الأحد، 28 ديسمبر 2008
السبت، 27 ديسمبر 2008
مجزرة إسرائيلية دامية في غزة تحصد العشرات
نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة بحق سكان غزة ظهر اليوم السبت سقط فيها مئات الشهداء والجرحى وسط مخاوف بارتفاع أعداد الضحايا نظرا لاستمرار العدوان الإسرائيلي وافتقار القطاع للإسعافات الطبية جراء الحصار وإغلاق المعابر.
فقد شن الجيش الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية مكثفة استخدم فيها طائرات إف 16 وطائرات أباتشي وشملت كافة مدن وبلدات القطاع، وأطلقت خلالها عشرات الصواريخ.
واستهدف العدوان الجوي الإسرائيلي مجمعات تابعة للشرطة. وقال مصدر طبي فلسطيني إن 140 شخصا على الأقل بينهم قائد الشرطة الفلسطينية في غزة اللواء توفيق جبر استشهدوا جراء القصف الذي أوقع أكثر من 200 جريحا على الأقل، مضيفا أن أحد مقرات الشرطة كان يقيم حفل تخرج لمجندين جدد عندما تعرض للقصف الإسرائيلي.
وتصاعدت المخاوف من ارتفاع أعداد ضحايا القصف الذي تزامن مع خروج المدارس وعودة الموظفين، واستهدف أيضا مقار للحكومة الفلسطينة المقالة تقع وسط الأحياء السكانية المكتظة بالسكان.
عدد الشهداء مرشح للزيادة (رويترز)ويزيد في تعقيد الموقف افتقار الأجهزة الطبية في القطاع إلى وسائل الإسعاف والعلاج ولوحظ أن وسائل نقل الضحايا كانت بدائية للغاية نظرا للحصار وإغلاق المعابر.
وتواصل أعمدة الدخان التصاعد من المناطق التي استهدفها القصف الذي يعد الأعنف من نوعه وأدى إلى تدمير معظم مقار الأمن في قطاع غزة.
وقد وجهت قيادات الشرطة نداءات لإخلاء جميع مقار الشرطة والأجهزة الأمنية تحسبا لقصفها.
تعليقات إسرائيلية
وقال التلفزيون الإسرائيلي إن الضربة الإسرائيلية على قطاع غزة اليوم هي ضربة افتتاحية وبداية لمعركة طويلة تم الإعداد لها مسبقا، مضيفاً أن الجيش لن يبقى يبحث عن خلايا كتائب القسام وإنما سيضرب أهدافا رئيسية لحماس ليضعف رغبة حماس في القتال، مؤكدا أنه تم قصف ما بين 30 و40 هدفا حتى الآن في القطاع.
وأضاف التلفزيون نقلا عن الجيش الإسرائيلي إنه وضع قوات الجيش وقوات الإنقاذ ونجمة داود الحمراء في حالة استنفار قصوى في منطقة الجنوب المحيط بقطاع غزة.
وذكر أن رئيس أركان الجيش غابي أشكنازي تابع شخصياً العملية على غزة التي كما قال إن عشرات الأنواع من الطائرات العسكرية اشتركت في القصف على غزة مع إمكانية توسيع العملية.
من جانبه أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك مساحة 20 كلم حول القطاع منطقة ذات طبيعة خاصة، أي اقل درجة واحدة من حالة الحرب.
ونسبت الوكالة الفرنسية إلى مصدر بالجيش الإسرائيلي بأن هذه العمليات ستستمر وسيتسع نطاقها إذا لزم الأمر. وعلق على وقوع ضحايا مدنيين بأن الجيش سبق أن حذر السكان المدنيين في غزة.
وقال مساعد لوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في تصريح لوكالة رويترز إن إسرائيل مستعدة لتصعيد هجماتها العسكرية على القطاع.
ونقلت الوكالة الفرنسية عن المتحدث العسكري آفي بنياهو قوله لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن العملية ليست إلا في بداياتها.
حماس والسلطة
ومن جهتها دعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى الرد بكافة الأشكال على الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة.
وفي أول رد فعل لقيادات في السلطة الفلسطينية حمل نمر حماد مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس من وصفهم بـ"منفذي الأعمال الطائشة" بإعطاء الذريعة لإسرائيل للقيام بمثل هذا العدوان.
وقد ندد القيادي في حماس أبو مرزوق بموقف السلطة الفلسطينية المتمثل بما قاله نمر حماد، وقال إن هذا الموقف يؤكد ما رددته حماس بوجود أطراف تحث إسرائيل على العدوان على غزة.
السبت، 13 ديسمبر 2008
من هو الشيخ أحمد ياسين؟

الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، رجل ضعيف الجسد، مكدود البنية، وبالكاد يستطيع الإبصار، ويتهدج صوته إذا ما تكلم. وعلى الرغم من ذلك فإنه يتمتع بنفوذ واسع جدا بين أوساط الفلسطينيين الذين فقدوا الأمل في عملية السلام التي لم تفعل شيئا لتحسين الظروف التي يعيشونها تحت الاحتلال الاسرائيلي. كما أن شعبيته استمرت في التزايد. وكان آلاف المؤيدين له قد خرجوا مهللين لرؤيته بينما كان يهدد الانتقام بعد تعرضه لمحاولة اغتيال أصيب فيها بجروح في سبتمبر/أيلول عام 2003 من قبل القوات الاسرائيلية
النشأة ولد الشيخ ياسين في عام 1938 في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتشكل وعيه السياسي على أرضية الاضطهاد والقهر الذي يعانيه الفلسطينيون منذ عام 1948. وبعد إصابته بالشلل إثر حادث تعرض له في طفولته، كرس الشيخ ياسين شبابه لطلب العلوم الإسلامية، حيث درس في جامعة الأزهر في القاهرة. وكانت القاهرة هي المكان الذي تشكل فيه إيمان الشيخ ياسين بأن فلسطين أرض إسلامية حتى يوم القيامة، وليس لأي زعيم عربي الحق في التخلي عن أي جزء من هذه الأرض
حركة جديدة وانتظم الشيخ ياسين في صفوف جناح المقاومة الفلسطيني ، ولكنه لم يشتهر إلا في الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987، حيث أصبح رئيسا لتنظيم إسلامي جديد هو حركة المقاومة الإسلامية أو "حماس". وألقى الاسرائيليون القبض عليه عام 1989، وأصدروا بحقه حكما بالسجن مدى الحياة وذلك لأنه اصدر أوامره بقتل كل من يتعاون مع الجيش الاسرائيلي. وقد أطلق سراحه عام 1997، في عملية استبدل بموجبها بعميلين اسرائيليين كانا قد حاولا اغتيال مسؤول حماس في عمان، خالد مشعل. وقد ذاع صيته أثناء وجوده في السجن كرمز للمقاومة الفلسطينية، لكن شهرته لم تصل لما وصلت إليه شهرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
جهاد وسعى الشيخ ياسين إلى المحافظة على علاقات طيبة مع السلطة الوطنية الفلسطينية والدول العربية الأخرى، إيمانا منه بأن الفرقة تضر بمصالح الفلسطينيين. ولكنه لم يساوم أبدا فيما يخص موضوع التوصل إلى سلام مع اسرائيل، حيث كان يكرر دائما "أن ما يسمى بالسلام ليس سلاما بالمرة، ولا يمكن أن يكون بديلا للجهاد والمقاومة." وهاجم الشيخ ياسين نتائج قمة العقبة عام 2003 في الأردن والتي حضرها زعماء اسرائيليين وأمريكيين علاوة على رئيس الوزراء آنذاك محمود عباس (أبو مازن) الذي تعهد بإنهاء العنف. وكانت مجموعات مسلحة مثل حماس قد أعلنت هدنة مؤقتة كإجراء أولي، لكن هذه الهدنة انهارت في يوليو/تموز بعد أن قتلت القوات الاسرائيلية اثنان من أعضاء حماس في مداهمة على مخيم للاجئين
مقاومة عنيفة وقد تمكنت حماس من بناء قاعدة صلبة من التأييد الجماهيري من خلال الدعم المادي الذي دأبت على تقديمه للمواطنين أثناء الانتفاضة الأخيرة. فقد أسست حماس جمعيات خيرية تقوم ببناء المدارس والعيادات الطبية والمستشفيات التي تقدم خدماتها بالمجان للأسر الفقيرة، كما تمكنت من الحصول على التبرعات من دول الخليج وغيرها. ومثل الشيخ ياسين مصدر الهام كبير للأجيال الفلسطينية الصاعدة الذين خيبت العملية السلمية المتعثرة مع اسرائيل آمالهم. وقد قابل أتباع الشيخ ياسين محاولات إعاقة نشاطات الشيخ بمقاومة عنيفة. ففي ديسمبر/كانون الأول عام 2001، قتل رجل في إشتباكات مع الشرطة الفلسطينية بعد وضع الشيخ ياسين تحت الإقامة الإجبارية. واندلع إطلاق النار ثانية في يونيو/حزيران عام 2002 عندما أحاطت الشرطة الفلسطينية منزله، بعد سيل من عمليات التفجير الدامية ضد إسرائيل. وحاول الجيش الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول عام 2003 اغتيال الشيخ ياسين، بينما كان في منزل زميله في حماس في غزة
الهروب الكبير فهمي هويدي
بعد ست سنوات على إطلاقها تحولت مبادرة السلام العربية إلى ورقة توت تخفي عورة العجز والإفلاس العربيين، وذريعة للالتفاف على التطبيع مع إسرائيل. (1) كمن العرب طويلا وسكتوا، ثم أطلقوا قبل أسبوعين غارة إعلانية احتلت مساحات كبيرة في العديد من الصحف العربية (جريدة "الخليج" الإماراتية رفضت نشرها)، كما استهدفت ثلاثاً من أهم الصحف العبرية (يديعوت أحرونوت ومعاريف وهاآرتس). وكان الهدف الأساسي لتلك الغارة هو الترويج للمبادرة السعودية، التي تبنتها قمة بيروت العربية عام 2002، وأثار الانتباه في هذه الغارة المحيرة، أولا أنها مارست لأول مرة نوعا مع التطبيع الإعلاني مع العدو الإسرائيلي، وثانيا أن الإعلان تضمن شعاري جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وثالثا أنه نشر في الصحف العربية لمخاطبة القراء الذين يعرفونها جيدا، كما نشر بالعبرية في الصحف الإسرائيلية لمخاطبة أناس يرفضونها، وقد حرصت الجهة التي نظمت العملية على إحاطة الإعلان المنشور بأعلام 57 دولة عربية وإسلامية في إشارة موحية لا تخفى دلالتها. أغلب الظن أن الجامعة العربية هي التي تبنت هذه العملية مع السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يثير السؤال: لماذا الآن؟ - في الرد تلوح في الأفق أربعة احتمالات، أحدها أن يكون الهدف هو تغطية الفشل الذي منيت به مفاوضات السلطة الفلسطينية مع الإسرائيليين، كما قد يكون الهدف امتصاص أصداء مؤتمر حوار الأديان الذي عقد في نيويورك مؤخرا، وشهد لأول مرة جلوس العاهل السعودي الملك عبد الله، الذي أطلق المبادرة حيث كان وليا للعهد، مع الرئيس الإسرائيلي "شمعون بيريز" على مائدة واحدة، وربما كان الهدف هو محاولة التأثير على الناخب الإسرائيلي، لكي يصوت للحزب المؤيد للمبادرة في الانتخابات المقرر إجراؤها هناك في فبراير القادم. ربما أيضا كان الهدف هو تقديم أوراق اعتماد العالم العربي إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، قبل استلامها السلطة في أواخر يناير القادم. سواء كان بعض هذه الأسباب أو كلها وراء شن الغارة الإعلانية، فالشاهد أن المبادرة استدعيت من مكمنها ووضعت على الطاولة أمام الجميع معلنة على الملأ أن العرب سجلوا فيها عرضا لحل الصراع الممتد مع إسرائيل. (2) لم تأت المبادرة من فراغ ولكنها حين أطلقت من قبل ولي العهد السعودي، الأمير عبد الله بن عبد العزيز كان لها هدف وسياق. وحين تبناها مؤتمر القمة العربية في عام 2002 أصبح لها سياق آخر وهدف آخر، انضاف إلى الأول، وإذا أردنا أن نكون أكثر وضوحا فربما جاز لنا أن نقول بأن المبادرة بدأت محاولة للخروج من مأزق واجهته المملكة العربية السعودية، وأصبحت في النهاية محاولة للخروج من مأزق يواجه النظام العربي، وهذا منطوق يحتاج إلى بعض الشرح. إذ ليس خافيا على أحد أن المملكة العربية السعودية واجهت حرجا بالغ الشدة، بسبب أحداث سبتمبر 2001، الذي تحدثت الأنباء في ضلوع 19 من 21 من الشباب السعوديين في ارتكاب الجريمة التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. ولأن وقع الصدمة كان صاعقا في الولايات المتحدة كما هو معلوم، فإنها أدت إلى تدهور سمعة المملكة بشكل فادح هناك. كما أنها كانت سببا في توجيه هجمة إعلامية شرسة ضدها في الإعلام الأمريكي بشكل خاص والإعلام الغربي بوجه عام، وكانت الموجة العدائية أعلى بكثير من أن تستوعب بواسطة شركات العلاقات العامة المتخصصة التي يستعان بها في مثل هذه الحالات. ثمة كلام كثير عن الاتصالات التي أجرتها المملكة لتجاوز الأزمة وإعادة ترميم صورتها التي شوهت بالكامل، لكن الشق الذي يعنينا في هذه الاتصالات هو ما يتعلق بالدور الذي لعبه الصحفي الأمريكي البارز "توماس فريدمان" في استدعاء فكرة المبادرة، التي انطلقت من الانطباع الرائج في أوساط النخبة العربية، ويتلخص في أنك إذا أردت أن تستميل الإدارة الأمريكية وتكسب الإعلام هناك، فما عليك إلا أن تطرق باب إسرائيل أولا التي تملك وسائل ترقيق قلوب السياسيين الأمريكيين، وضبط إيقاع الخطاب الإعلامي في واشنطون. لا نستطيع أن نحدد بالضبط حجم الدور الذي لعبه "فريدمان" – محرر صحيفة نيويورك تايمز – لكن القدر الثابت أن الرجل الذي يرتبط بصلة وثيقة مع إسرائيل بحكم يهوديته، كان موجودا في قلب المبادرة التي أريد بها تحسين صورة المملكة بما يقدمها على أنها داعية سلام من خلال تبنيها أطروحة لحل معضلة الصراع العري الإسرائيلي ( لاحظ أن مؤتمر حوار الأديان الأخير الذي عقد في نيويورك بحضور الملك عبد الله وشمعون بيريز يمثل خطوة أخرى على ذات الطريق) . (3) المناخ العربي كان مهيأ لاستقبال المبادرة والاحتفاء بها، لسبب جوهري هو أن النظام العربي كان حينذاك قد دخل مرحلة "التهافت على السلام". إذا استخدمنا التعبير الذي أطلقه الأستاذ هيكل في وصفها. كانت اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها الرئيس أنور السادات مع مناحيم بيجين في عام 1979م هي الحلقة الأبرز في بدايات تلك المرحلة، ذلك أنها أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، مقابل انسحاب قوات الاحتلال من شبه جزيرة سيناء، مع تجريدها من السلاح وحظر دخول القوات المسلحة المصرية إليها، وحين أعلن الرئيس السادات أن حرب أكتوبر لعام 1973م هي "آخر الحروب" مع إسرائيل، فإنه بذلك اعتبر المفاوضات خيارا وحيدا في التعامل مع إسرائيل، وهو ما سوغ لقادة الدولة العبرية أن يرددوا في تصريحاتهم أن مصر خرجت من الصراع ولن تعود إلى المواجهة مع إسرائيل، وكان " آفي دختر" وزير الأمن الداخلي أحدث مسؤول في الدولة العبرية أعاد التأكيد على هذه النقطة في محاضرة مهمة له ألقاها بمعهد أبحاث الأمن القومي في شهر سبتمبر الماضي. لا يفوتنا هنا أن نذكر أن الرئيس السادات حين وقع اتفاقية كامب ديفيد وتعرض بسببها لانتقادات عربية واسعة النطاق، فإن السعودية واجهت ضغوطا أمريكية للانخراط في مسيرة "السلام المفترض"، الأمر الذي دفعها إلى تقديم مبادرة الملك فهد في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في فاس بالمغرب عام 1981م وتضمن آنذاك بعض الأفكار التي وردت لاحقا، في مبادرة الأمير عبد الله، لكن اعتراض سوريا و دول أخرى عليها أدى إلى إيقافها وعدم إقرارها من قبل القادة العرب. اتفاقيات كامب ديفيد فتحت الطريق رسميا وعلنا لمسيرة التطبيع مع إسرائيل قفزا فوق استحقاقات القضية الفلسطينية، وأقول رسميا وعلنا لأن الاتصالات السرية وغير الرسمية كانت قائمة بين إسرائيل وبعض الدول في المغرب والمشرق العربيين. في تلك الأثناء كانت منظمة التحرير الفلسطينية مازالت تتمتع ببعض العافية، وكانت أجواء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مازالت مواتية. (لا تنس أن الاتحاد السوفيتي كان مساندا للحق الفلسطيني) رغم أن الرئيس ياسر عرفات والدائرة الضيقة المحيطة به كانوا قد أصبحوا يميلون إلى فكرة الحل السياسي، وهو ما تحدث به السيد "هاني الحسن" عضو المجلس الوطني أمام الجمعية الراديكالية في لندن عام 1989م، مشيرا إلى أن التفكير في "الحل السياسي" أصبح يراود أبا عمار في أعقاب هزيمة يونيو لعام 1967م . غير أن استمرار المقاومة وظهور حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الساحة مع بداية الثمانينات أعطى دفعة لتيار المقاومة، بلغت إحدى ذراها في انتفاضة عام 1987م، التي فاجأت الجميع، وأثبتت حضورا متزايدا لدور المقاومة الإسلامية بجناحيها، وهو ما أثار انتباه الإسرائيليين بوجه أخص، الذين وجدوا أنفسهم أمام قوة فلسطينية جديدة صاعدة، وبالتالي كان عليها أن تختار ما بين فتح وحماس. ففضلت أن تمد جسورها مع فتح، وهذا التواصل هو الذي أفرز اتفاقات أوسلو التي عقدت عام 1993، وبعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في سنة 1992 وترتب على اتفاقات أوسلو عودة أبو عمار إلى غزة، وانتخابه رئيسا للسلطة الفلسطينية، ومن ثم انخراطه في مسيرة التفاوض والحل السلمي مع إسرائيل. وهو ما سجله عرفات في رسالة بعث بها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي في 9/9/1993 وقال فيها إن منظمة التحرير الفلسطينية "تلزم نفسها بعملية السلام في الشرق الأوسط، وحلا سليما للنزاع بين الجانبين، وتعلن أن كل القضايا العالقة المتعلقة بالوضع النهائي ستحل عن طريق المفاوضات". بعد أوسلو وقع الأردن اتفاقية "وادي عربة" مع الإسرائيليين في سنة 1994. وحين وجدت إسرائيل أن أبو عمار لم يمتثل لشروطها في المفاوضات فإنها حاصرته في المقاطعة وقتلته بالسم في عام 2004، وفي هذه الأثناء واصلت إسرائيل اختراق العالم العربي، فتم تطبيع العلاقات بينها وبين موريتانيا، وتوالى فتح مكاتب تمثيلية لها – قيل إنها تجارية – في المغرب وتونس وقطر وسلطنة عمان، الأمر الذي جاء دالا على أن التهافت على السلام يتقدم بخطى حثيثة، وأن إسرائيل توسع اختراقاتها للعالم العربي حينا بعد حين. (4) منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979، وخروج مصر عمليا من الصراع سرى الوهن في الجسم العربي كله، إذ تم الاعتراف بدولة إسرائيل التي لم تعترف بأي شيء للفلسطينيين، واعتبر السلام خيارا استراتيجيا في حين لم تعلن ذلك إسرائيل، واتفق على حل كل شيء بالتفاوض الذي رحبت به إسرائيل المستعدة للتفاوض إلى الأبد (أبا إيبان أبو الدبلوماسية الإسرائيلية عرف الدبلوماسية بأنها أن تقول كلاما معقولا يقبله الجميع، دون أن يترتب عليه أي عمل، وشامير رئيس الوزراء الأسبق قال في مؤتمر مدريد إنهم مستعدون للتفاوض لعشرة أو عشرين سنة). في طور الوهن أيضا أصبحت المقاومة عنفا منبوذا والجهاد إرهابا منكورا، والصراع صار نزاعا والاحتلال انتشارا، وتراجعت الشرعية التاريخية في فلسطين لصالح ما سمى بالشرعية الدولية، ثم تراجعت الشرعية الدولية، بحيث لم تعد تتمثل في قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية، ولكنها صارت ما تمليه واشنطون وتوافق عليه الرباعية، في الوقت ذاته لم تعد فلسطين قضية العرب المركزية، ورفع بدلا منها في أغلب العواصم شعار "نحن أولا، وليذهب العرب إلى الجحيم!". هذا التقهقر المستمر على مختلف الجبهات كان بمثابة هدايا مجانية قدمها العرب إلى إسرائيل التي ظلت متمنعة طوال الوقت. المدهش أنه إزاء تمنعها المدعوم من الولايات المتحدة ظلت الدول العربية تقدم في كل تراجع تنازلا جديدا. من رحم هذا الوهن المخيم خرجت المبادرة العربية بعرض يلوح بإغلاق الملف بالكامل والتسليم لإسرائيل بأهم ما تريده، فيما بدا أنه هروب من المشكلة إلى الأمام من خلال طرح حل نهائي لها . وبإعلانها اعتبرت الدول العربية أنها أبرأت ذمتها، وقدمت للقضية آخر ما عندها، بحيث لم يعد ما يشغلها هو تحرير فلسطين، وإنما انحصر نضالها في محاولة تسويق المبادرة في مختلف المحافل، واستجلاب الرضي الإسرائيلي ومحاولة "شرحها" للإسرائيليين (!) تارة من خلال مبعوثين للجامعة العربية (سفر وزير خارجية مصر والأردن إلى تل أبيب)، وتارة أخرى لتبرير الاتصالات الثنائية (اجتماع وزير خارجية البحرين السابق مع تسيبي ليفني). ثم من خلال حملة الإعلانات الأخيرة في الصحف العربية والعبرية. لقد مثلت المبادرة منعطفا خطيرا له تأثيره السلبي على مسيرة القضية الفلسطينية، كيف ولماذا ؟ -أجيب على السؤالين في الأسبوع القادم بإذن الله.
اسرائيل خائفة.. لكن ليس من العرب عبد الباري عطوان
انعطافة الاسرائيليين الى اليمين المتطرف مثلما اظهرت قائمة حزب الليكود للمرشحين للانتخابات البرلمانية في شباط (فبراير) المقبل، وتصريحات تسيبي ليفني زعيمة حزب 'كاديما' الحاكم حول طرد 'عرب 48' الى الدولة الفلسطينية المستقلة في حال قيامها، هذه الانعطافة تعكس حالة من 'الخوف'، تتفاقم داخل المجتمع الاسرائيلي، ناجمة عن عدم الثقة في دولتهم وقدرتها على البقاء، وحدوث متغيرات اقليمية ودولية تعزز هذا الخوف وتبرره.ويمكن ايجاز هذه المتغيرات الاقليمية والدولية التي ستؤثر بشكل مباشر، او غير مباشر، على مستقبل الدولة الاسرائيلية، وقدرتها على البقاء، في صورتها الراهنة، في النقاط التالية:* اولا: التفوق العسكري في المحيط العربي لم يعد يشكل ضمانة لتخويف الآخرين، ويوفر الطمأنينة للاسرائيليين، فالاخطار التي تواجه الدولة العبرية في الحاضر، والمستقبل القريب، لم تعد محصورة في الانظمة الرسمية العربية، فهذه الانظمة استسلمت في معظمها ورفعت الرايات البيضاء، وانخرطت في اتصالات مباشرة مع تل ابيب، وتقدمت بمبادرة سلام تحقق لها جميع مطالبها. العدو الجديد لاسرائيل يأتي من المنظمات الجهادية على وجه التحديد، صغيرة كانت ام كبيرة، مثل 'حزب الله' و'الجهاد الاسلامي'، وحركة 'حماس'، و'لجان المقاومة الشعبية'، و'القاعدة'. فالجيش الاسرائيلي المزود بأحدث الاسلحة واكثرها تطورا غير مجهز او مدرب لمواجهة هذه المنظمات والانتصار عليها، وتجربة اسرائيل في الحرب الاخيرة على لبنان تعطي مثالا حيا في هذا الصدد.* ثانيا: حل الدولتين الذي راهنت اسرائيل للوصول اليه وفق مواصفاتها الخاصة، ومن خلال عملية سلام مدعومة امريكيا، سقط بشكل مريع، فالجناح الفلسطيني المؤمن بهذا الحل، والمنخرط في العملية السياسية التفاوضية التي من المفترض ان تتكلل به في نهايتها يواجه الافلاس، وشعبيته تتراجع في اوساط الفلسطينيين بشكل سريع، خاصة مع انتهاء هذا العام دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي وعد بها الرئيس الامريكي جورج بوش. فالفلسطينيون باتوا منقسمين حاليا الى تيارين، الاول الذي يضم المعتدلين، ومعظم المؤمنين بحل الدولتين، وهذا التيار بات يميل الى حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية، وتصريحات كل من احمد قريع رئيس وفد المفاوضات، وسري نسيبة اكثر الشخصيات الفلسطينية ايمانا بالعملية التفاوضية، المؤيدة لهذا الحل هي المثال الابرز. اما التيار الثاني، فيطالب بالتحرير الكامل لفلسطين. وفشل سلطة رام الله في رهاناتها السلمية، وصمود حركة 'حماس' في قطاع غزة، وانهيار الحوار الداخلي الفلسطيني، كلها عوامل تعزز هذا التيار.* ثالثا: انحسار نفوذ النظام الرسمي العربي على الساحة الفلسطينية، وتآكل اوراق الضغط المادية والمعنوية التي كان يستخدمها على الطرف الفلسطيني، ومنظمة التحرير على وجه الخصوص، لتعزيز مسيرة الاعتدال، والدفع باتجاه التسوية السلمية. فالمقاومة الفلسطينية لا تستمد وجودها واستمرارها من اي دعم عربي رسمي، مادي او عسكري. والشيء نفسه يقال عن المقاومة اللبنانية 'حزب الله'. والاهم من ذلك تراجع دور مصر 'عرّاب السلام' عربيا، فلم تعد بوابة التسوية مثلما كان عليه الحال قبل عشر سنوات.* رابعا: هيمنة اسرائيل على العالم الغربي وتوظيفه في خدمة مصالحها واطماعها التوسعية بدأت تتآكل بشكل متسارع، لان مكانة الغرب اهتزت بسبب الأزمة المالية العالمية اولا، وظهور قوى عالمية جديدة (البرازيل، الهند، روسيا، الصين) ثانيا، وحدوث تغيير في قمة القيادة الامريكية بانتخاب رئيس يتطلع الى التغيير ولو من حيث المبدأ ثالثا. العالم الغربي بدأ يدرك ان اسرائيل لا تشكل عبئا امنيا عليه فقط، وانما عبء اخلاقي ايضا. والاجيال الغربية الجديدة، خاصة في اوروبا، لم تعد تحمل عقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة 'الهولوكوست' مثل الاجيال السابقة، وهذه الاجيال بدأت تعبر عن نفسها في الانتخابات التشريعية.* خامسا: اثبتت حربا افغانستان والعراق، ان استراتيجيات الغزو العسكري الناجحة سابقا، لم تعد قادرة على حسم الامور داخليا لمصلحة الغزاة، بل باتت تتحول الى حرب استنزاف مكلفة بالنسبة اليهم. فبعد خمس سنوات من الحرب في العراق وخسارة 700 مليار دولار ما زالت الادارة الامريكية عاجزة عن تحقيق الامن او اعلان النصر. وبعد سبع سنوات من الحرب ضد الارهاب في افغانستان اصبحت حركة طالبان تسيطر على اكثر من سبعين في المئة من الارض الافغانية، وتهدد الحكم في باكستان، اما 'القاعدة' فقوتها تتعاظم واصبحت تفرّخ فروعا في اكثر من مكان، علاوة على عودتها الى مسقط رأسها، وبيئتها الطبيعية، ودولتها الآمنة في افغانستان.* سادسا: صعود الدور الايراني في المنطقة، المدعوم بصناعة عسكرية قوية، وتحالفات عالمية مؤثرة (الصين، روسيا والهند) وفشل سياسات الحصار الاقتصادي في اجبار النظام الايراني على التراجع عن طموحاته النووية. النفوذ الايراني بدأ يتمدد ويشكل طوقا فاعلا يحاصر اسرائيل من الشمال (حزب الله، سورية)، والجنوب (حركات المقاومة و'حماس') على وجه التحديد.* سابعا: الصورة الاسرائيلية اهتزت في العالم بأسره بسبب المجازر التي تُرتكب في الضفة وقطاع غزة ضد الفلسطينيين (احداث الخليل الاخيرة) والاسوار العازلة، والتوسع الاستيطاني، والحصارات التجويعية، بما في ذلك منع الدواء والوقود والغذاء. فهذه ليست صورة الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة والشعب الحضاري الذي يمثل القيم الغربية. فليس غريبا ان يعتقد اكثر من ستين في المئة من الاوروبيين، حسب استطلاعات الرأي، ان اسرائيل باتت تهدد استقرار العالم، واصبحت مصدرا محفزا للارهاب.تجارب الستين عاما الماضية من عمر الدولة الاسرائيلية تقول انه كلما زادت المخاوف وحالات القلق في اوساط الاسرائيليين كلما اتجهوا للتطرف، وانتخبوا حكومات يمينية متشددة قادرة على خوض الحروب ضد اماكن الاخطار. وهذا ما يفسر زيادة شعبية بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي، وامكانية تشكيله الحكومة الاسرائيلية المقبلة، حيث من المتوقع ان يفوز تكتل الليكود الذي يتزعمه بأكثر من ثلاثين مقعدا في الكنيست.نتنياهو حدد اولويات برنامجه الانتخابي في أمرين اساسيين، الاول سحق حركات المقاومة الفلسطينية مثل 'حماس' و'الجهاد'، والتركيز على ما يطلق عليه 'السلام الاقتصادي'، والثاني منع ايران من امتلاك اسلحة نووية وتدمير برامجها في هذا الصدد بكل الوسائل، العسكرية منها على وجه الخصوص.هذا البرنامج المتطرف هو الذي دفع ليفني الى الحديث عن عزمها طرد العرب من اسرائيل الى الدولة الفلسطينية، اي تكرار نكسة عام 48، او بالأحرى اكمال ما لم يتحقق من 'ترانسفير' قبل ستين عاما.ما يمكن قوله وباختصار شديد، ان اسرائيل التي تضع الأمن على قمة اولوياتها، وتفهم السلام مع الفلسطينيين على ان يقوم هؤلاء بدور الحارس الامين لحدودها ومواطنيها، تشعر ان سلطة عباس لا تستطيع تحقيق هذا الهدف حتى لو ارادت، وترى ان امتلاك ايران لاسلحة نووية قد يجعل امنها الخارجي في مهب الريح اذا ما تطورت تحالفات ايران في لبنان وسورية وغزة.العام الجديد قد يعكس هذه المخاوف الاسرائيلية سواء من حيث شن هجوم على قطاع غزة لانهاء سلطة 'حماس' وقوتها الصاروخية المتنامية، اوارسال الطائرات لضرب المنشآت النووية الايرانية.صحيح ان امريكا التي تخوض حربين فاشلتين في العراق وافغانستان قد لا تؤيد حربا جديدة ضد ايران، ولكن علينا ان نضع في اعتبارنا ان اسرائيل دمرت المفاعل النووي العراقي عام 1981 والعراق كان حليفا آنذاك لامريكا، وشنت حربين ضد العرب، الاولى عام 1956، والثانية عام 1967 دون التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة.الفارق الابرز بين حروب اسرائيل السابقة واي حروب مستقبلية، انها كانت قادرة على الانتصار في الاولى، ولكن الحال قد لا يكون كذلك في الثانية، فالانتصار الامريكي العسكري على العراق لم يحقق الاستقرار، وكذلك في افغانستان، فالانتقام الايراني وارد سواء بالصواريخ او عبر حزب الله، واجتياح غزة جائز، ولكن السؤال المهم ماذا سيحصل بعده؟ وهذا ما يفسر تهديدات ايهود باراك اليومية باجتياح القطاع منذ عام دون ان يجرؤ على هذه الخطوة.
الجمعة، 12 ديسمبر 2008
دور الكـتاتيب في حفظ الهوية الثقافية لأبنائنا: بقلم ليلي بيومى
مثلت الدور المتخصصة في تحفيظ القرآن الكريم (الكتاتيب) دورا متميزا في تكوين الخلفية القرآنية الإسلامية في عقول كثير من أبناء المجتمع في الدول الإسلامية لفترة من الزمان ليست بالقصيرة , وكانت تلك الكتاتيب قد انتشرت في كثير من ربوع دولة الإسلام من جنوب شرق أسيا عبر أندونيسيا وماليزيا ومملكة فطاني – سابقا – وغيرها مرورا بباكستان وأفغانستان ودول شمال آسيا.. إلى أقصى الغرب الإسلامي في المغرب وموريتانيا.. ثم الجنوب في جنوب السودان الصومال ووسط أفريقيا.. وغيرها.. ولقد وجهت كثير من المخططات الخبيثة المنظمة للقضاء على الآثار الإيجابية لتلك الكتاتيب في العالم الإسلامي..حتى أصبحت مؤسسة (الكتّاب) - تلك المؤسسة الصغيرة العتيدة - مهددة بالانهيار التام بل والانقراض..ونحن في السطور التالية نحاول معا إلقاء نظرة عابرة على تلك الكتاتيب ودورها وكيف ينظر إليها.. من خلال (الكتاتيب المصرية نموذجا)...فعشرات من الأناشيد والأغاني والأشعار والحكايات الأخرى قد احتلت مساحة كبيرة من عقول الأطفال الناشئة وذلك على حساب حفظ القرآن الكريم في تلك المرحلة العمرية الهامة والحيوية والتي تستوعب حفظ ملايين من الكلمات.وقد نجد أطفالا قد أتموا حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم قبل دخول المدرسة وخصوصا في الكتاتيب , ويعرف الجميع دور الكتاب أو مكتب تحفيظ القرآن الكريم على مستوى القرى والأحياء الشعبية في حفظ القرآن ونشره في بلادنا على امتداد القرون الطويلة.كما يعرف عن حكام مصر السابقين أمر اهتمامهم بالكتاتيب، وأبرزهم صلاح الدين الأيوبي، الذي أخذ على عاتقه إصلاح شأن الكتاتيب والاهتمام بها على مدى عشرين عاما قبيل انتصاراته التاريخية الباهرة على الصليبيين وتحرير بيت المقدس.ومن هنا كانت أولى خطواته تجفيف منابع التدين، حسب المخططات الحديثة لمحاربة الإسلام، مطاردة تلك الكتاتيب وإغلاقها وإضعاف دورها وإهمالها وقطع المعونات المادية عنها وصرف التلاميذ والأطفال بعيداً عنها وعدم العناية بالمحفظين. وتأتي تلك الضربات من عدة نواحي أبرزها من خلال الغزو الثقافي التغريبي الذي اجتاح البلدان العربية والإسلامية منذ منتصف القرن الماضي والذي سخر الأدب ووسائل الإعلام للنيل من صورة الشيخ محفظ القرآن الكريم وتصويره في القصص والروايات وكذلك في الأفلام والمسلسلات بشكل هزلي كأنه إنسان بشع يتلذذ بضرب الأطفال ويتناول طعامهم وخارج عن السياق الاجتماعي والأخلاقي. وجاءت قصة الأيام لطه حسين والتي كانت مقررة وما زالت على مختلف مراحل التعليم الإعدادي والثانوي في البداية لترسيخ هذه الصورة. وقد تحولت لعمل درامي أخذ أشكالاً مختلفة ووضع صورة نمطية (لسيدنا الشيخ "المحفظ" ومساعده "العريف") وتلا ذلك سيل من الأعمال الأدبية والإعلامية التي سارت على نفس هذا المنهج المنفر من محفظ القرآن ومدرس الدين..أما بقية الخطة المنظمة لتجفيف منابع الدين وحصار دور الكتاتيب فقد جاءت على عدة محاور أهمها التضييق على المحفظين وإغلاق الأبواب في وجوههم بدلاً من مساعدتهم والاهتمام بشأنهم.إن هؤلاء المحفظين يعتمدون في معيشتهم على بعض العطايا المتواضعة من أسر الأطفال فقط ولا يستطيعون ممارسة التجارة أو الزراعة أو العمل خارج البلاد، ومن ثم ظلت أحوالهم الاقتصادية متواضعة، حتى أن وزارة الأوقاف كانت قد أقرت لهم مكافآت رمزية لبعض الوقت لكن سرعان ما توقف هذا الدعم المتواضع وقد أدى هذا تباعا إلا أن أبنية الكتاتيب صارت في معظمها قديمة وغير مؤهلة على المستوى الإنشائي والصحي لاستيعاب أعداد كبيرة من الأطفال، وخصوصا أبناء الطبقة المتوسطة وأبناء المتعلمين الذين يطمحون في إلحاق أبنائهم بدور تحفيظ متطورة، ومن ثم لا يجدون بغيتهم في الكتاتيب فيلحقون صغارهم قبل سن المدرسة الابتدائية بدور الحضانات التي بدأت تنتشر في الريف على حساب الكتاتيب وتجد تشجيعا مشبوها من بعض المؤسسات العلمانية.إن هذه المؤسسات العلمانية وضعت ضمن أهدافها وأولوياتها تشجيع وإقامة دور الحضانات في الريف وتزويدها بالمناهج المختلفة التي تعج بالغث من المواد، ورغم أن هناك العديد من المحاولات التي يقوم بها بعض العلماء وأهل الخير للاهتمام بالكتاتيب من خلال الجمعيات الأهلية التي تساهم في مساعدة المحفظين ببعض الأموال أو تقديم المعونات للنهوض بالأبنية القديمة إلا أنها في النهاية جهود فردية يتم حصارها في كثير من الأحيان.وتأتي أهمية الكتاتيب دون غيرها من المؤسسات التعليمية الأخرى كونها قائمة على تحفيظ القرآن الكريم بشكل جماعي يساعد على سرعة الحفظ والاستيعاب ويؤكد علماء التربية أن حفظ القرآن في المرحلة العمرية الصغيرة يظل ثابتا في الذاكرة ويقوّم منذ البداية اللسان العربي ويقوي مخارج الحروف.. أما شغل الطفل بحكايات كثيرة وأناشيد وأغاني أو حتى لغة أجنبية أخرى كما يحدث الآن فيؤدي إلى تشتيت الطفل وإحداث خلل في منظومته العلمية والثقافية، ولذا كان للكتاتيب دور حيوي وهام في التواصل مع الأزهر الشريف وإمداده بالأطفال الحافظين وتخريج علماء ودعاه وفقهاء نشروا العلوم الشرعية وأسسوا الجامعات الإسلامية في مختلف البلدان العربية والإسلامية. مدرسة القرآن ومعلمة الأجيال: * يقول د. سيد محروس المدرس بجامعة الأزهر: الكتاتيب (جمع كتاب بضم الكاف وتشديد التاء) هي مدرسة القرآن ومعلمة الأجيال، كانت ولا تزال من أخطر وأهم المؤسسات التعليمية التي عنيت بتعليم وتحفيظ القرآن الكريم عبر أجيال متوالية، حافظت على اللغة العربية واستقامة اللسان العربي، وكانت بمثابة الدروع التي حافظت على تراث الأمة في مواجهة مدارس الإرساليات التي غزت عالمنا العربي منذ بدايات القرن التاسع عشر.ويشير د. سيد محروس إلى أن عدد الكتاتيب في مصر تجاوز الثلاثين ألف في القرى والكفور حيث يوجد في كل قرية ما بين 6 – 8 داراً لتحفيظ القرآن الكريم ويوجد في مصر حوالي 2400 قرية بخلاف كتاتيب النجوع والكفور، هذا إلى جانب الكتاتيب الموجودة في الزوايا والمساجد الصغيرة في معظم الأحياء الشعبية بالمدن... وقد نشطت مدارس الإرساليات في بداية القرن التاسع عشر، إلا أنه ومع تنامي الصحوة الإسلامية اشتد الاهتمام العام بدور تحفيظ القرآن التي تطورت في الآونة الأخيرة من ناحية الشكل والبناء.ومع تنامي وانتشار المدارس الأزهرية اهتم العامة والطبقات المتوسطة بإرسال أطفالهم إلى الكتاتيب للهروب أولاً من المدارس الخاصة وتكاليفها إلى جانب الحرص على التعليم الديني وخاصة للفتيات حيث تم افتتاح معاهد أزهرية خاصة بهن بجانب معاهد البنين القديمة... وفي تطور آخر تبدي وزارة الأوقاف وشئون الأزهر رعاية لمحفظي القرآن الكريم من خلال منحهم مكافآت ودورات تدريبية.أداة للإشعاع المعرفي: * يقول د. محمد يحيى (المفكر الإسلامي): كانت الكتاتيب وما زالت الأداة التعليمية الرئيسية التي ينتقل بها العلم الديني وبالذات القرآن الكريم من جيل إلى جيل كما كانت الأداة التي تشع منها قاعدة التنوير الديني وحفظ القرآن ونشره، وهي كذلك الأداة التي توجد قاعدة من المتعلمين الذين يستطيعون بعد ذلك بسهولة تعميق دراستهم الدينية وإتقان شتى فروع العلوم الإسلامية، كما أن الكتاتيب هي النظام التعليمي المناسب والملائم لاحتياجات المجتمع المتنوعة بحيث كانت تندمج بشكل طبيعي في نشاطات وحياة المجتمع الصغير اليومية، سواء في القرية أو في الحضر كما كانت الكتاتيب نظامًا تعليميًا مجانيًا لا يكلف المجتمع أية أعباء للدراسة فوق أنها تستمد تكاليفها المادية إما من نظام الأوقاف أو من التبرعات البسيطة والجهود التطوعية للمجتمع. هذه الكتاتيب هي النظام التعليمي الأمثل من عدة نواحي، على الأقل من ناحية التعليم الأساسي والأولى، ولا يعني هذا أن فائدة الكتاتيب قد انعدمت في الزمن الحاضر، ذلك لأنها وبالذات من ناحية تعليم وتحفيظ القرآن والأحاديث النبوية والقراءة والكتابة والقيم الاجتماعية والدينية الأساسية، فهي منظومة ضرورية في حياة المجتمع المعاصر ولا يمكن القول مثلاً أن نظام رياض الأطفال أو السنوات الأولى من التعليم الأساسي يمكن أن تحل محل الكتاتيب لأن هذه الأنظمة الحديثة لا تتمتع بنظام الكتاتيب في التعليم المباشر وفي إتقان الجوانب الدينية.ويشير د. محمد يحيى إلى أن الكتاتيب موجودة في مصر منذ أكثر من خمسة قرون وتنامت وتطورت مع الأزهر الشريف ومعظم علماء الأزهر البارزين والعلماء في شتى العلوم الشرعية المختلفة وحتى الذين برزوا في الآونة الأخيرة في مجالات الطب والفلك والهندسة بدءوا حياتهم التعليمية من الكتاتيب.نشأة قرآنية: * ويقول الدكتور: أحمد إبراهيم مدرس أصول الدين بجامعة الأزهر وصاحب كُتّاب بمحافظة الغربية: نشأت بين أقراني الصغار والبيت كان بالطوب اللبن... معظم أطفال القرية يأتون في الصباح الباكر... يرددون آيات القرآن الكريم وأنا معهم... أشقائي الكبار يساعدون أبي في تحفيظ الصغار وأبي يعاملني بشدة إن لم أجتهد في حفظ القرآن الكريم مثل بقية الأولاد... شقيقاتي البنات أتممن حفظ القرآن وتزوجن... وشقيقي الأكبر تخرج في الأزهر ثم بعد وفاة والدي تولى هو إدارة الكُتّاب الذي تغير عن ذي قبل فصار بالطوب الأحمر والأسمنت وصارت هناك حمامات أكثر تطورًا ومياه نقيه ونظيفة من الصنبور... والحمد لله بركة القرآن تملأ علينا أرجاء البيت وفتح الله علينا جميعاً وتغيرت أحوالنا الدنيوية والدينية إلى الأفضل.* ويقول المستشار محمود سالم: الكُتّاب هو مدرستي الأولى وسبيلي لحفظ القرآن الكريم وإتقان اللغة العربية... عندما أتممت حفظه مباشرة التحقت بالمعهد الأزهري بعدما أجرى لي امتحانًا فيما حفظته... فدخول الأزهر في الماضي القريب لم يكن مرتبطًا بعمر الطلاب وإنما بمدى حفظه أجزاء من القرآن الكريم.التحقت بكلية الشريعة والقانون بعد ذلك ثم عملت في سلك القضاء... ولم أنس مطلقًا سيدنا (محفظ القرآن الكريم)... ورغم أنني الآن أسكن في المدينة إلا أنني حريص جداً على أن يتعلم أولادي ويحفظوا القرآن الكريم في كُتّاب القرية وقد حرصت على إحضارهم في الأجازة الصيفية، وقبل الالتحاق بالمدرسة يأتون للتعلم في الكُتّاب.* وتقول الدكتورة منى طايل: لقد نشأت في القرية وحينما تعلمت نطق الحروف بعثني أبي فورًا مع أشقائي إلى الكُتّاب وهكذا كل صغار القرية يذهبون إلى الكتاتيب منذ الصغر وحتى بلوغ سن المدرسة 6سنوات، نكتب على لوح من الخشب.. وهذا اللوح يعطينا مهارة كبيرة في ضبط الخط، وحتى عندما دخلت المدرسة كان لزامًا عليّ في الصباح الباكر أن أمر على الكُتّاب أقرأ على سيدنا ما حفظته.. ثم بعد عودتي من المدرسة وتناولي للغداء أذهب إلى الكُتّاب، أكتب الجديد الذي حفظته على اللوح الخشبي وأقرأه على الشيخ ثم أحفظه عند عودتي للبيت وهكذا معظم زميلاتي وزملائي في المدرسة، ومن يواظب على الذهاب للكُتّاب لا بد أن يكون متفوقًا في اللغة العربية ويتمتع بخط جيد، وكنا ونحن صغار ندرك ذلك جيدًا... والذهاب للكُتّاب كان شيئاً مقدما أهم عند أبي وأمي عن أي شيء، وفي مواسم الحصاد كان الشيخ يأخذ حصته من القمح والأرز ويسعد كثيرًا بهذا العطاء... والحمد لله بفضل الكُتّاب وحرصنا عليه منذ الصغر تخرجت أنا وأشقائي من كليات القمة.* أحمد لاشين صاحب دار لتحفيظ القرآن بإحدى قرى محافظة الجيزة يقول: أبي كان عالمًا أزهريًا ومسئولاً عن أهم كتاتيب القرية وتخرج على يديه العديد من العلماء في شتى التخصصات العلمية والشرعية وقد كان حريصاً على الالتزام بأصول وقواعد التجويد مع التحفيظ، وقد حرصت بعد وفاته على أن نستمر في أداء هذه الرسالة وبرغم عملي كمهندس إلا أن معظم وقتي أقضيه بين هؤلاء الصغار الذين أحسن بمسئولية تجاههم.معاهد متخصصة في تحفيظ القرآن الكريم: * د. محمد داود عميد معهد القرآن بمنطقة العمرانية بالقاهرة يقول: بخلاف جامعة الأزهر يوجد العديد من المعاهد المهتمة بالدعوة والقرآن، ومعهد علوم القرآن بالعمرانية متفرد في رسالته الخاصة بتعليم القرآن وعلومه ويوجد به مجموعة من علماء الأزهر الذين يقومون بتحفيظ الفتيان والفتيات، ولنا الآن معهدان تابعان ومتماثلان معنا، وهما معهد القرآن بدقادوس (قرية الشيخ محمد متولي الشعراوي _رحمه الله_) ومعهد القرآن بقرية هردون بمحافظة المنوفية... والمعهد يقبل الطلاب الحاصلين على الشهادات المتوسطة وخريجي الجامعات ومدة الدراسة به أربع سنوات وهو معتمد من الأزهر الشريف، ويوجد به فصول خاصة بالنساء وأخرى بالرجال، وفي الإجازة الصيفية نقوم بتحفيظ الأطفال الصغار، ولدينا أكبر مكتبة إسلامية على مستوى الشرق الأوسط، كما أن القائمين على التحفيظ لديهم مهارة علمية ولا يقومون بهذه المسئولية إلا بعد إجازتهم للحفظ والتدريس من قبل علماء القرآن، أما المعاهد الأخرى التابعة للجمعية الشرعية أو لوزارة الأوقاف فهي لإعداد الدعاة والداعيات وتهتم بتدريس العديد من العلوم الشرعية والتاريخ والسيرة والفقه بجانب القرآن وقد زاد عددها في الآونة الأخيرة.كلية القرآن الكريم: * د. جودة المهدي عميد كلية القرآن الكريم يقول: كلية القرآن هي الوحيدة في جامعة الأزهر، وتشمل الدراسة بها أربع سنوات... نركز على علوم القرآن والقراءات.. خاصة بعدما شاع التحريف واللحن لدى بعض المقرئين... وهذه الكلية تستقبل خريجي المدارس أو الجامعات الأزهرية... وعنايتنا بالقراءات من خلال المناهج العلمية تختلف عن ذي قبل عندما كانت القراءات يتم تعليمها في إطار حر ومن خلال علماء وتلاميذ يتوارثون تلك القراءات مثل حفص عن عاصم وورش عن نافع، وكذلك مع انتشار المقرئين في وسائل الإعلام وبين الجمهور... وكان لا بد من تلك الكلية لكي ننهض بضبط القراءات وتعليم أصول التجويد والترتيل هذا إلى جانب علوم القرآن وبعض العلوم الشرعية الأخرى.بركة القرآن: * الشيخ محمود فتح الله... شيخ أحد الكتاتيب بمحافظة الغربية يقول: لدى سبع بنات علمتهن وحفظن جميعًا القرآن الكريم كاملاً... يساعدنني الآن في تحفيظ الصغار... منهن من تزوجن والباقيات معي في البيت... زوج ابنتي هو العريف (مساعد الشيخ) ورغم أنني جاوزت السبعين عامًا إلا أنني دائمًا أحس ببركة القرآن التي أصبغت على صحة وعافية فلم أذهب حتى الآن إلى الطبيب إلا نادرًا... كنت أحفّظ الأولاد في الماضي نظير حبوب الأرز والقمح... ومن ليس لديه مقدرة على عطاء أقوم بتحفيظه مجانًا... والحمد لله الآن تقوم وزارة الأوقاف برعايتنا من خلال دورات تدريبية يتم من خلالها مراجعة وضبط أصول القراءة تحت رعاية علماء الأزهر كما تمنحنا مكافآت رمزية.أسهل الطرق لتحفيظ القرآن: * د. تيسير راشد (الأستاذ بكلية رياض الأطفال) يقول: قدرة الطفل على الحفظ في مرحلة الطفولة المبكرة تكون عالية جدًا ولا بد من استغلال هذه القدرة في حفظ آيات القرآن الكريم بدلاً من حفظ أشياء وحكايات لا معنى لها... وحفظ القرآن الكريم يقوّم لسان الطفل ويقوي مخارج الألفاظ عنده وهناك أطفال يحفظون القرآن كاملاً في سن 6 سنوات وكلما كان الحفظ في سن صغيرة كلما كان أكثر ثباتًا واستمرارية في ذاكرة الطفل... والحفظ بالتكرار وفي الجو الجماعي يسهل على الطفل ويزيد من قدرته واستيعابه لآيات الذكر الحكيم.* وفي دراسة هامة للدكتور عبد الباسط متولي (أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الزقازيق) حول أثر تعلم القرآن والفقه على مستوى النمو اللغوي للطفل... يقول: للبيئة الثقافية للفرد دور أساسي في خلق جو من التفاعل اللغوي والإيجابي من خلال إتاحة الفرص المناسبة لتعلم اللغة وممارستها على النحو الذي يناسب مستوى نضج الطفل ويساعده على النمو العقلي والانفعالي ويتشكل ذلك المناخ الثقافي الفعال من قدرة الأسرة على التفاعل اللغوي المثمر وتوجيه الطفل إلى هذا التفاعل كإلحاقه بجمعيات تحفيظ القرآن (الكتاتيب) التي تعد الطفل ليكون ذاكرًا لأكبر تراث لغوي، ومحافظًا على ذاته من خلال ذلك التذكر الواعي لآياته حيث يقول الحق _تبارك وتعالى_: "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" (يونس: من الآية57)، ويقول: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ" (فصلت:44) ومن أفضل أنعم الله على أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- أن جعل دستورها قرآنًا عربيًا غير ذي عوج من تعلمه وعمل به فقد فاز في الدنيا والآخرة ومن تركه خلف ظهره فقد خسر خسرانًا مبينًا.
الإسعافات النفسية للطفل د. مصطفى أبو سعد
بعض الآباء يبخلون بإظهار عاطفتهم تجاه أبنائهم لأسباب تعود إما لطريقة نشأتهم أو لاعتقادهم أن إظهار الحب للطفل يفسده أو يقلل من هيبة الأب فينشأ الطفل في جو من الفتور. بعض الآباء يجهلون أهمية أن يشعر الطفل بعاطفة أبوية عن طريق تبادل الحوار...اللمس والهمس والمداعبة..والملاطفة والعناق والنظر في العين. ولكنهم في حال الغضب يعرفون بل يتفنون في أساليب العقاب الصارم. لذلك فإن علماء النفس يحذرون الآباء من أنواع العقاب الصارم والتي تترك أثرًا بالغًا في نفسية الطفل، قد لا تخرج في مرحلة الطفولة وتبقى كامنة في اللا شعور وتظهر في مراحل مختلفة من عمر الطفل. اعتاد الناس الإهتمام بالإسعافات الأولية للطفل في مجال الصحة العامة والإصابات المنزلية وإن كانت تشكل خطرًا على حياة الطفل إلا أنها ليست أكثر أهمية من الإسعافات الأولية في مجال الصحة النفسية بالنسبة للطفل خصوصًا وأن سن الطفولة يعتبر سن تشكيل شخصية الطفل المستقبلية وأن الإهتمام بنفسيته هو اهتمام بمعالم شخصية في باقي المراحل العمرية. إن حالة إحباطية واحدة يتعرض لها الطفل أثناء طفولته قد تؤثر سلبًا عليه طيلة حياته..إن الذين يشتكون مثلًا – من انعدام الثقة بالنفس أغلبهم تعرضوا لحالات استهزاء وسخرية أو وسم بالفشل أثناء طفولتهم وكذلك الإنطوائين وأصحاب الخجل الشديد. لذلك فالمربي مطالب بفهم نفسية الطفل ليحسن التعامل معها، فالذي يربي على غير علم يفسد أكثر مما يصلح...والمربي يحتاج إلى عاطفة واهتمام يتحسس بهما خلجات النفس لدى الطفل وأحوالها ليتدخل في الوقت المناسب وبالعلاج الأنسب. كيف تسعف طفلاً مصابًا بفشل دراسي؟ 1. حول اهتمامه عن الفشل واسأله ماذا بإمكانه أن يفعل لتجاوز المشكل، ففي ذلك إعادة للثقة بالنفس لديه من خلال اعترافك بقدراته على تخطي الفشل. 2. ابرز العناصر الإيجابية وركز على الإيجابيات سواء لديه أو لدى غيره من أصدقائه المقربين والتي يمكنها أن تشكل عنصرًا قويًا لتجاوز المشكل. 3. اعقد اتفاقيات مع الطفل. قل له: نعم يمكنك أن تتخطى الفشل وهذا الطريق فلنتفق عليه أولًا مع الأسرة: نحدد الوسائل والإجراءات التي ينبغي اتخاذها من خلال تنظيم الوقت داخل البيت، تنظيم الزيارات ووقت الفراغ والإجازات. ثانيًا مع الأصدقاء: كيف نستعين بهم لتقوية جوانب الضعف وتشكيل دافع ايجابي لديه؟ ثالثًا مع المدرسين: للاستفادة من ملاحظاتهم وتوجيهاتهم وادماجهم في عملية الاسعاف. 4. حول السلبية همّة: ارفع المعنويات وحول الفشل لدافع قوي نحو النجاح والتفوق..علمه وأخبره "أن الكبار يحولون الهزيمة نصرًا والفشل نجاحًا" وأن أينشتاين صاحب أكبر الاختراعات في مجال الفيزياء قد رسب في المادة نفسها. 5. ابتسم ولا تغضب: فتبسمك في وجهه يبعد عنه الكثير من الهواجس والانفعالات المحبطة كما أن غضبك يصيبه بالعجز والاحباط. كيف تسعف طفلًا يعاني من ضيق نفسي؟ • ابتسم وحاول الترفيه عنه. • الجأ لتجربة خاصة تضحكه بها. • لاعبه بلعبة اليمين واليسار: خذ يده اليمنى وقل له: هنا نضع غضبك وحزنك وانفعالاتك وخوفك وباليد اليسرى نضع قوتك وما تعلمته وما تحفظه وما تستطيع فعله وعدد الكثير من الأشياء التي يتقنها. ثم ضم اليدين معًا وقل له: يديك معًا هي انت!! كل ما فيك يكمل بعضه البعض فلم انت متضايق؟! هذه اللعبة تمنح الطفل شعورًا بالأمن وتهدأ الأعصاب. • دعه يرى نفسه في المرآة: وشجعه على تحسين صورته من خلال الابتسامة. • اهده شيئًا خفيفًا ليأكله وركز على ما يحب ويشتهي. • ردد معه الجزء الأول من دعاء الهم والحزن: اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن. أكثر من مرة. • اقرأ معه المعوذتين بصوت هادىء ومسموع.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)