السبت، 17 يناير 2009

الجيش الاسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تحلل الأجساد وتبقيها هياكل عظمية

أكدت مصادر طبية بمستشفى الشفاء أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تستخدم لأول مرة ولم يشهد لها مثيل من قبل، موضحة أن تلك الأسلحة تتسبب فى تحلل الأجساد وإذابتها وإبقائها هياكل عظمية.
وقالت المصادر "إن هذا ما اكتشفناه عندما توجهنا إلى برج الكرامة وأخرجنا من أحد الشقق ثلاثة شهداء لحومهم ذائبة لم يبق من أجسادهم إلا العظام"، مؤكدة أن القذيفة التى استهدفتهم "فتاكة جدا وما شاهدته لا يوصف ولا يمكن رؤيته".
وأوضحت المصادر "أنه عند تفقد منطقة تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة وجدنا فى الشقق والأبراج التى تعرضت للقصف مادة شبيهة بالبودرة والطحين لها آثار فتاكة منها الصعوبة فى التنفس وحروق بدرجات عالية تعمل على تحليل الأجسام"، مشيرة إلى أنه خلال المعاينة بالمستشفيات هناك الكثير ممن تحللت أطرافهم العليا والسفلية وتم بترها إضافة إلى استشهاد 7 جرحى متأثرين بالحروق البالغة التى أصيبوا بها.
وعن معاناة الجرحي الفلسطينيين قال تقرير لصحيفة الشرق الاوسط عن شاب الفلسطيني يدعي أحمد نصر أبو جرادة/ 18 سنة انه كان يقف أمام باب بيته في غزة، حين أصيب في قصف إسرائيلي، ولا يذكر، وهو يرد بالكاد على سائليه، إن كان من صاروخ أو قنبلة طائرة أو دانة مدفع.
لكن المشكلة لا تكمن في تهتك لحم فخذيه وتحطم عظام ساقيه؛ فبحسب رواية أطباء مستشفى العريش العام بمصر أمكن السيطرة على هذه الإصابات المعتادة، أما ما لم يتمكن الأطباء من علاجه فيكمن في انفجارات بالشرايين والأوردة خاصة في المنطقة المحيطة بالمعدة وما حولها.
وقال مدير الصحة في محافظة شمال سيناء طارق المحلاوي إن «أبو جرادة»، بعد أن بدأ يتعافى من إصابته بتهتك خاصة بالساق اليمنى، ظهرت مشاكل جديدة في جدار البطن والجهاز البولي وأنه يجري متابعة حالته لمعرفة مدى تأثره بما يمكن أن يكون قد تعرض له من سلاح إسرائيلي غامض، ودراسة ما إذا كان يمكن السيطرة على التداعيات التي تحدث في جسد «أبو جرادة» من عدمه، وأنه والفريق الطبي بمستشفى العريش يجرون أبحاثا «حول هذا النوع من الإصابات التي يسببها هذا السلاح الإسرائيلي غير المعروف».
ومع تزايد عدد الجرحى القادمين للعلاج وغموض الأسلحة التي أصيبوا بها، تمت مضاعفة عدد الأطباء في أقرب أكبر مستشفيين مصريين من الحدود مع غزة، وهما، إضافة لمستشفى العريش، مستشفى مبارك العسكري.
وقالت السلطات الطبية إنه تم تعزيز الأطقم الطبية في الأسبوعين الماضيين بـ 120 طبيبا واستشاريا متخصصا جاءوا من القاهرة، وعدد كبير من الممرضين والعمال وسيارات الإسعاف وطائرات الإسعاف المجهزة طبيا، والأدوية وأسطوانات الأوكسجين وغيرها.
ويعكف أطباء مصريون على حل لغز إصابة فلسطينيين بإصابات غامضة، غير معهودة، جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة بأسلحة يعتقد أنها محرمة دوليا، بعد وصول عشرات من أولئك الجرحى للمستشفيات المصرية في الأيام الأخيرة.
وبعد أن وَقَفَتْ على مشاهد لجراح الفلسطينيين غير القابلة للعلاج، اتخذت ليلى السيد الطليمي العاملة بمستشفى العريش منذ 25 سنة، ولديها ثلاث بنات يعملن في التمريض بذات المستشفى، جانبا، وأخذت تبكي، قائلة إن هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها الأطباء وهم يقولون إنهم لا يعرفون ما هو العلاج لجريح يصرخ من الألم طوال النهار والليل حتى يفقد الوعي.
وبعد عجز مستشفى الشفاء، أكبر مستشفى في قطاع غزة، في علاجه من تهتك في البطن، وصل لمستشفى العريش الشاب الفلسطيني خضر سلطان، وقال مسؤولو المستشفى إنه يجري معالجة سلطان من تفجر في شرايينه وتهتك في أوردته، إضافة لمحاولات لعلاج طفل يبلغ من العمر 11 عاما من إصابات مماثلة ضمن الجرحى الفلسطينيين بمستشفى مبارك العسكري.
ولم تعلن إسرائيل بشكل كامل عن أنواع الأسلحة التي تستخدمها في حربها ضد قطاع غزة، والتي من الممكن أن تكون السبب في الأنواع الغريبة والخطيرة من الإصابات التي لا يستطيع الأطباء السيطرة عليها.
وفي مستشفى بنها الدولي للأطفال بدلتا مصر، يعكف الدكتور محمد ناصف، وزملاؤه، على دراسة نوع الإصابة التي تعرض لها طفل فلسطيني يقومون بعلاجه، يدعى صهيب محمد طلال سلمان، وأشار ناصف إلى أن هناك مؤشرات على وجود أمر غير طبيعي في جسد الطفل البالغ من العمر 14 شهرا.

الخميس، 15 يناير 2009

فتوى حول أنفاق غزة

فتوى حول أنفاق غزة

أنفاق غزة الملاذ الأخير للفلسطينيين لمواجهة الحصار

ما حكم هدم الأنفاق التي يتم تهريب الذخائر والأسلحة والغذاء والحاجات الأساسية للمجاهدين في غزة من خلالها؟ وما حكم من يشارك في الدلالة على الأنفاق أو في هدمها؟!

* يجيب عن السؤال فضيلة الشيخ/ د. عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث بجامعة الأزهر الشريف:
الجهاد في سبيل الله أشرف الأعمال وأفضلها، وقد فضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا؛ درجاتٍ منه ومغفرةً ورحمةً، وقد دعا الله إليه بالمال والنفس واللسان، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ".

وقد حضَّ الإسلام على مساعدة المجاهدين بالمال وإمدادهم بالسلاح، وعدَّ من يفعل ذلك مشاركًا للمجاهد في عمله، حاصلاً على مثل أجره؛ فأخرج البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا"، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ"، وفي رواية للبيهقي "وَالْمُمِدَّ بِهِ"، فسوَّى النبي صلى الله عليه وسلم بين صانع السلاح والمجاهد الذي يرمي به، وبين الذي يناوله للمجاهد أو يدفع ثمنه له.

فإذا تعرَّض المسلم والمجاهد للظلم واعتداء الأعداء؛ وجب على كل مسلم إعانته بما استطاع، ولا يحلُّ للمسلم أن يخذل أخاه إذا طلب نصرته ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: 72)، وأخرج البخاري ومسلم عَنْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

ومن ثم فإن أيَّ مسلم يتخلَّى عن هذا الواجب ويُسلم إخوانه لأعدائهم أو يتوقف عن تفريج كربتهم ومساعدتهم في شدتهم- فضلاً عن أن يضرَّ بهم أو أن يعين عليهم عدوَّهم- فهو آثم آثم آثم.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من يخذل أخاه في مثل هذا الموطن؛ فأخرج أبو داود والبيهقي وغيرهما عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الأنصاريِّ قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ".

وبناءً على ما سبق يكون هدم تلك الأنفاق التي يستعين بها المجاهدون في توفير حاجتهم من العتاد والسلاح وغيره من الأمور المحرمة تحريمًا قاطعًا، وقد أخرج الترمذي وحسَّنه عَنْ أَبِي صِرْمَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ"، وأخرج الترمذي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ".

وتشتد الحرمة حين يقع هذا في وقت الحرب كما هو حاصل الآن في غزة، ولا يجوز لمسلم أن يشارك في هذا الأمر، أو أن يدل على وجود مثل تلك الأنفاق، ولا عذر لمسلم في هذا الأمر كائنًا من كان، وأيًّا ما كانت التهديدات التي يتعرض لها، حتى لو أمَرَت بذلك السلطة والحكومة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا خيرَ في الأمة إذا لم يؤخذ فيها للمظلوم حقه، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو المجاهد الذي يدافع عن الأمة، أخرج البيهقي عن بُرَيْدَةَ بنْ الحصيب رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَعْجَبُ شَيءٍٍ رَأَيْتَ؟" قَالَ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ مِنْ طَعَامٍ، فَمَرَّ فَارِسٌ يَرْكُضُ فَأَذْرَاهُ فَجَعَلَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا وَقَالَتْ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ! فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا: "لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ"، أَوْ: "كَيْفَ قُدِّسَتْ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ".

فإذا كانت الأمة التي تقف سلبيةً أمام مثل هذا الظلم الفردي يكتب الله لها الهلكة؛ فكيف إذا تعاون بعض أفراد الأمة على بعض، ومنع بعضها السلاح عن بعض؟!

إن هدم الأنفاق المذكورة أو الدلالة عليها يُعَدُّ من الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يجوز لمسلم كائنًا من كان أن يشارك في ذلك، والله أعلم.

الأحد، 11 يناير 2009

ظاهرة الشهادة والاستشهاديين



د. عبد الرحمن البر


يتعجب كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني من تلك الروح العجيبة التي تملأ قلوب المجاهدين، ومن تلك الهمم العالية التي يتمتع بها المجاهدون الاستشهاديون، الذين ينطلقون في سبيل الله لا يوقفهم ترهيبٌ ولا ترغيبٌ ولا يشغلهم زخرفٌ ولا متاعٌ، ولا تشدهم إلى الأرض أيةُ غرائز أو شهوات.

إن هذه الصورة الأكمل والأعظم من صور الجهاد بالنفس وذلك السلاح العظيم الذي غيَّر ميزانَ القوى في المعركة مع الصهاينة المجرمين، قد شغلت المراقبين للأوضاع وباتوا يتساءلون عن سر ذلك السلاح الذي كشفه وجلاه أحمد ياسين وإخوانه وتلاميذه للدنيا، بعد أن كان قد طُوِي منذ زمن بعيد.

فهذا المجاهد يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه لا يكون إلا مرةً واحدةً، وأن أجلَ الله إذا جاء لا يُؤَخَّر، ولهذا لا يتردد عند الوَغَى، ولا تَهزه زخاتُ الرصاص ولا أزيزُ الطائرات ولا هديرُ المجنـزرات ولا جلبةُ الدبابات ولا رعودُ القاصفات، فإن كتب الله له الشهادة فقد فاز بإحدى الحسنيين وأعز الفضليتين.

إن تلك النماذج الرائعة من الرجال والنساء الذين يُقْدِمون على افتداء أمتهم بأرواحهم فيُحْدِثون في أعداء الله أشد أنواع النكاية والإثخان لهم دليلٌ واضحٌ على ما تفعله العقيدةُ الحيةُ بالنفوس، ويرحم الله الإمام الشهيد بإذن الله حسن البنا الذي قال: "أيها الإخوان، إن الأمة التي تحسن صناعةَ الموت، وتعرف كيف تموت الموتةَ الشريفةَ؛ يَهَب الله لها الحياةَ العزيزةَ في الدنيا، والنعيمَ الخالدَ في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حبُّ الدنيا وكراهية الموت، فأعِدُّوا أنفسَكم لعملٍ عظيم، واحرصوا على الموت تُوهَب لكم الحياة".

لقد بعث هؤلاء المجاهدون الاستشهاديون في الأمة معاني كثيرة كان النسيانُ وطولُ الأمد قد طواها، وانتهض بناء الأمة على جثث أولئك الشهداء يسمق ويتطاول عزةً وإباءً وعزماً ومضاءً، حتى يبلغ غايته إن شاء الله.

فلماذا يتحمل هؤلاء الشباب كل هذه المهمة الثقيلة برضا نفس وعن طيب خاطر؟ هذا ما تجيب عنه الآيات الكريمة والأحاديث العظيمة في هذه الحلقات من الحديث عن الشهادة في سبيل الله.

فضل الشهادة وسر اندفاع المجاهدين إليها
أ- الشهادة هي الحياة الحقيقية:
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)﴾ (البقرة) وقال عز من قائل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)﴾ (آل عمران).

إن الشهادة في سبيل الله هي الحياة حقًّا، بها يغلب الإنسان غريزة حب البقاء وطول الأمل وإرادة الخلود التي أغرى بها الشيطان آدم عليه السلام؛ ليستنـزله من الدرجة الرفيعة والدار العالية البهية التي بوَّأه الله إياها، حين قال له: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (طه: من الآية 120) فقد أوهم إبليس آدم وزوجه، فأطمعهما أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، ويبقيا خالديْن بلا موت.

نعم إن الشهيد هو الذي قهر تلك الإرادة، ورضي بحياة حقيقية في جوار الله، دفع في مقابلها روحه وماله، فقبل الله البضاعة وقدَّم لصاحبها ذلك الثمن النفيس الفردوس الأعلى فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

قال العلماء في تفسير هذه الآية: لا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسنَ ولا أبلغَ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد، عاقدُه: رب العزة، وثمنُه: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومكان التسليم: أرضُ المعركة، وإليه الإشارة بقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "... وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ولم يجعل اللهُ المعقودَ عليه كونَهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعله مُسجَّلاً في الكتب السماوية، وناهيك به من صدقه! وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده! تنسيئُه سبحانه (أي ما أخَّره من الوعد) أقوى من نقد غيره! وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم.

إن الشهيد يقدم روحه فداء لدينه، وعزة لأمته، فيموت عزيزًا لتحيا أمته عزيزة، ويبقى دينه خالدًا مرفوعًا، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولهذا استحق هذا الشهيد بجدارة أن يكتب الله له الحياة السعيدة.

لأجل هذا يتسابق العقلاء المخلصون في طلب الشهادة، وهم يعلمون معناها ويدركون أين يطلبونها، فيسعون إلى الجهاد غير هيابين ولا مترددين، فقد صحح ابن حبان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: "أَنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ، وَيُهْرَاقَ دَمُكَ".

وصحح ابن حبان أيضًا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضلَ ما تُؤْتي عبادَك الصالحين، فلما قضى النبي- صلى الله عليه وسلم- الصلاة قال: "مَن المُتَكَلِّمُ آنِفاً؟" قال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: "إِذاً يُعْقَرُ جَوَادَُُك، وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى".

هذا هو السبيل لتحصيل أفضل ما أعطى الله عباده الصالحين، أن يموتوا ليحيا دينهم، ويستشهدوا لتعز أممهم.

ب- الأنبياء يفضلون الشهداء بدرجة النبوة فقط:
نعم تلك هي درجة الشهداء المخلصين، التي تلي درجة الأنبياء مباشرة، فقد صحح ابن حبان عن عتبة بن عبد السلمي وكان من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:
"القَتْلَى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَلِكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ، فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، وَلا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلاّ بِفَضْلِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ.

وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِه وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَتِلْكَ مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ؛ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.

وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفَاقَ".

الله الله! ما أكرمها منزلة! وما أرفعها درجة! ولم لا وقد أقدم حين أحجم المترددون، وجاهد حين قعد المخلفون، وباع روحه لله حين أمسك الجبناء والمخذولون.

ج- الله تعالى يعجب من همة الشهيد:
أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "عَجِبَ رَبُّنَا عز وجل مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ أَهْلِهِ وَحِبِّهِ، فَيَقُولُ رَبُّنا: أَيَا مَلائِكَتِي، انْظِرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، ومِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الفِرَارِ وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ".

د- النبي- صلى الله عليه وسلم- يتمنى الشهادة:
بلغ من رفعة الشهادة أن أفضل الخلق- صلى الله عليه وسلم- كان يتمناها، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ؛ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ".

هـ- الشهيد يتمنى أن تتكرر شهادته:
حين يرى الشهيد كرامته عند الله وما أعد الله له من الدرجات العالية، يدرك أنه اشترى غاليًا برخيص، وباع خسيسًا بنفيس، فيتمنى أن يُعاد إلى الدنيا؛ ليكرر عمله العظيم وجهاده الرائع، لولا أن الحق قد سبقت كلمته أنهم إليها لا يرجعون، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

وفي رواية عند البخاري وابن حبان: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ".

وفي رواية عند ابن حبان: "مَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَحَدٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ عَشْرَةُ أَمْثَالِهَا إِلاَّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْفَضْلِ".

وأخرج الضياء في المختارة بسند حسن عن عبادة بن الصامت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ وَلَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَإِنَّ لَهَا الدُّنْيَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

و- الشهداء يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم:
يقول الله تبارك وتعالى ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، إن من أعظم علامات الإيمان الصادق والأخوة الوثيقة التي تربط الشهداء الذين سبقوا إلى الله بإخوانهم الذين ينتظرون: أن الشهداء يرغبون في أن يعرف إخوانهم ما نزلوا فيه من الخير، وما آلوا إليه من النعيم المقيم؛ ليجتهد الخامل وينشط الكسول ويخف الثقيل، ولتتحرك الأشواق إلى لقاء الحنان المنان جل وعلا في صحبة الأنبياء والصديقين، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بَعَثَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ- صلى الله عليه وسلم-.

وأخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ".

إن المؤمن المجاهد لا ينسى في غَمْرَةِ فرحه بالجنة ونعيمها إخوانَه الذين ساروا معه على الدرب، ويرجو أن يُعَرِّفَهم ما سِيقَ إليه من الخير الذي ينتظرهم؛ ليخِفُّوا للجهاد والاستشهاد، ومن قبل ذلك قال الرجل الصالح الذي دعا قومَه لإتباع الرسل فأبَوْا عليه وقتلوه، حين نزل في مقعد الصدق وقيل له ﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس).

وفي المقال القادم أسوق إليك أيها الأخ الكريم عشرًا من ثمرات الشهادة، وكرامات الشهيد عند ربه، من فيض ما ذكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حديثه، لتعرف سر اندفاع أصحاب الهمم العالية نحو الشهادة، وأسأل الله العظيم أن يرزقنا إياها، ويجعلنا من أهلها.

الكرامات العشر للشهيد في سبيل الله
مما يدفع المجاهدين إلى طلب الشهادة علمُهم بما أعدَّ الله للشهيد من الخير والكرامة في الدنيا والآخرة، بحيث لا يجد المؤمنُ بوعد الله مفرًّا من القبول بالصفقة الربانية الرابحة التي عرضها الله تبارك وتعالى في قوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ (الصف).

وهاك عشرًا من الكرامات التي أعدها الله للشهيد:
1- تخفيف ألم القتل على الشهيد:
فمن رحمة الله بهذا العبد المخلص المجاهد أن يُهَوِّن عليه الألم فلا يجد ألمًا لما يصيبه من القتل، إلا شيئًا يسيرًا: فقد أخرج الضياء المقدسي في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عَضَّةُ نَمْلَةٍ أَشَدُّ عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ مَسِّ السِّلاحِ، بَلْ هُوَ (أي القتل بالسلاح) أَشْهَى عِنْدَهُ مِنْ شَرَابٍ بَارِدٍ لَذِيذٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ".

وأخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مَسَّ الْقَتْلِ إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ الْقَرْصَةِ".

فسبحان من يرحم أولياءه ويعطف على أهل كرامته!.
2- تجب له الجنة بمجرد الشهادة:
كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

بل هو في الدرجات العلا من الجنة، فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".

على أن بعض الروايات تذكر أن حارثة لم يكن قتل يوم بدر في قتال، بل انطلق ينظر ما صنع القوم، فأصابه ذلك السهم الغرب، فقد أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن أنس قال: انْطَلَقَ حَارِثَةُ ابْنُ عَمَّتِي يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- غُلامًا نَظَّارًا، مَا انْطَلَقَ لِلْقِتَالِ، قَالَ: فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّهُ عَمَّتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي حَارِثَةُ إِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِلاَّ فَسَيَرَى اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ حَارِثَةَ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى".

فإن كان حارثة في الفردوس الأعلى مع ذلك، فما ظنك بمن خرج مقاتلاً، ولقي العدو مقبلاً غير مدبر‍؟

3- يُغْفَر للشهيد مع أول قطرةٍ من دمه ذنوبُه كلُّها إلا الدَّيْن:
من كرامة الشهيد على ربه أن يغفر الله ذنوبَه وخطاياه كلها إلا الدَّيْن- لأنه حق العباد- مع أول قطرة من دمه الزكي الطاهر، فقد صحح الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْن".

كما صحح عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُهْرَاقُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ".

وأخرج النسائي وصححه ابن حبان عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّى خَطَايَايَ؟َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ". فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "كَيْفَ قُلْتَ؟". فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ إِلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ".

4- يُزوَّج من الحور العين قبل أن تجف دماؤه:
إن الذي ترك زينة الدنيا، وأعرض عن مصاحبة وملاعبة الغيد الحسان من أهلها؛ طمعًا فيما عند الله، ورغبةً في إعلاء كلمة الله لحقيق بهذه الكرامة الإلهية والمنحة الربانية، فلا يكاد دمه يسيل حتى يكون قد زُفَّ إلى الحور العين، فقد أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ذُكِرَ الشُّهَدَاءُ عِنْدَ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "لاَ تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ (يعني مرضعتين) أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنَ الأَرْضِ، وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وكم من شهيدٍ أخلص نيَّتَه وصدق في طلبه، فأُري في منامه الحورَ الحسانَ تستعجلن مقدمه في شوقٍ ولهفٍ.

5- تظلله الملائكة بأجنحتها:
الشهيد المبارك الذي استرخص روحه في سبيل الله، وهانت عليه الدنيا بزخرفها جدير بأن تحتفي به الملائكة، فتظلله حتى يُرفع من موضع استشهاده، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَمَّا قُتِلَ أَبِي (يعني في غزوة أُحُد) جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: "تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ، مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ".

6- يُحفظ من فتنة القبر:
فتنة القبر وسؤال الملكين فيه هو أشد ما يلقى الإنسان عقب موته، حتى كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من فتنة القبر، ويحض على التعوذ بالله منها، لكن الشهيد الذي صبر للسيوف اللامعة والرصاص القاتل والصواريخ المدمرة وهو يرى الموت يحصد النفوس ويقطع الرؤوس، يجعل الله ما رأى وعاين من تلك الشدائد في الميدان وعند الموت حظَّه من تلك الفتنة، وينجيه منها، فينجو من هول المطلع وشدة السؤال، فقد صحح الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَقِيَ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ".

وأخرج النسائي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".

7- يكلمه ربه كفاحًا أي مواجهة بلا واسطة:
كيف لا، وقد باع لله نفسَه! واسترخص في سبيل الله روحَه! وآثَرَ ما عند الله على الدنيا وما فيها! فقد أخرج الترمذي وحسَّنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ: "أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟". قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يُرْجَعُونَ" قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران).

يا بشرى تلك العين الكريمة التي تلذذت بالنظر إلى وجه الله الكريم! وتلك الأذن العظيمة التي تلذذت بهذا الخطاب الرحيم! وذلك اللسان الطيب الذي خاطب العلي الأعلى جل وعلا! ولئن كان ذلك عقب استشهاده ونحن في الدنيا، فما ظنك بكرامة ذلك الشهيد على الله يوم لقائه والعرض عليه؟.

8- تطير روحه في الجنة وتَعْلُق بأغصانها حيث شاءت:
ألا ما أكرم الشهيد على ربه، وما أرفع منزلته عنده! إذ تُحَلِّقُ روحُه في رياض الجنة وتسرح فيها حيث شاءت، حتى ترده إلى جسدها يوم القيامة، فتنال الجائزة الكبرى والفوز العظيم، وقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

وأخرج أبو داود وصححه ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".

وأخرج مسلم عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (يعني ابن مسعود رضي الله عنه) عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران). قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ (يعني سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاَعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".

9- يُبْعَث الشهيدُ يوم القيامة وريحُ دمه ريحُ المسك:
إن هذا الدمَ الزكيَّ النفيس الذي أهريق في ذات الله لهو أنفس وأغلى ما يُبذَل، ولئن كان الموتى تتغير روائحُهم وروائحُ دمائهم فإن الشهداء سيُعْرَفون بين الناس يوم القيامة حين يُبْعَثون بدمائهم، اللونُ لونُ الدم والريحُ ريحُ المسك، وتلك آيةٌ لهم خاصة، حتى يعرف الأشهادُ كرامةَ الشهداء عند الله، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ".

وصحح ابن حبان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ، وَمَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ".

وفي رواية عند ابن حبان أيضًا: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحُهُ كِرِيحِ المِسْكِ، لَوْنُهُ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ مُخْلِصًا أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ".

ولذلك أُمر بأن يُزَمَّل الشهيد في دمه، ولا يُمْسَح عنه الدم، حتى يخرج به آية يوم القيامة، فقد أخرج الترمذي وحسَّنه، وصححه ابن حبان عن عبد الله بن ثعلبة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لِقَتْلَى أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ".

10- هو أول من يدخل الجنة مع الأولين:
حُق للشهيد وقد باع لله روحه، وأسلم لله نفسه، ولم يبخل بحياته في سبيل دينه أن يكون من أول الداخلين إلى الجنة، بل أن ينزل في الجنة في أحسن دورها وأعلى قصورها، فأخرج الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ".

وصحح ابن حبان عن سَمُرَة بن جُنْدب قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الغداة (يعني الفجر) أقبل علينا بوجهه، فقال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟" فَسَأَلَنا يَوْمًا، ثم قال: "أُرِيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ فَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنََ مِنْهَا، فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".

فهل أدرك المتعجبون بعض أسرار اندفاع المجاهدين المخلصين لنيل الشهادة وسر تسابقهم إلى الفوز بها؟ هنيئًا للشهداء تلكم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، والله نسأل أن يبلغنا منازلهم.

كرامة الشهيد في أهله وماله
مما لفت نظر كثير من الناس: هذا الاحتضانُ العجيبُ من قِبَل الشعب الفلسطيني للاستشهاديين، وخصوصًا أولئك الآباء والأمهات الذين يفرحون باستشهاد آبائهم وبناتهم، ويستقبلون التهاني بالشهادة كأنها عرس لذويهم، فقد سمعنا السيدة أم نضال أم الاستشهاديين محمد ونضال وياسر فرحات تقول: "كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلاً يمكن أن يسير في طريق الجهاد".

ثم تقول لابنها محمد وهي تودعه ليفجر نفسه في الصهاينة وقد غلبها البكاء: "إياك أن تصدق دموعي؛ فإنها دموع أمّ تزفُّ ابنَها إلى الحور العين فأطعْ ربك، وجاهدْ، واثبتْ حتى تلقى ربك".

ثم توجِّه تلك السيدةُ العظيمةُ نساء الأمة، فتقول: "من يحب الله والوطن فلا يتوانى عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تُشْمِت الأعداءَ بشعبنا بدموعها على شاشات التلفزة". هذا هو نموذج الأم المسلمة التي تصنع أولئك الاستشهاديين، إنها أم تملك قلبَ الأم المحبة لأولادها، ولكن حبها لدينها وربها أعظم من حبها لبنيها، وإن قيمة الوطن عندها أغلى من أولادها وفلذات كبدها.

ولا يزال مثل هذا الموقف من أهالي الشهداء يثير إعجاب البعض وعجب البعض، ويحار الكثيرون في تفسير هذه الحالة الإيمانية العجيبة.

وفي هذا المقال الذي أختم به هذه المقالات أشير إلى ما يلحق أهالي الشهداء من ورائهم، وما يحصل من بركة في أموالهم، فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، ويبارك الله في ماله ونسله ويجعل عاقبة أمره كلها خير، فقد أخرج ابن حبان عن نمران بن عتبة الذماري (وكان أبوه قد استشهد في سبيل الله) قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام صغار، فمسحت رؤوسنا وقالت: أَبْشِرُوا يَا بَنِيَّ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا فِي شَفَاعَةِ أَبِيكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ".

ومسك ختام هذه الباقة ما أورده الإمام البخاري في صحيحه بعنوان (باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًَا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر)، حيث أخرج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لا أُرَانِي إِلا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي.

وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ- يَعْنِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ، وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلايَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ، حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ.

فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِلا أَرَضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ وَدَارًا بِالْكُوفَةِ وَدَارًا بِمِصْرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلا شَيْئًا، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ(1.200.000) قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنْ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي.

قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ (1.600.000) ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً (يعني يطلب أن يأخذ دينه جزءًا من الأرض) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ.

فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتْ الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ.

قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ".

أي أنه بعد سداد دين الشهيد الزبير رضي الله عنه أعطى الثلث الذي أوصى به لأبناء عبد الله، ثم قسم باقي الميراث على الورثة فكان نصيب المرأة الواحدة من نسائه الأربع مليونًا ومائتي ألف أي أن ثمن الباقي بعد الوصية بلغ أربعة ملايين وثمانمائة ألف، وكان جميع ماله خمسين مليونًا ومائتي ألف.

أرأيت هذه الكرامة العظيمة، وهذه البركة الكبيرة التي وضعها الله تبارك وتعالى في مال الغازي وفي تركته، وكيف سدد عنه دينه، وبارك لورثته فيما بقي من ماله، بعد أن ظنوا وظن غيرهم أن ماله أعجز من أن يقضي ديونه؟ وانظر إلى قول عبد الله بن الزبير: "فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ".
فما أكرم الشهيد على ربه!.

بشارات نبوية لعشاق الشهادة:
إليك أيها الأخ الحبيب هذه الجملة من البشارات والكرامات يزفها الحبيب- صلى الله عليه وسلم- إلى طالبي الشهادة وعاشقي الجنة، فقد أخرج الترمذي وصححه عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ".

نسأل الله أن يتقبل شهداءنا، وأن يختم لنا بشهادة صادقة يرضى بها عنا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-----------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

الجمعة، 9 يناير 2009

حدث في نيو يورك

فهمي هويدي
حين تستقبل السيدة كوندوليزا رايس أعضاء المجموعة الوزارية الذين أوفدتهم الجامعة العربية إلي مجلس الأمن، وتستثني أمين الجامعة العربية ووزير خارجية قطر، فإن الواقعة ينبغي أن تستوقفنا من أكثر من زاوية، ذلك أن تصرف الوزيرة الأمريكية لا يفتقد فقط إلي اللياقة والذوق السليم، ولكنه يعبر أيضًا عن درجة عالية من الاحتقار والازدراء. ولا أستبعد أن تكون تصريحات السيد عمرو موسي وكلمته التي افتتح بها مؤتمر وزراء الخارجية الأخير قد أثارت استياء السيدة رايس ومن لف لفها من الدوائر الصهيونية المهيمنة في الخارجية الأمريكية. كذلك لا أشك في أن واشنطن غير راضية عن السياسة القطرية في العالم العربي، خصوصًا تغطية قناة «الجزيرة» للمذبحة الجارية في غزة، التي قوبلت بحنق شديد من جانب السلطات الأمريكية والإسرائيلية، وكل أعوان إسرائيل حيثما وجدوا. لكن وجود مثل هذه الاختلافات يعد أمرًا مفهومًا في العلاقات الدبلوماسية، لا يؤدي بالضرورة إلي تخاصم الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن حنق السيدة رايس كان شديدًا لدرجة أنها اختارت أن تحرم الرجلين من «شرف» اللقاء معها، ولم تحتمل وجودهما ضمن الوفد الوزاري.أدري أن الإدارة الأمريكية لها موقفها التقليدي الرافض للاعتراف بالجامعة العربية، لأنها لا تريد أن تتعامل مع العرب كأمة واحدة في الأغلب لكي لا تخرج إسرائيل من نسيج المنطقة، وذلك يفسر وجود مكتب للجامعة في نيويورك يخاطب الأمم المتحدة وليس في واشنطن، حيث الإدارة الأمريكية. لكن ذلك لا يبرر رفض السيدة رايس استقبال السيد عمرو موسي، لأنه كان ضمن وفد قدم لمخاطبة مجلس الأمن وليس الحكومة الأمريكية.لا أعرف ما الذي قالته الوزيرة الأمريكية للوزراء العرب الذين التقوها، لكن أستطيع أن أتصور أنها عند الحد الأدني حدثتهم بلغتها التي استخدمتها في مجلس الأمن ونددت فيها بالعدوان الفلسطيني علي إسرائيل. ولا أستبعد أن تكون قد صارحتهم بأنهم يجب أن يطالبوا حركة حماس بوقف «عدوانها» أولاً، وأن «يؤدبوا جماعتهم» قبل أن يتوقعوا من المجتمع الدولي أن يصدر قرارًا لصالحهم. وإذا كانت السيدة رايس قد وقفت منهم موقف المعلم أو الموجه، فلن يكون ذلك مستغربًا، لأن إدارة الرئيس بوش اعتادت أن تأمر العرب ولا تشاورهم.هذه استنتاجات قد تخطئ وقد تصيب، لكن ما لا ينبغي إنكاره أن الوفد الوزاري العربي حين ذهب إلي نيويورك ملتمسًا قرارًا من مجلس الأمن، فإنه قدم إليها زاحفًا ورافعًا رايات العجز البيضاء، ذلك أن كل المشاركين في الوفد يعرفون حق المعرفة أن مجلس الأمن بالذات لن يقدم لهم شيئًا مما تمنوه، وأن السيطرة الأمريكية عليه ستجعله واقفًا في صف العدوان الإسرائيلي، وغير مستعد لقبول أي صيغة تتضمن إنصافًا للفلسطينيين، ومع ذلك ذهبوا لإيهامنا بأنهم يحاولون إنجاز شيء يخدم القضية، التي انفض بعضهم من حولها.السيدة رايس تعلم أن الوفد المرسل إلي نيويورك لجأ إلي مجلس الأمن هروبًا من اتخاذ موقف عربي مشرف، وتسويفًا في مسألة القمة التي اعترضت عليها بعض الدول العربية الكبيرة منذ اللحظة الأولي. هي أيضًا تعرف جيدًا أن بعض الذاهبين من الوزراء العرب يفضلون التنسيق و«التفاهم» مع الإدارة الأمريكية عن التنسيق مع بعض العواصم العربية. كما أن موقفهم من المقاومة ومن حماس لا يختلف عن موقف المحافظين الأمريكيين إلا في الدرجة فقط.لقد تواترت التقارير الصحفية التي تحدثت في الآونة الأخيرة عما يقوله القادة العرب لنظرائهم الغربيين والمبعوثين الإسرائيليين في الغرفات المغلقة، وكيف أنه يناقض ما يصدر عنهم أمام شاشات التليفزيون وفي التصريحات الرسمية. وأخشي أن تكون السيدة رايس قد واجهت الوزراء العرب في لقائها المغلق بما سبق أن سمعته منهم في لقاءات سابقة.ما أدهشني ليس استهتار السيدة رايس وازدراءها الوفد الوزاري العربي، ولكني استغربت حقًا ألا يحتج الوفد علي تصرفها، وأن يقبلوا دعوتها لهم بعدما علموا باستثناء اثنين من زملائهم من اللقاء، لكن يبدو أن الخذلان أصبح أحد عناوين المرحلة التي نمر بها، فإذا كانت الأنظمة العربية قد خذلت الفلسطينيين في غزة، فلا عجب أن يخذل بعض الوزراء العرب إخوانهم في الوفد.

غزة.. ألم ، أمل ، عمل د. صلاح سلطان

صلاح سلطان

في غزة ألم عميق، يبعث على أمل وثيق، ويحرك كل حر إلى عمل دقيق.
أولاً: غزة الألم:
* في غزة ألم من سيل الدماء، وتناثر أشلاء الأطفال والرجال والنساء، وهدم بالجملة للمساجد والمدارس والجامعات والمجالس التشريعية والمباني الإعلامية، والمؤسسات الإغاثية والاجتماعية، بمعنى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } [البقرة: 205].
* في الضفة فريق قليل من الخونة تسعدهم هذه الجراح، ويضحكون في أعماقهم طربا لهذا الصياح، ويتمنون بين عشية وضحاها أن يعودوا لغزة على دبابة إسرائيلية، وحراسة مزرية من دول صليبية وعربية.
* في فلسطين يمنع الشعب من التعبير عن رأيه، وتمنع الصلاة في المسجد الأقصى إلا لمن يجاوز الخمسين.
* في العالم العربي سُلطتان: سُلطة المجتمع وسُلطة الأنظمة، أما الأنظمة فتتابع وتراقب، وتدافع عن مواقفها المخزية أمام شعوبها العربية، وتبرر صمتها المريب عن نصرة إخوانهم في غزة، وتسمح بذرات الرمل في العيون بعلاج عشرات الحالات وزيارتهم، بمعنى ترك الضحية حتى يكون على شفير الموت، فإما أن نصلي عليه أو نعالجه إن أمكن ذلك، لكن الوقاية خير من العلاج ليست خيارا إستراتيجيا، وإعلان الحرب على الصهاينة أعداء الله ورسله والمسلمين والأخلاق والقيم بل أعداء الإنسانية، أمر مستبعد.
* أما سلطة المجتمع فغضب عارم، وألم حاد، وقلق شديد، وغيرة متدفقة، لكنها محجوبة عن التعبير عن كل غضبها، ولا يسمع لها، ولا يسمح أن تشارك بأغلبية في صناعة رؤية متقاربة لنصرة إخوة الدين والعقيدة والعروبة من هذا الطغيان الأمريكي الصهيوني.
* في العالم الغربي ترقب مشوب بالحذر من فشل متكرر لوليدتهم وصنيعتهم إسرائيل، فيكون المشروع الغربي كله معرضا لغضبة الشعوب، وتحدث الفجوة بين الشرق والغرب، وتغلق الأسواق الغربية، وتتراجع المكاسب المادية، فيذوقون من الفقر مثلما نذوق، ولذا تراهم يتابعون ويدعمون الكيان الصهيوني بكل قواهم.
غزة.. الأمل
( 1 ) بعد أكثر من أسبوع من القصف الصاروخي الحاد من قنابل ذكية وطائرات حربية، وذلك بعد حصار طويل لتفريغ القطاع من كل مقومات الحياة والقوة، ضرب رجال غزة من جميع القوى الإسلامية والوطنية بصواريخهم اليدوية عمق إسرائيل إلى ستين كيلومترا، وهرب وهرع المغتصبون الصهاينة إلى الشمال، وهو أمر لا يقدر عليه الصهاينة كما يصبر أهل قطاع غزة، ولا يقدرون أن يطول هذا الهروب الكبير، الذي اضطر رئيس حزب شاس الصهيوني أثناء عنترياته أن يسارع بالانبطاح أرضا تحت السيارة من الفزع من صوت صاروخ قسامي.
( 2 ) لا يزال الرجال والنساء والأطفال يستخفون بهذا القصف المتدفق، ويعلنون الصمود والمقاومة والدفاع المستميت، والالتفاف حول قيادتهم، وهي معنويات لا يملكها العدو الجبان الذي لولا طائراته لانتكس في الميدان كما انتكس في لبنان، ونتحدى أن يكون في الكيان الصهيوني رجل في قوة وشجاعة وثبات الشهيد الشيخ الدكتور نزار ريان.
( 3 ) مع بدايات الغزو البري، ومع حصاد يوم واحد هناك ستون قتيلا وجريحا، كما اعترف العدو الصهيوني ببسالة وقوة وجسارة المقاومة في مواجهة هذا الغزو البري البربري، والبقية تأتي إن شاء الله تعالى.
( 4 ) بدأت وجوه أولمرت وباراك وليفني تكفهر، وتبدو عليها آثار الإحباط، لكن اصطناع القوة لا يخفي شعورهم بالضعف والهزيمة أمام هذا الاستنكار العالمي، والصمود الفلسطيني.
( 5 ) الحشود والمظاهرات والاعتصامات المؤيدة لأهل غزة لم تخلُ منها بقعة على وجه الأرض في الشرق الإسلامي من جاكرتا إلى السودان، ومن باكستان إلى المغرب الذي خرجت منه مسيرة حاشدة قيل إنها ثلاثة ملايين لأول مرة، وفي تركيا خرجت مسيرة مليونية لحزب السعادة (حزب معارض)، وشهدت العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية مظاهرات لا مثيل لها، بل لم تخرج مسيرة حاشدة داخل الكيان الصهيوني كما خرجت هذه المسيرة (150 ألفا) من عرب 48؛ مما يؤكد أن الصورة الإعلامية والإنترنت قد ساهما في إسقاط ورق التوت عن الوجه الكالح للكيان الصهيوني.
( 6 ) صدق وقوة وثبات وتفاؤل خالد مشعل وهنية والزهار ونزَّال ومرزوق وحمدان و... تدهش الأعداء والأصدقاء، وتغيظ الظالمين، وترطب قلوب قوم مؤمنين، وتؤكد أن هذا القصف يعمق يقينهم بقوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } [آل عمران: 111]، وأنهم على يقين كامل من نصر الله لهم، وخذلانه لأعدائهم: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } [الحج: 60]، وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71].
( 7 ) لم يستطع الإعلام الإسرائيلي نشر حالة الفزع والرعب لدى القادة والشعب الصهيوني وحرم دخول مواقع هزائمهم التي تفضحهم، لكن الإعلام في قناة الأقصى -رغم تدمير المبنى- بقيت رسالته تبث قوية فتية صريحة واضحة، تخطف القلوب والعقول والأبصار، بل استطاعوا أن يقتحموا شفرة إذاعة الكيان الصهيوني، وخطوط الاتصال بين قادة الجيش البري والقناة الفضائية للعدو الصهيوني، وأن يبثوا أناشيدهم الحماسية وبياناتهم القوية.
( 8 ) يجب ألا ننسى من ذاكرة تاريخنا المعاصر أن الاتحاد السوفيتي قتل عشرين مليون مسلم لترسيخ مبادئه الملحدة، وقد قهر وزالت دولته أمام الجماعات والقبائل في أفغانستان بعد أن قتل 1.5 مليون منهم، خرج منهارا، بل انتهى الاتحاد السوفيتي كله.. وأن الصرب رغم قوة جيشهم وبشاعة ما فعلوه في أهل البوسنة العزل، إلا أنهم قهروهم وأقاموا دولة البوسنة والهرسك.. وأن جماعات الشيشان لم تهزم حتى الآن أمام قسوة الظلم الروسي.. وأن المقاومة العراقية والأفغانية لا تزال تمرغ أنف القوى الدولية، خاصة الأمريكية والبريطانية، في الرغام، وتكسر أنف الكبرياء بما يسمى القوى العظمى، وتبحث أمريكا بكل جدية عن مخرج من هذا المستنقع الذي دخلت فيه لتحفظ بعض ماء وجهها وغطرستها، ومن قريب لقنت المقاومة الباسلة في لبنان الصهاينة درسا لم ولن ينسى، وهذه كلها جماعات من المقاومة الوطنية الحرة هزمت دولا ذات قوة وسيادة، وأحسب أن شعب فلسطين أقوى هذه الشعوب المناضلة جميعا، وسيلقنون العدو الصهيوني أقسى الهزائم بإذن الله تعالى.
خطة عمل
على مستوى الأنظمة:
( 1 ) قطع جميع العلاقات مع الكيان الصهيوني ديانة وسياسة، فليس في الاستمرار إلا الانتحار، والمنتحر يتردى في نار جهنم، كما أن الانتحار السياسي لعنة تاريخية.
( 2 ) إعلان الجهاد وتهيئة الأمة له، والالتحام مع الشعوب الإسلامية التي ستتحول إلى سياج حقيقي قوي طويل المدى لحمايتكم إن تصدرتم الدفاع عن فلسطين، وتشرفتم بإنقاذ أهل غزة.
( 3 ) كسر الحصار عن أهل غزة، والتعامل مباشرة مع الخيار الديمقراطي الحر للشعب الفلسطيني.
( 4 ) تكريس إعلامي ضد المشروع الصهيوني، وأنه العدو الأول والإستراتيجي، وعدم الدخول في أية معارك جانبية دونه، بما سيؤدي إلى لمِّ الشمل العربي.
على مستوى الشعوب:
( 5 ) الاستمرار في إعلان الغضب بطريقة سلمية حضارية على الظلم الصهيوني والصمت العربي، وإعلان كامل التأييد والمناصرة للمقاومة، من خلال المسيرات والمظاهرات والمؤتمرات والمهرجانات، و... دون تحويل ذلك إلى مساجلات ضد الأنظمة أو الاتجاهات، ودون تدمير أو تخريب؛ لأن الله لا يحب الفساد.
( 6 ) الضغط على الأنظمة بالاعتصام، بل العصيان المدني إن اقتضى الأمر، حتى تُعَدِّل الأنظمة مواقفها بما يتوافق مع الواجب الإسلامي والعربي والإنساني نحو أهلنا في غزة.
( 7 ) الصيام والقيام والدعاء والقنوت بتضرع إلى رب الأرض والسماء أن يجعل كيد الصهاينة ومن عاونهم يرتد عليهم، وأن يربط على قلوب إخواننا في غزة.
( 8 ) التبرع السخي الندي من الزكوات وأصل المال، فالواجب هو التبرع حتى يكتفي أهل غزة، وأن نشارك في الضغط حتى تصل هذه الأموال إليهم.
( 9 ) المقاطعة الاقتصادية للسلع الإسرائيلية والأمريكية، والسعي في هذا بكل جدية، والاستمرار طويل المدى استجابة لنداء علماء أمتنا الإسلامية، إعذارا إلى الله من إثم المشاركة في دعم الآلة الصهيونية والقوة الأمريكية؛ باقتطاع جزء من أرباح السلع لتمويل عملياتهم الإرهابية، وبيان أن ذلك من الحرام لغيره، كما اتفق العلماء على عدم جواز شراء أية سلعة من سارق أو مغتصب حتى لا يساعد على سرقته، ولا شك أن اغتصاب الأرض المقدسة وحصار الشعب الأبي وقتل الأبرياء أفحش في الإثم وأوسع في الوزر.
( 10 ) إعادة دراسة من هم بنو إسرائيل في خمسين سورة في القرآن الكريم، والنصوص الصحيحة الصريحة والسنة والنبوية المتواترة في خصائص هؤلاء الإسرائيليين وتاريخ مكرهم وخداعهم والتوائهم ونزقهم وتكذيبهم وفسادهم وكفرهم وقتلهم وظلمهم؛ حتى لا تغطي مقالات المخدوعين على عقل المسلم أو المسلمة، وتزيح حقائق النصوص الشرعية التي صدرت ممن قال عن نفسه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]، وليكن تحليل الأحداث وتوقعها والحلول صادرة من صريح القرآن وصحيح السنة وهو: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ} [الأنفال: 60]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 14، 15].
وأخص بالدراسة في هذه الأزمة سور: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والإسراء، والشعراء، والقصص، ومحمد، والصف.. ومن السيرة النبوية كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم بني قريظة، ثم أهل خيبر، وجميعهم كانوا يتصفون بصفة واحدة هي الغدر، وليس جزاء الغادر إلا: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]، وشرح هذه النصوص والمواقف النبوية لأطفالنا بطريقة سهلة وبسيطة وواضحة.
( 11 ) دراسة بروتوكولات حكماء "خبثاء" صهيون، وروايات نجيب الكيلاني (عمر يظهر في القدس)، و(دم لفطير صهيون)، و(معركة الوجود بين القرآن والتلمود) للشيخ عبد الستار فتح الله سعيد، وموسوعة د.عبد الوهاب المسيري، وغيرهم من الكُتَّاب الذين فضحوا مخططاتهم ونزواتهم، وتعطشهم للدماء والسفك والتخريب.
( 12 ) كتابة مقالات للرد على شبهات عديدة أهمها:
(أ) أن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين، وهو تجرد وتهرب من الواجب الإسلامي والعربي، بل الإنساني.
(ب) أن الفلسطينيين أضعفوا أنفسهم بالانقسام الداخلي؛ مع عدم التفريق بين من أشعلوا الفتنة من العملاء الذين ضحوا بالوطن والأهل والعشيرة، ومن ضحوا بأنفسهم وأولادهم وأموالهم من أجل وطنهم وبلدهم.
(ج) التشكيك في شرعية حماس، وتناسوا أنها السلطة المنتخبة، وأن الانقلاب جاء من عملاء الصهاينة والأمريكان ضد شرعيتها، وأنها ليست هي السبب وراء هذا الهجوم، بل لو جاء مناضلون ملحدون لقاتلهم الصهاينة كما قتلوا الأنبياء.
(‌د) أن صواريخ القسام ليست مجدية، وضررها أكبر من نفعها، مع نسيان أن صواريخ القسام لم تضرب دولة صاحبة أرض، بل كيانا محتلا مغتصبا، وجهادهم شرعا فرض عين حتى لا يستقر محتل على أرضنا ويتحرر كل شبر من فلسطين المقدسة.
(هـ) أنه يجب قبول التهدئة الطويلة، وقد حدثت اتفاقات تهدئة مرارا، فهل احترم الصهاينة مرة واحدة أي اتفاق في الماضي أو الحاضر؟! ألا نثق بقوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56].
(‌و) أن إسرائيل وراءها أمريكا، ومن يحاربها يحارب أمريكا وهو ما لا طاقة لنا به، ونسوا أن أهل غزة وفلسطين وراءهم ربنا تعالى بحوله وطوله، وقوته وجبروته، فهو القائل عن نفسه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:18]، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:21]، و}إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ { [البروج:12 -16]، و}نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{ [الأنفال: 40].
(‌ز) أن الصف العربي ممزق، ولن يقدر أهل غزة على مواجهة عدوهم وحدهم، ونسوا قوله تعالى: } كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ {[البقرة: 249]، وقوله تعالى: } وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ [آل عمران: 123]،، وقوله تعالى: } وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{ [الروم: 47].
وقول العرب: "إن البعوضة تدمي مقلة الأسد"،و"بين النصر والهزيمة صبر ساعة"، وهزيمة الصهاينة في لبنان لم يجف مدادها، ولم يفيقوا من آثارها، وفشلهم في قمع الانتفاضة 21 عاما مع توعدهم في مهدها بأنها لن تستغرق أكثر من أسبوعين، وتوالى أربعة رؤساء على أمريكا ولم يستطيعوا جميعهم أن يحققوا شيئا سوى الفشل الذريع.
(س) أن الاتفاقات الدولية تلزمنا عدم فتح معبر رفح، وهي أكذوبة كبرى لتبرير خنق قطاع غزة والمشاركة الفعلية في قتل وإنهاك إخواننا في فلسطين، وبيان أن الواجب الشرعي أولا، وحق الجوار ثانيا، والإنساني ثالثا، وأخيرا يلزم القانون الدولي فتح المعابر للمنكوبين من ضحايا الحرب.
( 13 ) بث روح الأمل واليقين في النصر، وإرسال رسائل تأييد وتقوية لظهر إخواننا في غزة عبر القنوات الفضائية والرسائل الإلكترونية والهاتفية، والإعلانات في الشوارع والطرق، وبطاقات التهنئة لا التعازي في الشهداء فهم بإذن الله: }أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ{ [آل عمران: 169-170].
( 14 ) اعتماد سياسة "قليل دائم خير من كثير منقطع"، و"خير الأعمال ما قل ودل"، فالحرب طويلة، والمعركة ستستمر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذه تحتاج إلى خطوات جادة نحو إصلاح النفس بكل الوسائل التربوية الصحيحة، وإصلاح المجتمع دعويا في كل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية والسياسية حتى نستحق العناية الربانية، وننتقل من القلة المستضعفة إلى الكثرة المحاورة ثم القوة العادلة، كما تدرج أصحاب الحق في سورة الكهف من الاستضعاف مع أهل الكهف إلى الحوار مع الصاحبين ومنهما إلى التمكين في قصة ذي القرنين.
( 15 ) ضرورة السعي الحثيث لجمع الصف وتقريب الهوة بين الجماعات والجمعيات والمذاهب الإسلامية، كما التقى سيدنا موسى والخضر (مجمع البحرين) وافترقا على حب وإعذار وعمل لله تعالى، وهي خطوة لا مناص منها قبل التمكين، كما جاء موضعها في سورة الكهف.
( 16 ) جعل قضية فلسطين وتحرير الأقصى ومساندة شعب فلسطين أول الأولويات التي تلتقي عليها كل التيارات الإسلامية المخلصة، على مستوى كل فرد منا، وأسرة وجماعة وجمعية، ووطن وأمة، حتى لا يظن العدو أن خطته في القضاء على المقاومة، وتشريد شعب فلسطين سوف ينهي القضية، بل يجب أن يعلم عين اليقين أن أبناء الأمة كلها فداء للأقصى والقدس وفلسطين وأبنائها الأحرار، وأن العمق الإستراتيجي لأبناء غزة هو كل شبر ومسلم على وجه الأرض.
( 17 ) إثراء الحوار مع الأسرة في البيت، والأصدقاء في العمل، ومجالس العائلات أو الديوانيات أو الندوات والمؤتمرات والمحاضرات في فاعلياتنا الاجتماعية والثقافية عن إسلامية وعدالة القضية الفلسطينية، وتاريخ الظلم الصهيوني لنفسه وللفلسطينيين وللعرب وللمسلمين، بل للعالم كله خاصة بريطانيا أولا، وأمريكا آخرا، وبث روح الأمل والعمل في النصر، وانتزاع اليأس والكسل، مع ضرورة غرس ذلك في أطفالنا وشبابنا منذ نعومة أظفارهم، على الأقل كما يزرع الصهاينة عداءنا في أطفالهم.
وأختم بهذه القصة التي حدثت عام 1997م عندما أكرمنا الله بجمع كل المسلمين من كل التيارات والجماعات والمراكز والجنسيات، والبيض والسود، لنصلي العيد معا في مدينة بروكلين - نيويورك، وكان العدد داخل المبنى 25 ألفا وخارجه 15 ألفا، وجاء عمدة نيويورك وزوجته لتهنئتنا بالعيد، فشكرناه، ثم قلت له: "إن سياسة أمريكا تزعج كل مسلم من مساندتها المفتوحة المفضوحة للكيان الصهيوني؛ لأن المسجد الأقصى عند كل متدين أهم من بيته الذي يسكن فيه"، ففزع الرجل، لكني أصررت على تأكيدها.
فكيف إذا علمنا أن حرمة المسلم في غزة أو غيرها أشد عند الله من حرمة الكعبة بيت الله الحرام؟!.. {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61].
عضو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

وصمدت المقاومة

عبد الستار قاسم
منذ البدء، كتبت في مقالي المعنون "معركة غزة" أن المقاومة ستصمد، وهذا هو الإنجاز. هناك من تحداني كتابة وشفاهة، وقال بأن غزة عبارة عن لقمة سهلة البلع، وإن "المشايخ" (يعني حماس والجهاد) لا يعرفون بالحروب. وهناك من استهزأ قائلا بأن أساتذة الجامعات يبنون صروحا من خيال، وغالبا تسيطر عليهم مصالحهم الشخصية. ردود الفعل ذاتها تلقيتها عندما توقعت عام 2006، وبعد بداية الحرب على حزب الله بثلاثة أيام، بأن حزب الله سينتصر، بمعنى أنه سيصمد، وستفشل إسرائيل في حملتها العسكرية. وقد وصفني أحد المحللين الأجانب في حينه بأنني أستاذ جامعي جاهل لا يعرف إسرائيل. هناك من يحسب الإنجاز العسكري أو الفشل بالخسائر التي يوقعها طرف بآخر. المعارك حقيقة لا تقاس بالخسائر وإنما بالنتائج. كل شعوب الأرض التي وقعت تحت الاستعمار أو الاحتلال وقعت بها خسائر كبيرة تفوق الخسائر التي تكبدتها قوة الاحتلال بمرات، لكن الشعوب انتصرت في النهاية. إسرائيل تقصف الآن وتقتل المدنيين وتهدم البيوت، لكن هذا لا يعني أنها تحقق انتصارا. انتصارها في هذه الحرب يعني القضاء على المقاومة، وإسقاط حماس وتغيير الوضع السياسي القائم في غزة. رأيت في اليوم الأول من الهجوم على غزة وجوها مبتهجة لقتل عدد كبير من أفراد الشرطة الفلسطينية، وسمعت تعليقات كثيرة في وسائل الإعلام من مستسلمين عرب تلقي اللوم على حماس، وتتوعد حماس بأيام سوداء تصنعها لها إسرائيل. وهناك من الدايتونيين (أتباع دايتون) من حزم حقائبه ليذهب إلى غزة مع قواته في اليوم التالي. إذا كنت تعرف الرياضيات والعلاقات الجدلية، يسهل عليك فهم الحاضر وتنبؤ المستقبل إلى حد لا بأس به. ودائما رأيي بأن الذي لا يعرف بالرياضيات ولا بالعلاقات المنطقية الجدلية بين الظواهر، ولا يستطيع الربط الجدلي بين السلوكيات المختلفة عليه أن يبتعد عن السياسة. الذي تنقصه هذه المعرفة لا يستطيع أن يكون سياسيا ناجحا، أو قائدا مظفرا، أو محللا مصيبا. ساسة اليوم في الوطن العربي لا علاقة لهم بالعلم، فكيف تكون لهم علاقة بالرياضيات والمنطق؟ وهذا شأن "محللين سياسيين" كثر. ظنت إسرائيل أن ضربتها الترويعية الأولى، والتي أظهرت قصورا لدى حماس، ستزعزع أركان المقاومين الفلسطينيين، والسيطرة على غزة ستكون بعد ذلك سهلة. امتصت المقاومة الضربة الأولى. فانتقلت إسرائيل إلى سياستها الحربية المعهودة وهي استعمال الطيران ضد ما يظن أنه أهداف عسكرية، ومن ثم ضرب المدنيين والأهداف المدنية لإركاع العسكريين، وما زالت حتى الآن تصب حممها على رؤوس اهل غزة. أخذت إسرائيل تتبع تكتيك جس النبض بعد أن تأكدت من خلال صواريخ أبعد مدى مما توقعت وذلك من أجل أن تعرف ماذا أعد الفلسطينيون للمواجهة. دخلت المناطق غير المأهولة في غزة، وحاولت دخول أطراف تجمعات سكانية. وواضح أن المقاومة الفلسطينية تصرفت بذكاء بحيث أنها لم تكشف عما تمتلكه من أسلحة دفعة واحدة. التكتيك الإسرائيلي فشل، والتكتيك الفلسطيني بقي متماسكا. هذا فضلا عما تلاقيه إسرائيل من هجمات إعلامية وسياسية بسبب مناظر الأطفال والبيوت المدمرة على رؤوس أصحابها. باتت إسرائيل متيقنة بأن المقاومة الفلسطينية قد دخلت مرحلة جديدة من التفكير العلمي والعمل المبرمج وفق أسس علمية، وأن ذلك الماضي الذي استند إلى الارتجالية والفهلوة قد مضى وانتهى؛ وأصبحت على يقين بأن قدراتها العسكرية الهائلة لم تبلغ خنادق المقاومين، ولا حتى منصات صواريخهم. ولهذا لم يعد هدف تغيير الوضع القائم في غزة قائما، وبدأت الأهداف تتقلص إلى أن وصل الأمر الآن إلى مراقبة الحدود مع مصر لمنع التهريب. إسرائيل ستستمر في ضربها لغزة لأيام أخر، وستحاول من جديد تحقيق ما عجزت عنه، ولكن لا يوجد أمامها إلا خيار واحد وهو دخول المدن بخاصة غزة وخان يونس ورفح. هل تجرؤ على ذلك؟ تقديري أنها ستحاول من جديد المس بأطراف المدن، لكنها ستكون على قدر كبير من الغباء إن دفعت بدباباتها إلى داخل التجمعات السكانية. إن فعلت، فستجد الفلسطينيين يخرجون لها من تحت الأرض، وسيشتبكون بقوة وشراسة مع قواتها. لكن هل من المحتمل أن تلجأ إسرائيل إلى أسلحة الدمار الشامل فتضرب غزة؟ في هذه المرحلة، من المستبعد أن تفعل ذلك. لكن إسرائيل تدرك الآن أن وضعها العسكري قد اهتز مرة ثالثة (مرتان أمام حزب الله)، وأن التطورات العسكرية في المنطقة تسير عكس مشتهاها. عن ماذا يبحثون الآن؟ من الملاحظ أن مشروع القرار المصري لمجلس الأمن والخاص بوقف إطلاق النار قد أقر ضمنا بالمقاومة الفلسطينية، وبالتحديد بحماس، كقوة موجودة على الساحة وتفرض نفسها بإنجاز عسكري صمودي واضح في مواجهة إسرائيل. ولا أظن أن أمريكا تختلف مع مصر في هذا الأمر، والمسألة تتلخص في خلاف حول كيفية خروج إسرائيل بإنجاز عسكري ما. من المحتمل أنهم يحاولون إعطاء إسرائيل بعض الوقت من أجل تحقيق إنجاز عسكري بسيط لكي يتلاءم مع أهداف إسرائيلية بسيطة. عهدنا بالدول الغربية وأمريكا خاصة بانها تحرص على اتخاذ قرار بوقف النار في مجلس الأمن بعدما تكون إسرائيل قد حققت اختراقا عسكريا؛ وتحاول البحث عن تنازل ديبلوماسي من الطرف الآخر فيما إذا عجزت الآلة الإسرائيلية عن تحقيق اختراق. حاولت هذه الدول البحث عن حفظ ماء وجه إسرائيل عام 2006، لكن رفض حزب الله انتهى بها إلى قرار هزيل وهو القرار 1701، والذي لا يلزم حزب الله بشيء من الناحية العملية. وربما الآن سيبحثون عن قرار ينص على إجراءات لمنع التهريب عبر الحدود الافتراضية بين مصر وفلسطين، وهذا قرار لا قيمة له لأن التهريب ممنوع أصلا من جانب الحكومة المصرية. أشير هنا إلى أن معركة غزة معركة تاريخية، وهي أول معركة تدور بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية على أرض فلسطين. هذا تطور تاريخي كبير، وله عبره وتبعاته التي سأناقشها لاحقا.

ثقافة الاستسلام المخجلة


ثقافة الاستسلام المخجلة
عبد الباري عطوان

بعض المواقف التي تتخذها الحكومة المصرية هذه الايام عصية على الفهم، وترفع ضغط المرء في الوقت نفسه، بسبب طبيعتها المغرقة في الاستفزاز، واثارة الاعصاب، مثل اصرارها على منع اكثر من مئة طبيب جاءوا من مختلف انحاء العالم، بعضهم مصريون، من الدخول الى قطاع غزة، للانضمام الى زملائهم في المستشفيات الذين انهاروا كليا من شدة التعب والاعياء، وتعاظم اعداد الجرحى في مستشفياتهم المتهالكة بسبب النقص في المعدات والادوية وحتى الكهرباء.نفهم هذا القرار المصري لو ان هؤلاء من الحرس الثوري الايراني، او ينتمون الى كتائب مطلقي صواريخ حزب الله، او حتى خبراء في حرب العصابات، ولكنهم ليسوا كذلك، إنهم مجرد مجموعة من الاطباء، من مختلـــف الجنســـيات العالميــــة، هرعوا من كل بقاع الارض من اجل مساندة اشقاء لهم تطحنهم الدبابات الاســـرائيلية، وتحيل صواريخ طائرات الاباتشي و(اف.16) الامريكية الصنع اجساد اطفالهم الى أشلاء متناثرة.النظام المصري يتذرع بمنع هؤلاء من منطلق حرصه على سلامتهم الشخصية، لان الطرق غير آمنة في قطاع غزة بفعل الحرب، وما شأنه في ذلك طالما ان هؤلاء يريدون التضحية بارواحهم، واعربوا عن استعدادهم لتوقيع تعهد بأنهم يتحملون مسؤولية كل ما يمكن ان يترتب على دخولهم القطاع من مخاطر.ثم متى كان النظام المصري يحرص على ارواح البشر، ألم يتواطأ مع هذا العدوان الاسرائيلي، ويشجع جنرالاته على غزو قطاع غزة، والاطاحة بـ'الامارة الاسلامية' فيه؟ ألم يتقدم بمبادرة الهدف منها القاء عجلة انقاذ لمهندسي هذه الحرب من مأزقهم الراهن، ومساعدتهم على تحقيق اهدافهم بالقوة العسكرية وعلى اجساد الشهداء والجرحى، وهي الاهداف التي فشلوا في تحقيقها عبر سياسات الحصار والتجويع؟في مستشفيات قطاع غزة اكثر من اربعة آلاف جريح، بعضهم ينزفون حتى الموت لعدم قدرة الاطباء على اسعافهم، ولعدم وجود غرفة عمليات او معدات طبية كافية، ومع ذلك يغلق الرئيس المصري حسني مبارك المعبر في وجوه هؤلاء الاطباء المتطوعين الذين لبوا نداء الواجب والضمير الانساني، وكأنه يريد ان يموت العدد الاكبر من الجرحى الفلسطينيين حتى ينتقم شخصيا من ابناء قطاع غزة الذين لا يكن لهم اي ود، ولا يبدي اي تعاطف مع مآسيهم.ندرك جيدا ان بعض المدافعين عن النظام المصري سيجادلون بأنه فتح المعبر امام مجموعة من الجرحى للعلاج في المستشفيات المصرية، وهذا صحيح، وعمل مشكور، ولكن كم هو عدد هؤلاء، مئة، مئتان، من مجموع اربعة آلاف؟ واذا كان فعلا حريصا على هؤلاء وغيرهم فلماذا لا يتيح المجال لعلاجهم في بلادهم؟ وعلى ايدي الاطباء المصريين والعالميين، الذين تطوعوا لذلك، وتوفير مشقة نقل هؤلاء اكثر من اربعمئة كيلومتر في عربات الاسعاف حتى القاهرة ومستشفياتها، وتأخيرهم لساعات، وربما لأيام امام المعبر قبل السماح لهم بالمرور.النظام المصري يفقد احــــترامه، بعد ان فقد دوره الاقليمي والدولي بسبب هذه السياسات والمواقف المخجـــــلة، فالمــــبادرة التي تقدم بها لوقف الحرب في قطاع غزة قوبلت بالاستهجان والاستهتار من جمــــيع الاطراف، ولم تصمد يوما واحدا، حيث رفضتها معظم الاطراف، لان صاحبها لا يتمتع بأي ثقل، وصاغها بطريقة تخدم اهداف العدوان ودون التشاور مع الطرف المعني، وهو فصائل المقاومة، من منطلق الغرور والعنجهية الفارغة.ولا نعرف كيف خرج النظام المصري بهذه المبادرة، بالطريقة المفاجئة التي شاهدناها، ودون التشاور مع الأطراف العربية، وأثناء انعقاد مجلس الأمن الدولي بالطلب من هذه الأطراف استصدار قرار ملزم لاسرائيل بوقف العدوان فوراً.والأهم من ذلك ان السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية ذهب إلى أنقرة، والتقى رئيس الوزراء التركي لتسليم رسالة تحث تركيا على التحرك دبلوماسياً لوقف العدوان، وفعلاً لبى السيد رجب طيب أردوغان هذه الرغبة المصرية وطار إلى القاهرة ودمشق وعمان والرياض، وفجأة ينقلب الرئيس مبارك على هذا الجهد التركي، ويعمل على إجهاضه والالتفاف عليه من خلال التقدم بمبادرته المذكورة وبيعها للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فكيف يمكن تفسير هذا التصرف، أو رده إلى أي مدرسة دبلوماسية أو أخلاقية في العصر الحاضر أو العصور الغابرة!العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة يدخل اليوم أسبوعه الثالث، دون أن يحقق أيا من أهدافه، ففصائل المقاومة لم تستسلم، واطلاق الصواريخ لم يتوقف، بل ازداد اتساعاً، وشاهدنا بالأمس صواريخ المقاومة في جنوب لبنان تتعانق مع شقيقتها في فلسطين، وتضرب الجبهة الاسرائيلية الشمالية.الحرب التي أشعلتها الانانية الانتخابية الاسرائيلية المتحالفة مع التواطؤ العربي لقتل 'ثقافة المقاومة' في عرين فصائلها بقطاع غزة، مهددة بالتوسع، فدرجة حرارة الجبهة اللبنانية ترتفع تدريجياً، والسيد حسن نصرالله زعيم حرب الله قال إن كل الخيارات موضوعة على الطاولة، وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة للتقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن لوقف الحرب.اسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، والعالم الغربي الذي يدعمها لا يمكن أن يتحرك إلا إذا أدرك ان مصالحه مهددة، أما مشكلتنا الأزلية فهي في الزعامات العربية وممثليها.. أليس من المعيب ان يبقى السيد عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية في منصبه دقيقة واحدة بعد رفض السيدة كوندوليزا رايس وجوده ضمن وفد وزراء الخارجية العرب الذين التقتهم لدقائق في الأمم المتحدة؟أليس من المخجل ايضا ان يتراجع وفد وزراء الخارجية العرب عن مشروع قراره الذي تقدم به الى مجلس الامن الدولي خوفا من 'الفيتو' الامريكي. فليصدر هذا 'الفيتو' وليعرف العالم بأسره حقيقة هذا السقوط الاخلاقي الامريكي.اسرائيل احتلت قطاع غزة مرتين، الاولى عام 1956، والثانية عام 1967، وارتكبت خلالهما مجازر لا تقل دموية عن التي نشاهدها حاليا، ولكنها خرجت مهزومة ومنكسرة في المرتين، وهذه المرة الثالثة لن تكون استثناء.يعتصرنا الألم ونحن نرى اهلنا يواجهون آلة القتل الاسرائيلية وحدهم، ونتألم بحرقة عندما نرى رضيعا يبكي الى جانب جثث والدته ووالده واشقائه بعد ان مزقتهم الصواريخ الاسرائيلية، ولكن ما يطمئننا ان هذه الدماء لن تذهب هدرا، لانها ستؤسس لمرحلة جديدة، عنوانها المقاومة، واسقاط كل مشاريع الهزيمة والاستسلام.