. الاستجابة أكيدة: وعندما يرفع المؤمن دعاءه إلى الله عزَّ وجلّ، ينبغي أن يوقن بالإجابة، فعن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي"رواه البخاري. لذا فإنَّنا نعزم في الدعاء ولا نستثني، والعزم هو أن نطلب ما نريد بلا تردُّدٍ ولا تعليقٍ للأمر، والاستثناء عكس العزم؛ وهو أن نعلِّق الاستجابة على مشيئة الله سبحانه وتعالى، وبما أنَّنا نعتقد أنْ لا شيء يُلزِمُ المولى عزَّ وجلّ، فقد أُمرنا أن نعزم في الدعاء ولا نُعَلِّقه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنّ: اللهمَّ إن شئت فأعطني، فإنَّه لا مستكره له"رواه البخاري. نصون سلاح الدعاء: إنَّ كلَّ سلاحٍ يحتاج للصيانة ليبقى صالحاً للاستعمال، وصيانة سلاح الدعاء تكون: - بتحرِّي الحلال. - بالقيام بواجب الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّها الناس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيُّها الرسل كلوا من الطيِّبات واعملوا صالحاً إنِّي بما تعملون عليم"، وقال: "يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم" ثمَّ ذكر الرجل يُطيل السفر، أشعث أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك"رواه مسلم. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأمينٌ للإجابة: قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مُروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم"رواه ابن ماجه، بسندٍ حسن. فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة، فليقُمْ بهذا الواجب. أسباب عدم إجابة الدعاء: إضافةً إلى ما سبق، فهناك أسبابٌ تمنع استجابة الله عزَّ وجلَّ لدعاء العبد، ذكرها إبراهيم بن أدهم حينما مرَّ بسوق البصرة، فسأله الناس: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأنَّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله ولم تؤدُّوا حقَّه، وزعمتم أنَّكم تحبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنَّته، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدُّوا شكرها، وقلتم: إنَّ الشيطان عدوٌّ لكم، ولم تخالفوه، وقلتم: إنَّ الجنة حقّ، ولم تعملوا لها، وقلتم: إنَّ النار حقّ، ولم تهربوا منها، وقلتم: إنّ الموت حقّ، ولم تستعدوا له، وانتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بهم. من آداب الدعاء: وللدعاء آداب، منها: الإخلاص لله تعالى، والوضوء قبله، وأن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثمَّ بالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويختم بذلك، واليقين بالإجابة، والإلحاح وعدم الاستعجال، وحضور القلب، والدعاء في الرخاء والشدَّة، وعدم الدعاء على الأهل والمال والولد والنفس، وخفض الصوت، وعدم تكلُّف السجع، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وأن يبدأ بنفسه إذا دعا لغيره، وتحرِّي أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال والأوضاع والأماكن التي هي من مظانِّ إجابة الدعاء. أخطاء تقع في الدعاء: أن يشتمل الدعاء على شيءٍ من التوسُّلات الشركيَّة أو البدعيَّة، وتمنِّي الموت، وسؤال الله ذلك، والدعاء بتعجُّل العقوبة، والدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنعٌ عقلاً أو عادةً أو شرعا، والدعاء بأمرٍ قد تمَّ وحصل بالفعل وفُرِغ منه، وأن يدعو بشيءٍ دلَّ الشرع على عدم وقوعه، والدعاء على الأهل والأموال والنفس، والدعاء بالإثم كأن يدعو على شخصٍ أن يُبتلَى بشيءٍ من المعاصي، وتحجير الرحمة، كأن يقول: "اللهمَّ اشفني وحدي فقط، وارزقني وحدي فقط"، وأن يخصَّ الإمامُ نفسَه بالدعاء دون المأمومين إذا كانوا يُؤمِّنون وراءه، وترك الأدب في الدعاء، والدعاء على وجه التجربة والاختبار لله عزَّ وجلّ، كأن يقول: "سأجرِّب وأدعو لأرى أيستجاب لي أم لا؟"، وقول بعضهم: "سأدعو الله فإن نفع وإلا لم يضرّ"، وكثرة اللحن أثناء الدعاء، واليأس وقلَّة اليقين من إجابة الدعاء، ودعاء الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنَّة، والمبالغة في رفع الصوت، وتصنُّع البكاء ورفع الصوت بذلك. مقامات الدعاء مع البلاء: وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. والثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوَى عليه البلاء، فيصاب به العبد. والثالث: أن يتقاوما ويمنع كلُّ واحدٍ منهما صاحبه. وقد روى الحاكم في مستدركه بسندٍ صحيحٍ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُغنِي حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع ممَّا نزل وممَّا لم ينـزل، وأنَّ البلاء لينـزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان- أي: يصطرعان- إلى يوم القيامة". ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: "ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا ربّ، يا ربّ، لعلَّ الله عزَّ وجلَّ أن ينجيه". كتبٌ في الدعاء: أمَّا عن الكتب التي تناولت الدعاء وفلسفته، فيأتي على رأسها كتاب "إحياء علوم الدين" لحجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، وكتابا "زاد المعاد"، و"الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب" للعلاَّمة ابن القيِّم، وكتاب "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي. ومن الكتب المعاصرة: - "فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء" لفضيلة الشيخ محمد الغزالي. - "الدعاء المُيَسَّر" للأستاذ أحمد عيسى عاشور - "مفاتيح السماء من مختارات الدعاء" للأستاذ طه عبد الله عفيفي. - "الدعاء من الكتاب والسنَّة" للشيخ سعيد بن وهف القحطاني. مسألة أن ترك الدعاء في الأمور الماديَّة: أمَّا مسألة أن نترك الدعاء في الأمور الماديَّة، فلا أؤيِّدك ذلك، لأنَّ الله تعالى إذا كلن كريماً جوادا، فلماذا نكون نحن بخلاء؟؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء"رواه الطبرانيّ، بسندٍ صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء"رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه، بسندٍ صحيح. فلا تضيِّق واسعا، فتخسر هذه الفرصة".

ليست هناك تعليقات: