الجمعة، 9 يناير 2009

حدث في نيو يورك

فهمي هويدي
حين تستقبل السيدة كوندوليزا رايس أعضاء المجموعة الوزارية الذين أوفدتهم الجامعة العربية إلي مجلس الأمن، وتستثني أمين الجامعة العربية ووزير خارجية قطر، فإن الواقعة ينبغي أن تستوقفنا من أكثر من زاوية، ذلك أن تصرف الوزيرة الأمريكية لا يفتقد فقط إلي اللياقة والذوق السليم، ولكنه يعبر أيضًا عن درجة عالية من الاحتقار والازدراء. ولا أستبعد أن تكون تصريحات السيد عمرو موسي وكلمته التي افتتح بها مؤتمر وزراء الخارجية الأخير قد أثارت استياء السيدة رايس ومن لف لفها من الدوائر الصهيونية المهيمنة في الخارجية الأمريكية. كذلك لا أشك في أن واشنطن غير راضية عن السياسة القطرية في العالم العربي، خصوصًا تغطية قناة «الجزيرة» للمذبحة الجارية في غزة، التي قوبلت بحنق شديد من جانب السلطات الأمريكية والإسرائيلية، وكل أعوان إسرائيل حيثما وجدوا. لكن وجود مثل هذه الاختلافات يعد أمرًا مفهومًا في العلاقات الدبلوماسية، لا يؤدي بالضرورة إلي تخاصم الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن حنق السيدة رايس كان شديدًا لدرجة أنها اختارت أن تحرم الرجلين من «شرف» اللقاء معها، ولم تحتمل وجودهما ضمن الوفد الوزاري.أدري أن الإدارة الأمريكية لها موقفها التقليدي الرافض للاعتراف بالجامعة العربية، لأنها لا تريد أن تتعامل مع العرب كأمة واحدة في الأغلب لكي لا تخرج إسرائيل من نسيج المنطقة، وذلك يفسر وجود مكتب للجامعة في نيويورك يخاطب الأمم المتحدة وليس في واشنطن، حيث الإدارة الأمريكية. لكن ذلك لا يبرر رفض السيدة رايس استقبال السيد عمرو موسي، لأنه كان ضمن وفد قدم لمخاطبة مجلس الأمن وليس الحكومة الأمريكية.لا أعرف ما الذي قالته الوزيرة الأمريكية للوزراء العرب الذين التقوها، لكن أستطيع أن أتصور أنها عند الحد الأدني حدثتهم بلغتها التي استخدمتها في مجلس الأمن ونددت فيها بالعدوان الفلسطيني علي إسرائيل. ولا أستبعد أن تكون قد صارحتهم بأنهم يجب أن يطالبوا حركة حماس بوقف «عدوانها» أولاً، وأن «يؤدبوا جماعتهم» قبل أن يتوقعوا من المجتمع الدولي أن يصدر قرارًا لصالحهم. وإذا كانت السيدة رايس قد وقفت منهم موقف المعلم أو الموجه، فلن يكون ذلك مستغربًا، لأن إدارة الرئيس بوش اعتادت أن تأمر العرب ولا تشاورهم.هذه استنتاجات قد تخطئ وقد تصيب، لكن ما لا ينبغي إنكاره أن الوفد الوزاري العربي حين ذهب إلي نيويورك ملتمسًا قرارًا من مجلس الأمن، فإنه قدم إليها زاحفًا ورافعًا رايات العجز البيضاء، ذلك أن كل المشاركين في الوفد يعرفون حق المعرفة أن مجلس الأمن بالذات لن يقدم لهم شيئًا مما تمنوه، وأن السيطرة الأمريكية عليه ستجعله واقفًا في صف العدوان الإسرائيلي، وغير مستعد لقبول أي صيغة تتضمن إنصافًا للفلسطينيين، ومع ذلك ذهبوا لإيهامنا بأنهم يحاولون إنجاز شيء يخدم القضية، التي انفض بعضهم من حولها.السيدة رايس تعلم أن الوفد المرسل إلي نيويورك لجأ إلي مجلس الأمن هروبًا من اتخاذ موقف عربي مشرف، وتسويفًا في مسألة القمة التي اعترضت عليها بعض الدول العربية الكبيرة منذ اللحظة الأولي. هي أيضًا تعرف جيدًا أن بعض الذاهبين من الوزراء العرب يفضلون التنسيق و«التفاهم» مع الإدارة الأمريكية عن التنسيق مع بعض العواصم العربية. كما أن موقفهم من المقاومة ومن حماس لا يختلف عن موقف المحافظين الأمريكيين إلا في الدرجة فقط.لقد تواترت التقارير الصحفية التي تحدثت في الآونة الأخيرة عما يقوله القادة العرب لنظرائهم الغربيين والمبعوثين الإسرائيليين في الغرفات المغلقة، وكيف أنه يناقض ما يصدر عنهم أمام شاشات التليفزيون وفي التصريحات الرسمية. وأخشي أن تكون السيدة رايس قد واجهت الوزراء العرب في لقائها المغلق بما سبق أن سمعته منهم في لقاءات سابقة.ما أدهشني ليس استهتار السيدة رايس وازدراءها الوفد الوزاري العربي، ولكني استغربت حقًا ألا يحتج الوفد علي تصرفها، وأن يقبلوا دعوتها لهم بعدما علموا باستثناء اثنين من زملائهم من اللقاء، لكن يبدو أن الخذلان أصبح أحد عناوين المرحلة التي نمر بها، فإذا كانت الأنظمة العربية قد خذلت الفلسطينيين في غزة، فلا عجب أن يخذل بعض الوزراء العرب إخوانهم في الوفد.

غزة.. ألم ، أمل ، عمل د. صلاح سلطان

صلاح سلطان

في غزة ألم عميق، يبعث على أمل وثيق، ويحرك كل حر إلى عمل دقيق.
أولاً: غزة الألم:
* في غزة ألم من سيل الدماء، وتناثر أشلاء الأطفال والرجال والنساء، وهدم بالجملة للمساجد والمدارس والجامعات والمجالس التشريعية والمباني الإعلامية، والمؤسسات الإغاثية والاجتماعية، بمعنى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } [البقرة: 205].
* في الضفة فريق قليل من الخونة تسعدهم هذه الجراح، ويضحكون في أعماقهم طربا لهذا الصياح، ويتمنون بين عشية وضحاها أن يعودوا لغزة على دبابة إسرائيلية، وحراسة مزرية من دول صليبية وعربية.
* في فلسطين يمنع الشعب من التعبير عن رأيه، وتمنع الصلاة في المسجد الأقصى إلا لمن يجاوز الخمسين.
* في العالم العربي سُلطتان: سُلطة المجتمع وسُلطة الأنظمة، أما الأنظمة فتتابع وتراقب، وتدافع عن مواقفها المخزية أمام شعوبها العربية، وتبرر صمتها المريب عن نصرة إخوانهم في غزة، وتسمح بذرات الرمل في العيون بعلاج عشرات الحالات وزيارتهم، بمعنى ترك الضحية حتى يكون على شفير الموت، فإما أن نصلي عليه أو نعالجه إن أمكن ذلك، لكن الوقاية خير من العلاج ليست خيارا إستراتيجيا، وإعلان الحرب على الصهاينة أعداء الله ورسله والمسلمين والأخلاق والقيم بل أعداء الإنسانية، أمر مستبعد.
* أما سلطة المجتمع فغضب عارم، وألم حاد، وقلق شديد، وغيرة متدفقة، لكنها محجوبة عن التعبير عن كل غضبها، ولا يسمع لها، ولا يسمح أن تشارك بأغلبية في صناعة رؤية متقاربة لنصرة إخوة الدين والعقيدة والعروبة من هذا الطغيان الأمريكي الصهيوني.
* في العالم الغربي ترقب مشوب بالحذر من فشل متكرر لوليدتهم وصنيعتهم إسرائيل، فيكون المشروع الغربي كله معرضا لغضبة الشعوب، وتحدث الفجوة بين الشرق والغرب، وتغلق الأسواق الغربية، وتتراجع المكاسب المادية، فيذوقون من الفقر مثلما نذوق، ولذا تراهم يتابعون ويدعمون الكيان الصهيوني بكل قواهم.
غزة.. الأمل
( 1 ) بعد أكثر من أسبوع من القصف الصاروخي الحاد من قنابل ذكية وطائرات حربية، وذلك بعد حصار طويل لتفريغ القطاع من كل مقومات الحياة والقوة، ضرب رجال غزة من جميع القوى الإسلامية والوطنية بصواريخهم اليدوية عمق إسرائيل إلى ستين كيلومترا، وهرب وهرع المغتصبون الصهاينة إلى الشمال، وهو أمر لا يقدر عليه الصهاينة كما يصبر أهل قطاع غزة، ولا يقدرون أن يطول هذا الهروب الكبير، الذي اضطر رئيس حزب شاس الصهيوني أثناء عنترياته أن يسارع بالانبطاح أرضا تحت السيارة من الفزع من صوت صاروخ قسامي.
( 2 ) لا يزال الرجال والنساء والأطفال يستخفون بهذا القصف المتدفق، ويعلنون الصمود والمقاومة والدفاع المستميت، والالتفاف حول قيادتهم، وهي معنويات لا يملكها العدو الجبان الذي لولا طائراته لانتكس في الميدان كما انتكس في لبنان، ونتحدى أن يكون في الكيان الصهيوني رجل في قوة وشجاعة وثبات الشهيد الشيخ الدكتور نزار ريان.
( 3 ) مع بدايات الغزو البري، ومع حصاد يوم واحد هناك ستون قتيلا وجريحا، كما اعترف العدو الصهيوني ببسالة وقوة وجسارة المقاومة في مواجهة هذا الغزو البري البربري، والبقية تأتي إن شاء الله تعالى.
( 4 ) بدأت وجوه أولمرت وباراك وليفني تكفهر، وتبدو عليها آثار الإحباط، لكن اصطناع القوة لا يخفي شعورهم بالضعف والهزيمة أمام هذا الاستنكار العالمي، والصمود الفلسطيني.
( 5 ) الحشود والمظاهرات والاعتصامات المؤيدة لأهل غزة لم تخلُ منها بقعة على وجه الأرض في الشرق الإسلامي من جاكرتا إلى السودان، ومن باكستان إلى المغرب الذي خرجت منه مسيرة حاشدة قيل إنها ثلاثة ملايين لأول مرة، وفي تركيا خرجت مسيرة مليونية لحزب السعادة (حزب معارض)، وشهدت العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية مظاهرات لا مثيل لها، بل لم تخرج مسيرة حاشدة داخل الكيان الصهيوني كما خرجت هذه المسيرة (150 ألفا) من عرب 48؛ مما يؤكد أن الصورة الإعلامية والإنترنت قد ساهما في إسقاط ورق التوت عن الوجه الكالح للكيان الصهيوني.
( 6 ) صدق وقوة وثبات وتفاؤل خالد مشعل وهنية والزهار ونزَّال ومرزوق وحمدان و... تدهش الأعداء والأصدقاء، وتغيظ الظالمين، وترطب قلوب قوم مؤمنين، وتؤكد أن هذا القصف يعمق يقينهم بقوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } [آل عمران: 111]، وأنهم على يقين كامل من نصر الله لهم، وخذلانه لأعدائهم: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } [الحج: 60]، وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71].
( 7 ) لم يستطع الإعلام الإسرائيلي نشر حالة الفزع والرعب لدى القادة والشعب الصهيوني وحرم دخول مواقع هزائمهم التي تفضحهم، لكن الإعلام في قناة الأقصى -رغم تدمير المبنى- بقيت رسالته تبث قوية فتية صريحة واضحة، تخطف القلوب والعقول والأبصار، بل استطاعوا أن يقتحموا شفرة إذاعة الكيان الصهيوني، وخطوط الاتصال بين قادة الجيش البري والقناة الفضائية للعدو الصهيوني، وأن يبثوا أناشيدهم الحماسية وبياناتهم القوية.
( 8 ) يجب ألا ننسى من ذاكرة تاريخنا المعاصر أن الاتحاد السوفيتي قتل عشرين مليون مسلم لترسيخ مبادئه الملحدة، وقد قهر وزالت دولته أمام الجماعات والقبائل في أفغانستان بعد أن قتل 1.5 مليون منهم، خرج منهارا، بل انتهى الاتحاد السوفيتي كله.. وأن الصرب رغم قوة جيشهم وبشاعة ما فعلوه في أهل البوسنة العزل، إلا أنهم قهروهم وأقاموا دولة البوسنة والهرسك.. وأن جماعات الشيشان لم تهزم حتى الآن أمام قسوة الظلم الروسي.. وأن المقاومة العراقية والأفغانية لا تزال تمرغ أنف القوى الدولية، خاصة الأمريكية والبريطانية، في الرغام، وتكسر أنف الكبرياء بما يسمى القوى العظمى، وتبحث أمريكا بكل جدية عن مخرج من هذا المستنقع الذي دخلت فيه لتحفظ بعض ماء وجهها وغطرستها، ومن قريب لقنت المقاومة الباسلة في لبنان الصهاينة درسا لم ولن ينسى، وهذه كلها جماعات من المقاومة الوطنية الحرة هزمت دولا ذات قوة وسيادة، وأحسب أن شعب فلسطين أقوى هذه الشعوب المناضلة جميعا، وسيلقنون العدو الصهيوني أقسى الهزائم بإذن الله تعالى.
خطة عمل
على مستوى الأنظمة:
( 1 ) قطع جميع العلاقات مع الكيان الصهيوني ديانة وسياسة، فليس في الاستمرار إلا الانتحار، والمنتحر يتردى في نار جهنم، كما أن الانتحار السياسي لعنة تاريخية.
( 2 ) إعلان الجهاد وتهيئة الأمة له، والالتحام مع الشعوب الإسلامية التي ستتحول إلى سياج حقيقي قوي طويل المدى لحمايتكم إن تصدرتم الدفاع عن فلسطين، وتشرفتم بإنقاذ أهل غزة.
( 3 ) كسر الحصار عن أهل غزة، والتعامل مباشرة مع الخيار الديمقراطي الحر للشعب الفلسطيني.
( 4 ) تكريس إعلامي ضد المشروع الصهيوني، وأنه العدو الأول والإستراتيجي، وعدم الدخول في أية معارك جانبية دونه، بما سيؤدي إلى لمِّ الشمل العربي.
على مستوى الشعوب:
( 5 ) الاستمرار في إعلان الغضب بطريقة سلمية حضارية على الظلم الصهيوني والصمت العربي، وإعلان كامل التأييد والمناصرة للمقاومة، من خلال المسيرات والمظاهرات والمؤتمرات والمهرجانات، و... دون تحويل ذلك إلى مساجلات ضد الأنظمة أو الاتجاهات، ودون تدمير أو تخريب؛ لأن الله لا يحب الفساد.
( 6 ) الضغط على الأنظمة بالاعتصام، بل العصيان المدني إن اقتضى الأمر، حتى تُعَدِّل الأنظمة مواقفها بما يتوافق مع الواجب الإسلامي والعربي والإنساني نحو أهلنا في غزة.
( 7 ) الصيام والقيام والدعاء والقنوت بتضرع إلى رب الأرض والسماء أن يجعل كيد الصهاينة ومن عاونهم يرتد عليهم، وأن يربط على قلوب إخواننا في غزة.
( 8 ) التبرع السخي الندي من الزكوات وأصل المال، فالواجب هو التبرع حتى يكتفي أهل غزة، وأن نشارك في الضغط حتى تصل هذه الأموال إليهم.
( 9 ) المقاطعة الاقتصادية للسلع الإسرائيلية والأمريكية، والسعي في هذا بكل جدية، والاستمرار طويل المدى استجابة لنداء علماء أمتنا الإسلامية، إعذارا إلى الله من إثم المشاركة في دعم الآلة الصهيونية والقوة الأمريكية؛ باقتطاع جزء من أرباح السلع لتمويل عملياتهم الإرهابية، وبيان أن ذلك من الحرام لغيره، كما اتفق العلماء على عدم جواز شراء أية سلعة من سارق أو مغتصب حتى لا يساعد على سرقته، ولا شك أن اغتصاب الأرض المقدسة وحصار الشعب الأبي وقتل الأبرياء أفحش في الإثم وأوسع في الوزر.
( 10 ) إعادة دراسة من هم بنو إسرائيل في خمسين سورة في القرآن الكريم، والنصوص الصحيحة الصريحة والسنة والنبوية المتواترة في خصائص هؤلاء الإسرائيليين وتاريخ مكرهم وخداعهم والتوائهم ونزقهم وتكذيبهم وفسادهم وكفرهم وقتلهم وظلمهم؛ حتى لا تغطي مقالات المخدوعين على عقل المسلم أو المسلمة، وتزيح حقائق النصوص الشرعية التي صدرت ممن قال عن نفسه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]، وليكن تحليل الأحداث وتوقعها والحلول صادرة من صريح القرآن وصحيح السنة وهو: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ} [الأنفال: 60]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 14، 15].
وأخص بالدراسة في هذه الأزمة سور: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والإسراء، والشعراء، والقصص، ومحمد، والصف.. ومن السيرة النبوية كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم بني قريظة، ثم أهل خيبر، وجميعهم كانوا يتصفون بصفة واحدة هي الغدر، وليس جزاء الغادر إلا: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]، وشرح هذه النصوص والمواقف النبوية لأطفالنا بطريقة سهلة وبسيطة وواضحة.
( 11 ) دراسة بروتوكولات حكماء "خبثاء" صهيون، وروايات نجيب الكيلاني (عمر يظهر في القدس)، و(دم لفطير صهيون)، و(معركة الوجود بين القرآن والتلمود) للشيخ عبد الستار فتح الله سعيد، وموسوعة د.عبد الوهاب المسيري، وغيرهم من الكُتَّاب الذين فضحوا مخططاتهم ونزواتهم، وتعطشهم للدماء والسفك والتخريب.
( 12 ) كتابة مقالات للرد على شبهات عديدة أهمها:
(أ) أن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين، وهو تجرد وتهرب من الواجب الإسلامي والعربي، بل الإنساني.
(ب) أن الفلسطينيين أضعفوا أنفسهم بالانقسام الداخلي؛ مع عدم التفريق بين من أشعلوا الفتنة من العملاء الذين ضحوا بالوطن والأهل والعشيرة، ومن ضحوا بأنفسهم وأولادهم وأموالهم من أجل وطنهم وبلدهم.
(ج) التشكيك في شرعية حماس، وتناسوا أنها السلطة المنتخبة، وأن الانقلاب جاء من عملاء الصهاينة والأمريكان ضد شرعيتها، وأنها ليست هي السبب وراء هذا الهجوم، بل لو جاء مناضلون ملحدون لقاتلهم الصهاينة كما قتلوا الأنبياء.
(‌د) أن صواريخ القسام ليست مجدية، وضررها أكبر من نفعها، مع نسيان أن صواريخ القسام لم تضرب دولة صاحبة أرض، بل كيانا محتلا مغتصبا، وجهادهم شرعا فرض عين حتى لا يستقر محتل على أرضنا ويتحرر كل شبر من فلسطين المقدسة.
(هـ) أنه يجب قبول التهدئة الطويلة، وقد حدثت اتفاقات تهدئة مرارا، فهل احترم الصهاينة مرة واحدة أي اتفاق في الماضي أو الحاضر؟! ألا نثق بقوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56].
(‌و) أن إسرائيل وراءها أمريكا، ومن يحاربها يحارب أمريكا وهو ما لا طاقة لنا به، ونسوا أن أهل غزة وفلسطين وراءهم ربنا تعالى بحوله وطوله، وقوته وجبروته، فهو القائل عن نفسه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:18]، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:21]، و}إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ { [البروج:12 -16]، و}نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{ [الأنفال: 40].
(‌ز) أن الصف العربي ممزق، ولن يقدر أهل غزة على مواجهة عدوهم وحدهم، ونسوا قوله تعالى: } كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ {[البقرة: 249]، وقوله تعالى: } وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ [آل عمران: 123]،، وقوله تعالى: } وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{ [الروم: 47].
وقول العرب: "إن البعوضة تدمي مقلة الأسد"،و"بين النصر والهزيمة صبر ساعة"، وهزيمة الصهاينة في لبنان لم يجف مدادها، ولم يفيقوا من آثارها، وفشلهم في قمع الانتفاضة 21 عاما مع توعدهم في مهدها بأنها لن تستغرق أكثر من أسبوعين، وتوالى أربعة رؤساء على أمريكا ولم يستطيعوا جميعهم أن يحققوا شيئا سوى الفشل الذريع.
(س) أن الاتفاقات الدولية تلزمنا عدم فتح معبر رفح، وهي أكذوبة كبرى لتبرير خنق قطاع غزة والمشاركة الفعلية في قتل وإنهاك إخواننا في فلسطين، وبيان أن الواجب الشرعي أولا، وحق الجوار ثانيا، والإنساني ثالثا، وأخيرا يلزم القانون الدولي فتح المعابر للمنكوبين من ضحايا الحرب.
( 13 ) بث روح الأمل واليقين في النصر، وإرسال رسائل تأييد وتقوية لظهر إخواننا في غزة عبر القنوات الفضائية والرسائل الإلكترونية والهاتفية، والإعلانات في الشوارع والطرق، وبطاقات التهنئة لا التعازي في الشهداء فهم بإذن الله: }أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ{ [آل عمران: 169-170].
( 14 ) اعتماد سياسة "قليل دائم خير من كثير منقطع"، و"خير الأعمال ما قل ودل"، فالحرب طويلة، والمعركة ستستمر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذه تحتاج إلى خطوات جادة نحو إصلاح النفس بكل الوسائل التربوية الصحيحة، وإصلاح المجتمع دعويا في كل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية والسياسية حتى نستحق العناية الربانية، وننتقل من القلة المستضعفة إلى الكثرة المحاورة ثم القوة العادلة، كما تدرج أصحاب الحق في سورة الكهف من الاستضعاف مع أهل الكهف إلى الحوار مع الصاحبين ومنهما إلى التمكين في قصة ذي القرنين.
( 15 ) ضرورة السعي الحثيث لجمع الصف وتقريب الهوة بين الجماعات والجمعيات والمذاهب الإسلامية، كما التقى سيدنا موسى والخضر (مجمع البحرين) وافترقا على حب وإعذار وعمل لله تعالى، وهي خطوة لا مناص منها قبل التمكين، كما جاء موضعها في سورة الكهف.
( 16 ) جعل قضية فلسطين وتحرير الأقصى ومساندة شعب فلسطين أول الأولويات التي تلتقي عليها كل التيارات الإسلامية المخلصة، على مستوى كل فرد منا، وأسرة وجماعة وجمعية، ووطن وأمة، حتى لا يظن العدو أن خطته في القضاء على المقاومة، وتشريد شعب فلسطين سوف ينهي القضية، بل يجب أن يعلم عين اليقين أن أبناء الأمة كلها فداء للأقصى والقدس وفلسطين وأبنائها الأحرار، وأن العمق الإستراتيجي لأبناء غزة هو كل شبر ومسلم على وجه الأرض.
( 17 ) إثراء الحوار مع الأسرة في البيت، والأصدقاء في العمل، ومجالس العائلات أو الديوانيات أو الندوات والمؤتمرات والمحاضرات في فاعلياتنا الاجتماعية والثقافية عن إسلامية وعدالة القضية الفلسطينية، وتاريخ الظلم الصهيوني لنفسه وللفلسطينيين وللعرب وللمسلمين، بل للعالم كله خاصة بريطانيا أولا، وأمريكا آخرا، وبث روح الأمل والعمل في النصر، وانتزاع اليأس والكسل، مع ضرورة غرس ذلك في أطفالنا وشبابنا منذ نعومة أظفارهم، على الأقل كما يزرع الصهاينة عداءنا في أطفالهم.
وأختم بهذه القصة التي حدثت عام 1997م عندما أكرمنا الله بجمع كل المسلمين من كل التيارات والجماعات والمراكز والجنسيات، والبيض والسود، لنصلي العيد معا في مدينة بروكلين - نيويورك، وكان العدد داخل المبنى 25 ألفا وخارجه 15 ألفا، وجاء عمدة نيويورك وزوجته لتهنئتنا بالعيد، فشكرناه، ثم قلت له: "إن سياسة أمريكا تزعج كل مسلم من مساندتها المفتوحة المفضوحة للكيان الصهيوني؛ لأن المسجد الأقصى عند كل متدين أهم من بيته الذي يسكن فيه"، ففزع الرجل، لكني أصررت على تأكيدها.
فكيف إذا علمنا أن حرمة المسلم في غزة أو غيرها أشد عند الله من حرمة الكعبة بيت الله الحرام؟!.. {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61].
عضو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث.

وصمدت المقاومة

عبد الستار قاسم
منذ البدء، كتبت في مقالي المعنون "معركة غزة" أن المقاومة ستصمد، وهذا هو الإنجاز. هناك من تحداني كتابة وشفاهة، وقال بأن غزة عبارة عن لقمة سهلة البلع، وإن "المشايخ" (يعني حماس والجهاد) لا يعرفون بالحروب. وهناك من استهزأ قائلا بأن أساتذة الجامعات يبنون صروحا من خيال، وغالبا تسيطر عليهم مصالحهم الشخصية. ردود الفعل ذاتها تلقيتها عندما توقعت عام 2006، وبعد بداية الحرب على حزب الله بثلاثة أيام، بأن حزب الله سينتصر، بمعنى أنه سيصمد، وستفشل إسرائيل في حملتها العسكرية. وقد وصفني أحد المحللين الأجانب في حينه بأنني أستاذ جامعي جاهل لا يعرف إسرائيل. هناك من يحسب الإنجاز العسكري أو الفشل بالخسائر التي يوقعها طرف بآخر. المعارك حقيقة لا تقاس بالخسائر وإنما بالنتائج. كل شعوب الأرض التي وقعت تحت الاستعمار أو الاحتلال وقعت بها خسائر كبيرة تفوق الخسائر التي تكبدتها قوة الاحتلال بمرات، لكن الشعوب انتصرت في النهاية. إسرائيل تقصف الآن وتقتل المدنيين وتهدم البيوت، لكن هذا لا يعني أنها تحقق انتصارا. انتصارها في هذه الحرب يعني القضاء على المقاومة، وإسقاط حماس وتغيير الوضع السياسي القائم في غزة. رأيت في اليوم الأول من الهجوم على غزة وجوها مبتهجة لقتل عدد كبير من أفراد الشرطة الفلسطينية، وسمعت تعليقات كثيرة في وسائل الإعلام من مستسلمين عرب تلقي اللوم على حماس، وتتوعد حماس بأيام سوداء تصنعها لها إسرائيل. وهناك من الدايتونيين (أتباع دايتون) من حزم حقائبه ليذهب إلى غزة مع قواته في اليوم التالي. إذا كنت تعرف الرياضيات والعلاقات الجدلية، يسهل عليك فهم الحاضر وتنبؤ المستقبل إلى حد لا بأس به. ودائما رأيي بأن الذي لا يعرف بالرياضيات ولا بالعلاقات المنطقية الجدلية بين الظواهر، ولا يستطيع الربط الجدلي بين السلوكيات المختلفة عليه أن يبتعد عن السياسة. الذي تنقصه هذه المعرفة لا يستطيع أن يكون سياسيا ناجحا، أو قائدا مظفرا، أو محللا مصيبا. ساسة اليوم في الوطن العربي لا علاقة لهم بالعلم، فكيف تكون لهم علاقة بالرياضيات والمنطق؟ وهذا شأن "محللين سياسيين" كثر. ظنت إسرائيل أن ضربتها الترويعية الأولى، والتي أظهرت قصورا لدى حماس، ستزعزع أركان المقاومين الفلسطينيين، والسيطرة على غزة ستكون بعد ذلك سهلة. امتصت المقاومة الضربة الأولى. فانتقلت إسرائيل إلى سياستها الحربية المعهودة وهي استعمال الطيران ضد ما يظن أنه أهداف عسكرية، ومن ثم ضرب المدنيين والأهداف المدنية لإركاع العسكريين، وما زالت حتى الآن تصب حممها على رؤوس اهل غزة. أخذت إسرائيل تتبع تكتيك جس النبض بعد أن تأكدت من خلال صواريخ أبعد مدى مما توقعت وذلك من أجل أن تعرف ماذا أعد الفلسطينيون للمواجهة. دخلت المناطق غير المأهولة في غزة، وحاولت دخول أطراف تجمعات سكانية. وواضح أن المقاومة الفلسطينية تصرفت بذكاء بحيث أنها لم تكشف عما تمتلكه من أسلحة دفعة واحدة. التكتيك الإسرائيلي فشل، والتكتيك الفلسطيني بقي متماسكا. هذا فضلا عما تلاقيه إسرائيل من هجمات إعلامية وسياسية بسبب مناظر الأطفال والبيوت المدمرة على رؤوس أصحابها. باتت إسرائيل متيقنة بأن المقاومة الفلسطينية قد دخلت مرحلة جديدة من التفكير العلمي والعمل المبرمج وفق أسس علمية، وأن ذلك الماضي الذي استند إلى الارتجالية والفهلوة قد مضى وانتهى؛ وأصبحت على يقين بأن قدراتها العسكرية الهائلة لم تبلغ خنادق المقاومين، ولا حتى منصات صواريخهم. ولهذا لم يعد هدف تغيير الوضع القائم في غزة قائما، وبدأت الأهداف تتقلص إلى أن وصل الأمر الآن إلى مراقبة الحدود مع مصر لمنع التهريب. إسرائيل ستستمر في ضربها لغزة لأيام أخر، وستحاول من جديد تحقيق ما عجزت عنه، ولكن لا يوجد أمامها إلا خيار واحد وهو دخول المدن بخاصة غزة وخان يونس ورفح. هل تجرؤ على ذلك؟ تقديري أنها ستحاول من جديد المس بأطراف المدن، لكنها ستكون على قدر كبير من الغباء إن دفعت بدباباتها إلى داخل التجمعات السكانية. إن فعلت، فستجد الفلسطينيين يخرجون لها من تحت الأرض، وسيشتبكون بقوة وشراسة مع قواتها. لكن هل من المحتمل أن تلجأ إسرائيل إلى أسلحة الدمار الشامل فتضرب غزة؟ في هذه المرحلة، من المستبعد أن تفعل ذلك. لكن إسرائيل تدرك الآن أن وضعها العسكري قد اهتز مرة ثالثة (مرتان أمام حزب الله)، وأن التطورات العسكرية في المنطقة تسير عكس مشتهاها. عن ماذا يبحثون الآن؟ من الملاحظ أن مشروع القرار المصري لمجلس الأمن والخاص بوقف إطلاق النار قد أقر ضمنا بالمقاومة الفلسطينية، وبالتحديد بحماس، كقوة موجودة على الساحة وتفرض نفسها بإنجاز عسكري صمودي واضح في مواجهة إسرائيل. ولا أظن أن أمريكا تختلف مع مصر في هذا الأمر، والمسألة تتلخص في خلاف حول كيفية خروج إسرائيل بإنجاز عسكري ما. من المحتمل أنهم يحاولون إعطاء إسرائيل بعض الوقت من أجل تحقيق إنجاز عسكري بسيط لكي يتلاءم مع أهداف إسرائيلية بسيطة. عهدنا بالدول الغربية وأمريكا خاصة بانها تحرص على اتخاذ قرار بوقف النار في مجلس الأمن بعدما تكون إسرائيل قد حققت اختراقا عسكريا؛ وتحاول البحث عن تنازل ديبلوماسي من الطرف الآخر فيما إذا عجزت الآلة الإسرائيلية عن تحقيق اختراق. حاولت هذه الدول البحث عن حفظ ماء وجه إسرائيل عام 2006، لكن رفض حزب الله انتهى بها إلى قرار هزيل وهو القرار 1701، والذي لا يلزم حزب الله بشيء من الناحية العملية. وربما الآن سيبحثون عن قرار ينص على إجراءات لمنع التهريب عبر الحدود الافتراضية بين مصر وفلسطين، وهذا قرار لا قيمة له لأن التهريب ممنوع أصلا من جانب الحكومة المصرية. أشير هنا إلى أن معركة غزة معركة تاريخية، وهي أول معركة تدور بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية على أرض فلسطين. هذا تطور تاريخي كبير، وله عبره وتبعاته التي سأناقشها لاحقا.

ثقافة الاستسلام المخجلة


ثقافة الاستسلام المخجلة
عبد الباري عطوان

بعض المواقف التي تتخذها الحكومة المصرية هذه الايام عصية على الفهم، وترفع ضغط المرء في الوقت نفسه، بسبب طبيعتها المغرقة في الاستفزاز، واثارة الاعصاب، مثل اصرارها على منع اكثر من مئة طبيب جاءوا من مختلف انحاء العالم، بعضهم مصريون، من الدخول الى قطاع غزة، للانضمام الى زملائهم في المستشفيات الذين انهاروا كليا من شدة التعب والاعياء، وتعاظم اعداد الجرحى في مستشفياتهم المتهالكة بسبب النقص في المعدات والادوية وحتى الكهرباء.نفهم هذا القرار المصري لو ان هؤلاء من الحرس الثوري الايراني، او ينتمون الى كتائب مطلقي صواريخ حزب الله، او حتى خبراء في حرب العصابات، ولكنهم ليسوا كذلك، إنهم مجرد مجموعة من الاطباء، من مختلـــف الجنســـيات العالميــــة، هرعوا من كل بقاع الارض من اجل مساندة اشقاء لهم تطحنهم الدبابات الاســـرائيلية، وتحيل صواريخ طائرات الاباتشي و(اف.16) الامريكية الصنع اجساد اطفالهم الى أشلاء متناثرة.النظام المصري يتذرع بمنع هؤلاء من منطلق حرصه على سلامتهم الشخصية، لان الطرق غير آمنة في قطاع غزة بفعل الحرب، وما شأنه في ذلك طالما ان هؤلاء يريدون التضحية بارواحهم، واعربوا عن استعدادهم لتوقيع تعهد بأنهم يتحملون مسؤولية كل ما يمكن ان يترتب على دخولهم القطاع من مخاطر.ثم متى كان النظام المصري يحرص على ارواح البشر، ألم يتواطأ مع هذا العدوان الاسرائيلي، ويشجع جنرالاته على غزو قطاع غزة، والاطاحة بـ'الامارة الاسلامية' فيه؟ ألم يتقدم بمبادرة الهدف منها القاء عجلة انقاذ لمهندسي هذه الحرب من مأزقهم الراهن، ومساعدتهم على تحقيق اهدافهم بالقوة العسكرية وعلى اجساد الشهداء والجرحى، وهي الاهداف التي فشلوا في تحقيقها عبر سياسات الحصار والتجويع؟في مستشفيات قطاع غزة اكثر من اربعة آلاف جريح، بعضهم ينزفون حتى الموت لعدم قدرة الاطباء على اسعافهم، ولعدم وجود غرفة عمليات او معدات طبية كافية، ومع ذلك يغلق الرئيس المصري حسني مبارك المعبر في وجوه هؤلاء الاطباء المتطوعين الذين لبوا نداء الواجب والضمير الانساني، وكأنه يريد ان يموت العدد الاكبر من الجرحى الفلسطينيين حتى ينتقم شخصيا من ابناء قطاع غزة الذين لا يكن لهم اي ود، ولا يبدي اي تعاطف مع مآسيهم.ندرك جيدا ان بعض المدافعين عن النظام المصري سيجادلون بأنه فتح المعبر امام مجموعة من الجرحى للعلاج في المستشفيات المصرية، وهذا صحيح، وعمل مشكور، ولكن كم هو عدد هؤلاء، مئة، مئتان، من مجموع اربعة آلاف؟ واذا كان فعلا حريصا على هؤلاء وغيرهم فلماذا لا يتيح المجال لعلاجهم في بلادهم؟ وعلى ايدي الاطباء المصريين والعالميين، الذين تطوعوا لذلك، وتوفير مشقة نقل هؤلاء اكثر من اربعمئة كيلومتر في عربات الاسعاف حتى القاهرة ومستشفياتها، وتأخيرهم لساعات، وربما لأيام امام المعبر قبل السماح لهم بالمرور.النظام المصري يفقد احــــترامه، بعد ان فقد دوره الاقليمي والدولي بسبب هذه السياسات والمواقف المخجـــــلة، فالمــــبادرة التي تقدم بها لوقف الحرب في قطاع غزة قوبلت بالاستهجان والاستهتار من جمــــيع الاطراف، ولم تصمد يوما واحدا، حيث رفضتها معظم الاطراف، لان صاحبها لا يتمتع بأي ثقل، وصاغها بطريقة تخدم اهداف العدوان ودون التشاور مع الطرف المعني، وهو فصائل المقاومة، من منطلق الغرور والعنجهية الفارغة.ولا نعرف كيف خرج النظام المصري بهذه المبادرة، بالطريقة المفاجئة التي شاهدناها، ودون التشاور مع الأطراف العربية، وأثناء انعقاد مجلس الأمن الدولي بالطلب من هذه الأطراف استصدار قرار ملزم لاسرائيل بوقف العدوان فوراً.والأهم من ذلك ان السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية ذهب إلى أنقرة، والتقى رئيس الوزراء التركي لتسليم رسالة تحث تركيا على التحرك دبلوماسياً لوقف العدوان، وفعلاً لبى السيد رجب طيب أردوغان هذه الرغبة المصرية وطار إلى القاهرة ودمشق وعمان والرياض، وفجأة ينقلب الرئيس مبارك على هذا الجهد التركي، ويعمل على إجهاضه والالتفاف عليه من خلال التقدم بمبادرته المذكورة وبيعها للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فكيف يمكن تفسير هذا التصرف، أو رده إلى أي مدرسة دبلوماسية أو أخلاقية في العصر الحاضر أو العصور الغابرة!العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة يدخل اليوم أسبوعه الثالث، دون أن يحقق أيا من أهدافه، ففصائل المقاومة لم تستسلم، واطلاق الصواريخ لم يتوقف، بل ازداد اتساعاً، وشاهدنا بالأمس صواريخ المقاومة في جنوب لبنان تتعانق مع شقيقتها في فلسطين، وتضرب الجبهة الاسرائيلية الشمالية.الحرب التي أشعلتها الانانية الانتخابية الاسرائيلية المتحالفة مع التواطؤ العربي لقتل 'ثقافة المقاومة' في عرين فصائلها بقطاع غزة، مهددة بالتوسع، فدرجة حرارة الجبهة اللبنانية ترتفع تدريجياً، والسيد حسن نصرالله زعيم حرب الله قال إن كل الخيارات موضوعة على الطاولة، وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة للتقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن لوقف الحرب.اسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، والعالم الغربي الذي يدعمها لا يمكن أن يتحرك إلا إذا أدرك ان مصالحه مهددة، أما مشكلتنا الأزلية فهي في الزعامات العربية وممثليها.. أليس من المعيب ان يبقى السيد عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية في منصبه دقيقة واحدة بعد رفض السيدة كوندوليزا رايس وجوده ضمن وفد وزراء الخارجية العرب الذين التقتهم لدقائق في الأمم المتحدة؟أليس من المخجل ايضا ان يتراجع وفد وزراء الخارجية العرب عن مشروع قراره الذي تقدم به الى مجلس الامن الدولي خوفا من 'الفيتو' الامريكي. فليصدر هذا 'الفيتو' وليعرف العالم بأسره حقيقة هذا السقوط الاخلاقي الامريكي.اسرائيل احتلت قطاع غزة مرتين، الاولى عام 1956، والثانية عام 1967، وارتكبت خلالهما مجازر لا تقل دموية عن التي نشاهدها حاليا، ولكنها خرجت مهزومة ومنكسرة في المرتين، وهذه المرة الثالثة لن تكون استثناء.يعتصرنا الألم ونحن نرى اهلنا يواجهون آلة القتل الاسرائيلية وحدهم، ونتألم بحرقة عندما نرى رضيعا يبكي الى جانب جثث والدته ووالده واشقائه بعد ان مزقتهم الصواريخ الاسرائيلية، ولكن ما يطمئننا ان هذه الدماء لن تذهب هدرا، لانها ستؤسس لمرحلة جديدة، عنوانها المقاومة، واسقاط كل مشاريع الهزيمة والاستسلام.

الخميس، 8 يناير 2009

.. الشقيقة فنزويلا.. الشقيقـة تركيــا!

رشاد أبو داود
حتى دموع امهات الشهداء جفّت. ليس فقط خزانات الماء والقمح والكاز في هذا الشتاء الجهنمي. جفّت أيضا بقايا النخوة لدى بعض العرب فأصبحت فنزويلا عربية وتركيا عربية أكثر من العرب، وأيضا أولئك الذين، على الأقل، لا يحمِّلون الضحية وزر جريمة القاتل.أولئك مَن أعلى في خيلهم.. وساطة بين الشقيق والعدو.والوساطات ''المبادرات'' تأتي في وقتها المناسب (!). طبعاً المناسب لإسرائيل. إذ بعد أن أفشل صمود غزة أهداف العدوان الأشرس منذ احتلال الضفة وغزة العام ,1967 وبعد أن أصبحت إسرائيل في موقف عسكري عاجز.. تأتي ''المبادرة'' لتفتح لإسرائيل طريقاً للخروج من المأزق. فجيشها البري غير قادر على دخول مناطق غزة بفعل تموضع رجال المقاومة في مواقعهم، وبفعل تكتيك المنازل الملغّمة، والقنابل البشرية ''الاستشهاديون''، وإتقان المقاومين حرب الشوارع، خصوصا شوارع أحيائهم التي ربما ولدوا فيها ويحفظونها عن ظهر وبطن قلب.أما الوجه الآخر للمأزق، فهو عودة دباباتها من حيث أتت أو وقوفها حيث وصلت، وفي نفس الوقت مواصلة الطائرات تلك الغارات المكلفة مادياً وأخلاقياً بخاصة ان العالم كله يشاهد ما تفعله إسرائيل من جرائم بحق أهل غزة، وأبشعها مجزرة مدرستي وكالة غوث اللاجئين.وربما كانت تلك المجزرة ''المتعمدة'' هدفت إلى قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، وفي نفس الوقت إثارة العالم لترتفع الأصوات المنادية بوقف النار، وتتلقفها إسرائيل للخروج من المأزق، كما فعلت عندما ارتكبت مذبحة قانا في لبنان ومذبحة مخيم جنين.وهذا ما حصل حتى اللحظة. فقد أعلن الرئيس الفرنسي ساركوزي أن إسرائيل قبلت المبادرة المصرية التي أعلنت، فيما وفد عربي في نيويورك يجلس رهينة الفيتو الأميركي. وإسرائيل رهينة جريمتها التي لا غفران لها في غزة حتى لو أوقفت عدوانها.هل يساعد العرب إسرائيل في العثور على مخرج، أم أنه الضعف العربي المحرج؟! محرج، نعم وجداً أيضاً. ليس حالياً فقط انما تاريخيا أيضاً. فسوف يسجل التاريخ ان أصلب المواقف مع غزة كان أحدها من فنزويلا التي طردت السفير الإسرائيلي، ووصف رئيسها هوغو شافيز الجيش الإسرائيلي بالجبان، فيما قال وزير خارجيته إن ما ترتكبه إسرائيل في غزة أفظع من الهولوكوست اليهودي على يد النازية.الموقف ''الأخوي'' الآخر كان موقف تركيا بقول رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان أن العدوان نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية، واصفاً إياه بالمذابح الوحشية.لقد كان هدف إسرائيل من العدوان ما أسمته ''تنظيف'' غزة من المقاومة قبل خروج بوش من البيت الأبيض، وفرض أمر واقع جديد يخدم مصالحها ومن معها من الأطراف العربية، إلا أنها وبعد اثني عشر يوماً من ''المحرقة'' تقف عاجزة أمام صمود غزة. فنتائج الحروب تحسب بالواقع على الأرض لا بالأرقام والتضحيات. إذ لو حسبت كذلك لما تحرر شعب في العالم من الاحتلال.الصامدون يتبعهم المناضلون من أجل الحرية، لا الهالكين المتهالكين على مقاعد مزمنة مهترئة.

الأربعاء، 7 يناير 2009

الحرب على غزة

نزال: المقاومة قتلت 30 جندياً صهيونياً وجرحت 100 آخرين من لواء غولاني خلال خمسة أيام *** الاحتلال يعترف بإصابة تسعة من جنوده في معارك اليوم بغزة *** موقع صهيوني: 42 جندياً أصيبوا بإعاقات دائمة بقذائف المقاومة الفلسطينية *** الاحتلال يقصف مسجد الإمام الشهيد حسن البنا ومنزل في خان يونس بصاروخين من طائرات استطلاعية***العدو يعترف بأصابة منشأة حساسة جراء سقوط صاروخي "غراد" أطلقتهما "القسام" على بئر السبع***الطيران الحربي الصهيوني يشن غارات على قطاع غزة *** الأمم المتحدة تنفي مزاعم جيش الكيان عن وجود مسلحين في مدرسة قصفتها قوات العدو يوم أمس واستشهد فيها 43 مدنياً وأصيب نحو 100 *** القناة العاشرة الصهيونية: إصابة 600 مغتصب صهيوني جراء سقوط صواريخ المقاومة الفلسطينية

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008

صواريخ المقاومة تقتل شقيقة وزير داخلية إسرائيل

كشفت مصادر إعلامية عن أن شقيقة وزير الداخلية الإسرائيلي مئير شتريت قتلت بأحد صواريخ المقاومة الفلسطينية التي ضربت سديروت وعسقلان والمجدل وأشدود ووصلت إلى جنوب تل أبيب بـ 30 كيلومتر فقط.
وقالت المصادر : إن عدد القتلى داخل الكيان الصهيوني تزايد إلى خمسة قتلى، واعترفت إسرائيل بتجاوز أعداد القتلى والجرحى مائة قتيل وجريح، كما اعترفت بقطع الكهرباء عن المنطقة الصناعية فى عسقلان.
وأعلنت مصادر إسرائيلية عن مقتل إسرائيليين وإصابة 15 آخرين بجراح ما بين الخطيرة والمتوسطة جراء سقوط صاروخ "جراد" أطلقته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة "حماس" على ميناء أسدود الذي يبعد 40 كيلو متر عن قطاع غزة.
وبحسب المصادر فإن القصف أسفر عن دمار كبير في منازل الإسرائيليين، وقطع التيار الكهربائي في المدينة، وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية أن الصاروخ الذي سقط في ميناء "أسدود" قتل إسرائيلي وأصاب 4 آخرين أحدهم في حالة الخطر.