الاثنين، 19 يناير 2009

القسام: شهداؤنا 48 وقتلاهم 80


أعلنت أنها ستواصل التسلح بطريقتها في تحد للمحاولات الدولية لمنع تسليحهم
القسام: شهداؤنا 48 وقتلاهم 80

جنود الاحتلال يشيعون جنديا قتلته المقاومةغزة - أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، اليوم الإثنين لأول مرة منذ إعلان وقف إطلاق النار مساء السبت الماضي أرقاما محددة لحصاد الحرب على غزة، وما حققته المقاومة من نتائج، متحدية قادة إسرائيل أن يخرجوا بدورهم ويعلنوا نتائج محددة وموثقة لما حققوه أو خسروه.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته الكتائب بغزة أكد الناطق باسمها "أبو عبيدة" أنه "إذا مر الأسبوع دون انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة - وهو الشرط الذي أعلنته الفصائل لوقف إطلاق النار - فإن الكتائب ستواصل إطلاق الصواريخ، وترسلها إلى مدى أبعد من المدى الذي وصلت إليه خلال الحرب"، ووصلت صواريخ المقاومة خلال العدوان بلدات إسرائيلية تبعد نحو 50 كم عن غزة.
وأعلنت الكتائب خلال المؤتمر استشهاد 48 من مجاهديها مقابل 80 جنديا إسرائيليا، بينهم 49 رصدتهم أعين المجاهدين بشكل مباشر، والبقية تقديرات تخص جنودا سقطوا في عمليات للمقاومة استهدفت تجمعات ودبابات.

وكان جيش الاحتلال قد زعم قبل أسبوع من انتهاء الحرب أنه قتل نحو 350 من رجال المقاومة مقابل قتل المقاومة 10 من جنوده، بعضهم سقط خلال حوادث سير أو بنيران صديقة، على حد قوله.
وحدد أبو عبيدة 5 محاور لنتائج الحرب، هي:
المحور الأول: عدد الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين، مشيرا إلى أن إجمالي عدد الشهداء هو 1350 شهيدا غالبيتهم من المدنيين، فيما فقدت الكتائب 48 مجاهدا في أرض المعركة.
المحور الثاني: عدد القتلى الإسرائيليين، قائلا في هذا الصدد: "رصدنا بكل دقة قتل 49 جنديا صهيونيا وجرح المئات، ناهيك عن العمليات غير المباشرة التي قصفنا خلالها تجمعات للجنود، وتقديراتنا لا تقل عن أنهم 80 جنديا بخلاف القتلى والمصابين الذين وقعوا في قصفنا للمستوطنات".
وتوجه المتحدث باسم كتائب القسام إلى قادة إسرائيل بلهجة متحدية قائلا: "ونتحدى الجيش الإسرائيلي أن يعلن خسائره الحقيقية كما أعلناها نحن، بدلا من استمراره فيما دأب عليه من تكتم وتزييف للحقائق طوال الحرب، ذهبت إلى حد أن يعلن أن بعض من قتل من جنوده كان خلال حوادث سير".
كما أشار إلى أن "العدو شن 2500 غارة جوية على قطاع غزة الصغير المحاصر، واستنزف 50% من ذخيرة الجو، فسارع أسياده في واشنطن إلى تعويضها بمدد أرسلوه خلال الحرب".
وفي المقابل - يواصل أبو عبيدة - "لم نستخدم الأسلحة المكدسة في مخازن الحرب، ولا دبابات ولا طائرات، ولكن أسلحة صنعناها بأيدينا، ودماء شهدائنا"، لافتا في هذا الصدد إلى أن "العدو بترسانته الضخمة لو تعرض لعشر ما تعرضت له غزة الصامدة لفر كل من فيه إلى المطارات والموانئ للهروب إلى الأبد".
وأشار في لفتة ساخرة إلى أن "جيش الاحتلال هو الوحيد في العالم الذي يستخدم جنوده "حفاظات" لشدة خوفه من مواجهة الرجال على الأرض".
الحصاد الجهادي
المحور الثالث هو الحصاد الجهادي، وقال فيه إنه: برغم استهداف العدو كل ما يتحرك على الأرض وإلقاء القذائف الحارقة والفسفورية والصواريخ في عملية قد تكون هي الأضخم في تاريخه، فإن القسام نفذت ما يلي:
- إطلاق 980 قذيفة وصاروخا منها 310 صواريخ جراد و422 قذيفة هاون والبقية من صواريخ القسام.
- تم التصدي للدبابات المتوغلة بـ 98 قذيفة وصاروخا مضادا للآليات وصواريخ مضادة للدروع استخدمناها لأول مرة في غزة.
- فجرنا 79 عبوة ناسفة في آليات متوغلة.
- نفذنا 52 عملية قنص للجنود وشوهدوا يتساقطون من دباباتهم أمام كاميرات العالم.
- نفذنا 12 كمينا محكما في أماكن التوغل سقط فيها عدد من جنود القوات الإسرائيلية الخاصة.
- دخلنا مع قوات العدو في 119 اشتباكا مسلحا وجها لوجه.
- وبالنسبة للعمليات التفجيرية نفذنا عملية واحدة تكفل بها المجاهد رزق سامي صبح عندما فجر نفسه بحزام ناسف في دبابة تحمل عددا من الجنود في العطاطرة غرب بيت لاهيا.
- دمرنا 47 دبابة وجرافة وناقلة متوغلة كليا أو جزئيا.
- أصبنا 4 مروحيات وأسقطنا طائرة استطلاع.
- قمنا بعمليتي أسر لجنود صهاينة، الأولى وقعت شرق حي التفاح في اليوم الثالث للحرب البرية، حيث أسرنا عدة جنود، ولكن تدخل الطيران الإسرائيلي وقصف الجنود ومعهم منفذ العملية محمود الريفي فقتل الجنود ولقي الريفي ربه شهيدا، والثانية جرت شرق جباليا في 5 يناير، حيث أسرنا جنديا بواسطة كمين محكم واحتفظنا به ليومين ولكن العدو رصده وقصف المنزل؛ حيث قتل الجندي و3 من المجاهدين، هم محمد فريد عبد الله ومحمد عبد الله عبيد وإياد حسن عبيد.
مناطق التوغل
المحور الرابع هو مناطق توغل قوات الاحتلال بريا، وقال أبو عبيدة في هذا الصدد إن "العدو استخدم سياسة الأرض المحروقة؛ حيث كان يقصف الأرض بحرا وجوا قبل توغلهم بريا في مناطق العطاطرة وحي تل الإسلام "تل الهوى" ونتساريم والمغراقة وشرق مناطق جباليا وخزاعة والزيتون ورفح، وهي مناطق كان يتوغل فيها دوما قبل الحرب؛ لأنها مناطق حدودية عديمة أو قليلة السكان".
وأكد أن العدو لو كان يستطيع أن يجتاح غزة بريا لما تردد، ولكنه يعلم جيدا ماذا كان سيحدث له.
فشل الأهداف
أما عن المحور الخامس والأخيرة فهو ما أسماه الناطق باسم كتائب القسام "فشل أهداف العدو".
وتابع موضحا: "سمعنا منهم أن الحرب ستكون صادمة أي قصيرة، ولكن تحت وطأة الفشل أعلنوا لها مرحلة ثانية ثم ثالثة ثم رابعة.. فكيف تكون هذه حربا لها أهداف محددة، وكيف تكون قد حصدت إنجازات تذكر غير سفك الدماء؟!"
وتوجه للشعب الإسرائيلي بالقول: "اسألوا قادتكم عن ماهية هذه الأهداف وما حققوه منها، ولماذا لم يخرج أحدهم ليعلنها وبالتفصيل أمام العالم"، قائلا: "إننا فوجئنا بعدم قدرة العدو على الرؤية والتخطيط وأثبت فقط أنه يتقن القتل بالجملة".
وبحسب تقدير القسام قال أبو عبيدة: إن "قادة العدو قالوا إنهم يستهدفون إسقاط حماس، فهل أسقطوها؟ وقالوا إنهم سيمنعون إطلاق الصواريخ فهل منعوها يوما طوال مدة الحرب؟"، مشيرا في هذا الصدد إلى أن قرار حماس بوقف إطلاق النار لمدة أسبوع شرط انسحاب قوات الاحتلال من غزة هو قرار "اختياري من حماس وليس نتيجة أي ضغوط".
ولدى سؤاله عما يمكن أن تفعله القسام إذا لم تستجب إسرائيل لهذا الشرط وبقيت قواتها في غزة قال أبو عبيدة: "لقد وعدناهم قبل الحرب أن صواريخنا ستنال أسدود وبلدات أخرى ونفذنا وعدنا، ونعدهم الآن بأن تصل صواريخنا إلى مدى أبعد من كل ما وصلت إليه إذا ما اختاروا البقاء".
وأضاف: "نطمئن رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت بأن أهدافكم سقطت في وحل غزة ولم تعد إلا برصيد جديد من المجازر".
ونفى أبو عبيدة ما أسماها بـ"أكاذيب الاحتلال خلال الحرب"، ومنها قوله إنه اعتقل عددا من رجال المقاومة، مؤكدا "لم يتم اعتقال أي من رجالنا، ومن تم اعتقالهم هم من المدنيين".
"ويقولون إنهم دمروا قوة حماس العسكرية، وأقول لكم بكل مصداقية ودقة إن ما خسرناه كان ضئيلا جدا، ورممناه قبل انتهاء الحرب".
"احشدوا العالم"
وفيما يخص المباحثات الجارية بين أطراف عربية ودولية من أجل وقف تهريب السلاح إلى غزة، قال أبو عبيدة متهكما: "ومنذ متى كان يُسمح لنا بإدخال رصاصة واحدة إلى غزة، فليفعلوا ما يشاءون واحشدوا العالم لأننا نعلم جيدا كيف نحصل على السلاح".
وأشار أبو عبيدة إلى أن "كل من يسوق أكاذيب العدو بأن هدف حربه على غزة هو إطلاق المقاومة الصواريخ على جنوب الكيان الصهيوني فإنه متواطئ ومشارك في العدوان".
واختتم كلمته بالتأكيد على أن نجاح الحرب "لا يقاس بكم الدماء التي نزفت فيها، ولكن بتحقيق الأهداف.. ونحن لن نركع ولن نستسلم ولن نرفع الراية البيضاء".
ووجه تحية إلى "كل مجاهدينا في كافة الفصائل الضاغطين على الزناد، ولشعبنا الصامد، وللشعوب العربية الحية التي انتفضت لغزة، ولكل أحرار العالم.. ونعاهد الله أن نبقى على درب الجهاد والمقاومة حتى تحرير بلادنا ومقدساتنا المدنية والله مولانا ولا مولى لهم".

إسرائيل تحارب المقاومة بمقالات عربية!

محمد جمال عرفة
في إطار حربها النفسية والإعلامية التي تواكبت مع عدوانها الذي استمر 22 يوما على قطاع غزة، استعانت إسرائيل بكتابات لكتاب ومحللين عرب يحسبون على تيار "الاعتدال الليبرالي"، توجه انتقادات حادة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" و"من يقف وراءها من دول محور الشر"، في إشارة إلى سوريا وإيران، بحسب وصف هؤلاء الكتاب.
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي في 27-12-2008، مخلفا نحو 1300 شهيد و5400 جريح، نصفهم من النساء والأطفال، دأب موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية "التواصل" على الإنترنت على إعادة نشر عشرات المقالات لكتاب عرب يذمون "إرهاب" حركتي حماس والجهاد، ويؤكدون الاتهامات الإسرائيلية للحركتين بأنهما "ألعوبة" في أيدي "الإرهاب الفارسي".
كما ذهبت بعض هذه المقالات إلى الإشادة بـ"ديمقراطية" دولة الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن أرض فلسطين المحتلة "حق لبني إسرائيل، وأرض الميعاد التي بشرتهم بها التوراة".
وكانت الناطقة الرسمية باسم جيش الاحتلال "أفيتال ليبوفيتش" قالت إبان العدوان: إن "وسائل الإعلام الجديدة وعالم التدوين يشكلون معارك جديدة في إطار الصراع حول كسب الرأي العام العالمي"، فيما وصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الإنترنت بأنه "منطقة حرب".
وسبق أن اتبعت الخارجية الإسرائيلية نفس الأسلوب خلال الحرب الثانية على لبنان صيف 2006، فتحت عنوان "مقالات رأي لكتاب عرب"، أعادت نشر موضوعات من صحف عربية شهيرة، مثل "الشرق الأوسط" السعودية و"الأهرام" المصرية و"الوطن" و"الرأي " الكويتيتين، تدين حزب الله، وتؤكد وجهة النظر الإسرائيلية في أنه كان السبب في اندلاع الحرب؛ بسبب أسره جنديين إسرائيليين.
اللافت أن الأقلام التي سبق أن هاجمت حزب الله عام 2006 هي نفسها بجانب كتاب جدد التي هاجمت حماس خلال العدوان الأخير.
"أراجوزات" إيران!
من أبرز المقالات التي احتفى بها موقع وزارة الخارجية مقال "مأساة غزة: أصابع إيران الخفية" للكاتب السعودي تركي الحمد، والذي نشر في "الشرق الأوسط" يوم 31-12-2008، ووصف فيه صواريخ المقاومة بأنها "ألعاب نارية حماسية"، واعتبر أن حزب الله وحماس "أراجوزات تحركها إيران من وراء الستار وقتما تشاء وكيفما تشاء، وليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم".
وقال الحمد في مقاله: "إسرائيل تتعرض للاستفزاز المتكرر من قبل حماس، حين ترشقها بالصواريخ بشكل شبه يومي، فما هو المتوقع من إسرائيل وهي الدولة التي قامت واستمرت في الحفاظ على وجودها بالقوة والحل العسكري؟!".
ويتابع: "إذا كانت إسرائيل قد أجرمت بحق الفلسطينيين، فإن حماس شريكتها في الجريمة، بل تتحمل الوزر الأكبر.. وما يجب لفت النظر إليه هنا هو الدور الإيراني في المأساة.. أحداث غزة الأخيرة، وقبلها أحداث لبنان عام 2006، لم تكن نتيجة فعل مقاومة وطنية بقدر ما كانت وسائل لإشغال إسرائيل، القوة الإقليمية الوحيدة المنافسة لإيران في المنطقة، كي تتفرغ إيران لبرنامجها النووي، وخططها الأخرى للهيمنة على المنطقة".
مقالات "طارق الحميد" رئيس تحرير "الشرق الأوسط" كانت أيضا في مقدمة الكتابات التي أعاد موقع الخارجية الإسرائيلية نشرها، ففي مقال بعنوان "دماء غزة.. مشروع تجاري"، نشر يوم 28-12-2008 دعا الحميد العالم العربي لاتخاذ موقف حاسم "يحمل حماس وإيران مسئولية معاناة الفلسطينيين".
وفي مقاله "العرب يصوتون ضد حماس"، بتاريخ 29-12-2008، قال الحميد إن "العرب قرروا التصويت ضد عبث حماس، وإظهار موقف عربي يعكس الوعي بأهمية التوقيت والظرف الدولي".
"لاحقوا متمردي حماس"
وحرص الموقع على إبراز مقالات الكاتب الكويتي "عبد الله الهدلق" بصحيفتي "الرأي" و"الوطن"، والتي يوجه فيها السباب للفلسطينيين ويعتبر وطنهم "أرض الميعاد" لإسرائيل.
فقد قال "الهدلق" في مقاله بـ"الوطن" يوم 21-12-2008: "أيها الجيش الإسرائيلي عليكم بالإرهابيين الفلسطينيين المؤتمرين بأوامر الإرهاب البعثي الفارسي.. لاحقوا متمردي حماس ومعتوهيها والحمقى من قادتها والمتهورين من زعمائها المتسترين بالدين والمتاجرين به، واسحقوهم وأبيدوهم ولقنوهم درسا لن ينسوه إلى الأبد كما لقنتم حزب الله الإرهابي المهزوم عام 2006 درسا قاسيا أثخنتموهم فيه، وخلصوا غزة من سطوة الحركة الإرهابية".
وأضاف في المقال المنشور بعنوان "جزاء قيادات الغدر والخيانة": "هل نسي الإرهابيون في حماس أو تناسوا ما لقيه أمثالهم من قبل في أيلول الأسود بالعاصمة الأردنية عمان على أيدي جنود الملك الأردني حسين بن طلال رحمه الله؟!".
وأردف: "عندها هرست وفرمت دبابات الحق الأردني أجساد الإرهابيين في مخيمات شتات اللاجئين الذين حاولوا التمرد والغدر ونكران الجميل فكانت لهم السيوف بالمرصاد فحصدتهم واستأصلت شأفتهم وقطعت رءوس الإرهاب التي أينعت وحان قطافها، هؤلاء هم الفلسطينيون أينما حلوا حل معهم الإرهاب والإفساد والقلاقل والفتن والغدر واللؤم ونكران الجميل".
وتساءل الهدلق مستنكرا: "هل يمكن لحكومة إرهابية مثل حماس أن تقود شعبا أو تحقق تقدما في مسيرة السلام؟! وهل يمكن لشعب لم يعرف إلا التشرد والضياع في بداية حياته، ثم التشدد والتطرف والإرهاب والقتل والهجمات الانتحارية وقذائف الكاتيوشا التي يطلقها بشكل يومي على المدنيين الأبرياء والنساء والأطفال في المدن الإسرائيلية في الجنوب المحاذي لغزة أن يشكل مجتمعا مدنيا ونواة لدولة فلسطينية حضارية قابلة للاندماج في المجتمع الدولي؟!".
وأضاف أن: "إسرائيل دولة ديمقراطية يتحداها الإرهابيون والمتطرفون، وتحيط بها أنظمة حكم شمولية وديكتاتورية ومتسلطة ومستبدة عليها أن تخجل من أنفسها وتنسحب بهدوء".
الأرض المقدسة.. لإسرائيل!
واستطرد الكاتب الكويتي: "كما أن الأرض المقدسة حق لبني إسرائيل قبل أن ينتشر فيها شتات مخيمات اللاجئين، وقبل أن تنشأ حركات فتح والجهاد وحماس الإرهابية، وهي أرض الميعاد التي بشرت بها التوراة، ويحق لدولة إسرائيل أن تحتفل بالذكرى الستين لها"، واحتفل الإسرائيليون في مايو الماضي بمرور 60 عاما على احتلالهم أرض فلسطين وإقامة دولتهم عليها.
وتابع الهدلق: "لقد نشأت دولة إسرائيل الحديثة لتدوم وتستمر.. وإرادة الله سبحانه وتعالى أن يكتب الأرض المقدسة حقا لبني إسرائيل دون غيرهم تتأكد في قوله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } المائدة : 21.
وفي مقال آخر بصحيفة "الرأي" يوم 21-12-2008، بعنوان "أين المفر؟!"، انتقد ما أسماه بـ"الإرهاب الذي تمارسه حماس بإطلاق وابل من القذائف الصاروخية العبثية تجاه عسقلان وسديروت.. ولكن أين المفر أيها الإرهاب الفارسي، ويا إرهاب حماس والجهاد وقد أعلنت إسرائيل تهديدها النهائي؟!".
إسرائيل الديمقراطية!
الكاتب أنيس منصور كان بمقاله، الذي نشر بصحيفة الأهرام المصرية الرسمية يوم 5-6-2008 تحت عنوان "اختيار الطائر الوطني الإسرائيلي شكل من أشكال الديمقراطية"، واحدا من الكتاب العرب الذين استعانت إسرائيل بكتاباتهم في حربها ضد المقاومة.
حيث تطرق الكاتب المصري إلى الاستفتاء الذي جرى في إسرائيل لاختيار الطائر الوطني وفاز فيه الهدهد، حيث اعتبر أن هذا الاستفتاء الشعبي "يثبت ديمقراطية إسرائيل"، قائلا: "عادةً نستل السكاكين والحناجر للهجوم على إسرائيل وتسخيف هذه الأفكار، ولا نرى فيها أيا من أشكال الديمقراطية‏..‏ وهو ما يسبب سوء فهم بيننا وبين خصومنا وأعدائنا،‏ فنحن لا نرى لهم أية ميزة".
ونقلا عن مجلة "أكتوبر" المصرية يوم 11-11-2008، أعادت الخارجية الإسرائيلية نشر مقال الكاتب حسين سراج بعنوان "في مركز بيريز.. الأولاد يصنعون السلام"، والذي تحدث فيه الكاتب عن انطباعاته من احتفالات مركز بيريز الإسرائيلي للسلام بعامه العاشر.
وأوضح سراج أن "المركز يهدف إلى تعزيز الرؤية بشأن السلام، وتعاون منطقة الشرق الأوسط للعمل معا لتحقيقه من خلال التنمية والتعاون الاقتصادي والاجتماعي والتفاعل على مستوى الشعوب؛ لأن الشعوب لا الحكومات هي التي تصنع السلام الحقيقي".
واستطرد: "رغم الواقع الأليم الذي يشاهده أولاد وشباب اليوم من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي فى كثير من الأحيان من خلال القصف الإسرائيلي أو سقوط صواريخ القسام فى محيطهم، فإنهم في مركز بيريز يؤمنون بأن الأمل فى مستقبل أفضل تتبدل فيه العداوة والشك بالقدرة على رؤية إنسانية الآخر، لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق الأولاد والشباب".
ويشيد سراج بالمركز، الذي يرى مراقبون أنه "يهدف لإجراء عمليات غسيل مخ للأطفال والشباب العرب"، قائلا: "يطلق المركز سنويا برامج تشمل الآلاف من الأولاد والشباب الفلسطينيين والإسرائيليين، ليلتقوا ويعرف كل منهم الآخر".
وتابع: "تقوم هذه البرامج على استخدام وسائل من عالم الرياضة والفن والتكنولوجيا، لجعل الأولاد والشباب يتعرفون على قيم التعايش والتفاهم المتبادل، وتساعدهم على التغلب على المخاوف الأولية؛ ليكتشفوا أنه في الجانب الآخر -سواء كان فلسطينيا أو إسرائيليا - أولاد مثلهم".
ومن الكتابات التي احتفى بها أيضا موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، مقالات "إلياس بجاني"، الأمين العام للمنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية - الكندية، والكاتب الكويتي خليل علي حيدر، والكاتب السعودي حمد الماجد، وعبد الرحمن الراشد، مدير قناة "العربية" الفضائية.
------------------
* المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

انطلاق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الأربعاء القادم‏


تنطلق الدورة الحادية والأربعون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الأربعاء القادم، والذي يمتد حتى الخامس من فبراير المقبل، بمشاركة 27 دولة منها 16 دولة عربية، و11 دولة أجنبية منها دولة جديدة هي كوريا التي تشارك لأول مرة.
وستكون المملكة المتحدة ضيف شرف المعرض لهذا العام، وقد قام المجلس الثقافي البريطاني بالتعاون مع معرض لندن للكتاب وجمعية الناشرين البريطانية، ونقابة الناشرين المستقلين بالإعداد لبرنامج ثقافي.
إذ من المقرر أن يحضر المعرض بعض من كبار الكتاب والروائيين، والشعراء ومؤلفي قصص الأطفال من المملكة المتحدة، للمشاركة في فعالياته، ومن بينهم ثلاثة من كبار كتاب روايات المراهقين، هم: أنتوني هوروويتز وميج روسوف، وديفيد ألموند، الذين سيقدمون بعض الفقرات للآباء والمدرسين وللمراهقين أنفسهم.
ومن بين الحضور، كذلك حضور الكاتب الروائي بن أوكري (وهو حاصل على عدة جوائز منها جائزة الباكر Booker Prize)، ومارجريت درابل، ومارينا وارنر، وأهداف سويف، وجمال محجوب، وجيمس ميك، وسامية سراج الدين، بالإضافة إلى الشعراء بول فارلي، ومنة الفين، وليونيتا فلين. وستتاح الفرصة لمدرسي العلوم والطلبة لمناقشة الجانب العلمي الخفيف مع كوينتن كوبر من ال BBC وديفيد جيمس من جامعة شيفيلد هالام في المقهى العلمي حول علم كرة القدم.
وسيتحدث كوينتن عن تجربته مع مشروع كيب فيرويل، والذي يعتبر نفسه بمثابة "رد الفعل الحضاري تجاه التغيير المناخي".
ومن المقرر أن يتم توفير ترجمة فورية (من الإنجليزية للعربية وبالعكس) في كل المناقشات وورش العمل العلمية، وسيكون بالإمكان تسلم سماعات الترجمة لم يتقدم بإثبات شخصية، في حين ستكون المقاهي الثقافية باللغة الإنجليزية فقط

الأحد، 18 يناير 2009

دليل الدعاء من الألف الى الياء

إنَّ مقتضى إيمان المرء بالله سبحانه وتعالى إلهاً واحداً وربًّا معبوداً أن يلجأ إليه؛ وبخاصَّةٍ في المُلِمَّات، والإنسان يعرف ضعفه، فإنَّه كثيراً ما يصادف ظروفاً وأحوالاً لا يملك في مواجهتها حيلة، أمَّا المؤمن فهو يأخذ بالأسباب، وفي نفس الوقت يستعين بالله عزَّ وجلّ، أمَّا غير المؤمن فقد يهاجمه اليأس، أو يركن إلى الأسباب الماديَّة وحدها. والنفس الإنسانيَّة مهما بلغت قوَّتها، ومهما بلغ غناها، تحسُّ دائماً في ساعة العسرة بالضعف، وحاجتها إلى من يحميها وينقذها من وحدتها ويزيل عنها المكروه. الدعاء هو العبادة: والدعاء من العبادات، بل هو العبادة الحقيقيَّة ذاتها، لدلالته على إقبال العبد على الله عزَّ وجلَّ والإعراض عمَّن سواه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح. والله سبحانه وتعالى قريبٌ من عباده، وهو عزَّ وجلَّ يبادر بإجابة دعواتهم، حيث قال عزَّ وجلّ: "وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان"، والعبد الذي يدعو يمكنه أن يتقرَّب إلى الله سبحانه وتعالى بوسيلةٍ من الوسائل تُزيد من رجاء القبول والاستجابة؛ فالوسيلة هي المنـزلة والدرجة والقُربة، والتوسُّل إليه سبحانه وتعالى هو أن تتقرَّب إليه بعملٍ صالح. تحري الأوقات الفاضلة وأحوال القرب: هناك أوقاتٌ وأحيانٌ وأحوالٌ فاضلة، يستطيع المرء إذا تحرَّى الدعاء فيها كان لله عزَّ وجلَّ متوسِّلاً متقرِّبا، وصار دعاؤه أقرب للإجابة، فهناك ساعةٌ في يوم الجمعة، إن وافقناها أُعطِينَا، وساعةٌ كلَّ ليلة، للدنيا والآخرة، وهناك وقت السَّحَر، فلنتوسَّل إلى الله عزَّ وجلَّ بتحرِّي هذه الأوقات للدعاء والاستغفار. والمؤمن يدعو ربه أينما كان وفي أية ساعة، ولكن هذه الأوقات والأحوال والأماكن تخص بمزيد عناية، فإنها مواطن يستجاب فيها الدعاء بإذن الله تعالى. ومن تلك الأحوال والأوقات: ليلة القدر، ودُبُر الصلوات الخمس، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وعند شرب ماء زمزم مع النيَّة الصادقة، وفي السجود في الصلاة، وعند التأمين في الصلاة، ودعاء الغازي في سبيل الله، والدعاء عند المريض، ودعاء يوم عرفة في عرفة، والدعاء في شهر رمضان، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند المصيبة، ودعاء الوالد لولده، ودعاء المسافر، ودعاء المضطَّرّ. كما قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الربّ: وعزَّتي لأنصرنَّك ولو بعد حين"رواه الترمذيّ، وقال: حسن. ومن الوسائل الكريمة التي تؤهِّل دعاء العبد للإجابة: أن يدعو لغيره، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أَنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثل"رواه مسلم. وكذلك طلب الدعاء من الصالحين، وقد فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك، فعن أسير بن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفِيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مرادٍ ثمَّ من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك بَرَصٌ فبرِأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ ثمَّ من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبرِأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له.رواه مسلم. الاستجابة أكيدة: وعندما يرفع المؤمن دعاءه إلى الله عزَّ وجلّ، ينبغي أن يوقن بالإجابة، فعن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي"رواه البخاري. لذا فإنَّنا نعزم في الدعاء ولا نستثني، والعزم هو أن نطلب ما نريد بلا تردُّدٍ ولا تعليقٍ للأمر، والاستثناء عكس العزم؛ وهو أن نعلِّق الاستجابة على مشيئة الله سبحانه وتعالى، وبما أنَّنا نعتقد أنْ لا شيء يُلزِمُ المولى عزَّ وجلّ، فقد أُمرنا أن نعزم في الدعاء ولا نُعَلِّقه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنّ: اللهمَّ إن شئت فأعطني، فإنَّه لا مستكره له"رواه البخاري. نصون سلاح الدعاء: إنَّ كلَّ سلاحٍ يحتاج للصيانة ليبقى صالحاً للاستعمال، وصيانة سلاح الدعاء تكون: - بتحرِّي الحلال. - بالقيام بواجب الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّها الناس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيُّها الرسل كلوا من الطيِّبات واعملوا صالحاً إنِّي بما تعملون عليم"، وقال: "يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم" ثمَّ ذكر الرجل يُطيل السفر، أشعث أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك"رواه مسلم. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأمينٌ للإجابة: قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مُروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم"رواه ابن ماجه، بسندٍ حسن. فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة، فليقُمْ بهذا الواجب. أسباب عدم إجابة الدعاء: إضافةً إلى ما سبق، فهناك أسبابٌ تمنع استجابة الله عزَّ وجلَّ لدعاء العبد، ذكرها إبراهيم بن أدهم حينما مرَّ بسوق البصرة، فسأله الناس: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأنَّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله ولم تؤدُّوا حقَّه، وزعمتم أنَّكم تحبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنَّته، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدُّوا شكرها، وقلتم: إنَّ الشيطان عدوٌّ لكم، ولم تخالفوه، وقلتم: إنَّ الجنة حقّ، ولم تعملوا لها، وقلتم: إنَّ النار حقّ، ولم تهربوا منها، وقلتم: إنّ الموت حقّ، ولم تستعدوا له، وانتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بهم. من آداب الدعاء: وللدعاء آداب، منها: الإخلاص لله تعالى، والوضوء قبله، وأن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثمَّ بالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويختم بذلك، واليقين بالإجابة، والإلحاح وعدم الاستعجال، وحضور القلب، والدعاء في الرخاء والشدَّة، وعدم الدعاء على الأهل والمال والولد والنفس، وخفض الصوت، وعدم تكلُّف السجع، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وأن يبدأ بنفسه إذا دعا لغيره، وتحرِّي أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال والأوضاع والأماكن التي هي من مظانِّ إجابة الدعاء. أخطاء تقع في الدعاء: أن يشتمل الدعاء على شيءٍ من التوسُّلات الشركيَّة أو البدعيَّة، وتمنِّي الموت، وسؤال الله ذلك، والدعاء بتعجُّل العقوبة، والدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنعٌ عقلاً أو عادةً أو شرعا، والدعاء بأمرٍ قد تمَّ وحصل بالفعل وفُرِغ منه، وأن يدعو بشيءٍ دلَّ الشرع على عدم وقوعه، والدعاء على الأهل والأموال والنفس، والدعاء بالإثم كأن يدعو على شخصٍ أن يُبتلَى بشيءٍ من المعاصي، وتحجير الرحمة، كأن يقول: "اللهمَّ اشفني وحدي فقط، وارزقني وحدي فقط"، وأن يخصَّ الإمامُ نفسَه بالدعاء دون المأمومين إذا كانوا يُؤمِّنون وراءه، وترك الأدب في الدعاء، والدعاء على وجه التجربة والاختبار لله عزَّ وجلّ، كأن يقول: "سأجرِّب وأدعو لأرى أيستجاب لي أم لا؟"، وقول بعضهم: "سأدعو الله فإن نفع وإلا لم يضرّ"، وكثرة اللحن أثناء الدعاء، واليأس وقلَّة اليقين من إجابة الدعاء، ودعاء الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنَّة، والمبالغة في رفع الصوت، وتصنُّع البكاء ورفع الصوت بذلك. مقامات الدعاء مع البلاء: وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. والثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوَى عليه البلاء، فيصاب به العبد. والثالث: أن يتقاوما ويمنع كلُّ واحدٍ منهما صاحبه. وقد روى الحاكم في مستدركه بسندٍ صحيحٍ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُغنِي حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع ممَّا نزل وممَّا لم ينـزل، وأنَّ البلاء لينـزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان- أي: يصطرعان- إلى يوم القيامة". ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: "ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا ربّ، يا ربّ، لعلَّ الله عزَّ وجلَّ أن ينجيه". كتبٌ في الدعاء: أمَّا عن الكتب التي تناولت الدعاء وفلسفته، فيأتي على رأسها كتاب "إحياء علوم الدين" لحجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، وكتابا "زاد المعاد"، و"الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب" للعلاَّمة ابن القيِّم، وكتاب "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي. ومن الكتب المعاصرة: - "فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء" لفضيلة الشيخ محمد الغزالي. - "الدعاء المُيَسَّر" للأستاذ أحمد عيسى عاشور - "مفاتيح السماء من مختارات الدعاء" للأستاذ طه عبد الله عفيفي. - "الدعاء من الكتاب والسنَّة" للشيخ سعيد بن وهف القحطاني. مسألة أن ترك الدعاء في الأمور الماديَّة: أمَّا مسألة أن نترك الدعاء في الأمور الماديَّة، فلا أؤيِّدك ذلك، لأنَّ الله تعالى إذا كلن كريماً جوادا، فلماذا نكون نحن بخلاء؟؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء"رواه الطبرانيّ، بسندٍ صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء"رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه، بسندٍ صحيح. فلا تضيِّق واسعا، فتخسر هذه الفرصة".

السبت، 17 يناير 2009

الجيش الاسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تحلل الأجساد وتبقيها هياكل عظمية

أكدت مصادر طبية بمستشفى الشفاء أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تستخدم لأول مرة ولم يشهد لها مثيل من قبل، موضحة أن تلك الأسلحة تتسبب فى تحلل الأجساد وإذابتها وإبقائها هياكل عظمية.
وقالت المصادر "إن هذا ما اكتشفناه عندما توجهنا إلى برج الكرامة وأخرجنا من أحد الشقق ثلاثة شهداء لحومهم ذائبة لم يبق من أجسادهم إلا العظام"، مؤكدة أن القذيفة التى استهدفتهم "فتاكة جدا وما شاهدته لا يوصف ولا يمكن رؤيته".
وأوضحت المصادر "أنه عند تفقد منطقة تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة وجدنا فى الشقق والأبراج التى تعرضت للقصف مادة شبيهة بالبودرة والطحين لها آثار فتاكة منها الصعوبة فى التنفس وحروق بدرجات عالية تعمل على تحليل الأجسام"، مشيرة إلى أنه خلال المعاينة بالمستشفيات هناك الكثير ممن تحللت أطرافهم العليا والسفلية وتم بترها إضافة إلى استشهاد 7 جرحى متأثرين بالحروق البالغة التى أصيبوا بها.
وعن معاناة الجرحي الفلسطينيين قال تقرير لصحيفة الشرق الاوسط عن شاب الفلسطيني يدعي أحمد نصر أبو جرادة/ 18 سنة انه كان يقف أمام باب بيته في غزة، حين أصيب في قصف إسرائيلي، ولا يذكر، وهو يرد بالكاد على سائليه، إن كان من صاروخ أو قنبلة طائرة أو دانة مدفع.
لكن المشكلة لا تكمن في تهتك لحم فخذيه وتحطم عظام ساقيه؛ فبحسب رواية أطباء مستشفى العريش العام بمصر أمكن السيطرة على هذه الإصابات المعتادة، أما ما لم يتمكن الأطباء من علاجه فيكمن في انفجارات بالشرايين والأوردة خاصة في المنطقة المحيطة بالمعدة وما حولها.
وقال مدير الصحة في محافظة شمال سيناء طارق المحلاوي إن «أبو جرادة»، بعد أن بدأ يتعافى من إصابته بتهتك خاصة بالساق اليمنى، ظهرت مشاكل جديدة في جدار البطن والجهاز البولي وأنه يجري متابعة حالته لمعرفة مدى تأثره بما يمكن أن يكون قد تعرض له من سلاح إسرائيلي غامض، ودراسة ما إذا كان يمكن السيطرة على التداعيات التي تحدث في جسد «أبو جرادة» من عدمه، وأنه والفريق الطبي بمستشفى العريش يجرون أبحاثا «حول هذا النوع من الإصابات التي يسببها هذا السلاح الإسرائيلي غير المعروف».
ومع تزايد عدد الجرحى القادمين للعلاج وغموض الأسلحة التي أصيبوا بها، تمت مضاعفة عدد الأطباء في أقرب أكبر مستشفيين مصريين من الحدود مع غزة، وهما، إضافة لمستشفى العريش، مستشفى مبارك العسكري.
وقالت السلطات الطبية إنه تم تعزيز الأطقم الطبية في الأسبوعين الماضيين بـ 120 طبيبا واستشاريا متخصصا جاءوا من القاهرة، وعدد كبير من الممرضين والعمال وسيارات الإسعاف وطائرات الإسعاف المجهزة طبيا، والأدوية وأسطوانات الأوكسجين وغيرها.
ويعكف أطباء مصريون على حل لغز إصابة فلسطينيين بإصابات غامضة، غير معهودة، جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة بأسلحة يعتقد أنها محرمة دوليا، بعد وصول عشرات من أولئك الجرحى للمستشفيات المصرية في الأيام الأخيرة.
وبعد أن وَقَفَتْ على مشاهد لجراح الفلسطينيين غير القابلة للعلاج، اتخذت ليلى السيد الطليمي العاملة بمستشفى العريش منذ 25 سنة، ولديها ثلاث بنات يعملن في التمريض بذات المستشفى، جانبا، وأخذت تبكي، قائلة إن هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها الأطباء وهم يقولون إنهم لا يعرفون ما هو العلاج لجريح يصرخ من الألم طوال النهار والليل حتى يفقد الوعي.
وبعد عجز مستشفى الشفاء، أكبر مستشفى في قطاع غزة، في علاجه من تهتك في البطن، وصل لمستشفى العريش الشاب الفلسطيني خضر سلطان، وقال مسؤولو المستشفى إنه يجري معالجة سلطان من تفجر في شرايينه وتهتك في أوردته، إضافة لمحاولات لعلاج طفل يبلغ من العمر 11 عاما من إصابات مماثلة ضمن الجرحى الفلسطينيين بمستشفى مبارك العسكري.
ولم تعلن إسرائيل بشكل كامل عن أنواع الأسلحة التي تستخدمها في حربها ضد قطاع غزة، والتي من الممكن أن تكون السبب في الأنواع الغريبة والخطيرة من الإصابات التي لا يستطيع الأطباء السيطرة عليها.
وفي مستشفى بنها الدولي للأطفال بدلتا مصر، يعكف الدكتور محمد ناصف، وزملاؤه، على دراسة نوع الإصابة التي تعرض لها طفل فلسطيني يقومون بعلاجه، يدعى صهيب محمد طلال سلمان، وأشار ناصف إلى أن هناك مؤشرات على وجود أمر غير طبيعي في جسد الطفل البالغ من العمر 14 شهرا.

الخميس، 15 يناير 2009

فتوى حول أنفاق غزة

فتوى حول أنفاق غزة

أنفاق غزة الملاذ الأخير للفلسطينيين لمواجهة الحصار

ما حكم هدم الأنفاق التي يتم تهريب الذخائر والأسلحة والغذاء والحاجات الأساسية للمجاهدين في غزة من خلالها؟ وما حكم من يشارك في الدلالة على الأنفاق أو في هدمها؟!

* يجيب عن السؤال فضيلة الشيخ/ د. عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث بجامعة الأزهر الشريف:
الجهاد في سبيل الله أشرف الأعمال وأفضلها، وقد فضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا؛ درجاتٍ منه ومغفرةً ورحمةً، وقد دعا الله إليه بالمال والنفس واللسان، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ".

وقد حضَّ الإسلام على مساعدة المجاهدين بالمال وإمدادهم بالسلاح، وعدَّ من يفعل ذلك مشاركًا للمجاهد في عمله، حاصلاً على مثل أجره؛ فأخرج البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا"، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ"، وفي رواية للبيهقي "وَالْمُمِدَّ بِهِ"، فسوَّى النبي صلى الله عليه وسلم بين صانع السلاح والمجاهد الذي يرمي به، وبين الذي يناوله للمجاهد أو يدفع ثمنه له.

فإذا تعرَّض المسلم والمجاهد للظلم واعتداء الأعداء؛ وجب على كل مسلم إعانته بما استطاع، ولا يحلُّ للمسلم أن يخذل أخاه إذا طلب نصرته ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: 72)، وأخرج البخاري ومسلم عَنْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

ومن ثم فإن أيَّ مسلم يتخلَّى عن هذا الواجب ويُسلم إخوانه لأعدائهم أو يتوقف عن تفريج كربتهم ومساعدتهم في شدتهم- فضلاً عن أن يضرَّ بهم أو أن يعين عليهم عدوَّهم- فهو آثم آثم آثم.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من يخذل أخاه في مثل هذا الموطن؛ فأخرج أبو داود والبيهقي وغيرهما عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الأنصاريِّ قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ".

وبناءً على ما سبق يكون هدم تلك الأنفاق التي يستعين بها المجاهدون في توفير حاجتهم من العتاد والسلاح وغيره من الأمور المحرمة تحريمًا قاطعًا، وقد أخرج الترمذي وحسَّنه عَنْ أَبِي صِرْمَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ"، وأخرج الترمذي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ".

وتشتد الحرمة حين يقع هذا في وقت الحرب كما هو حاصل الآن في غزة، ولا يجوز لمسلم أن يشارك في هذا الأمر، أو أن يدل على وجود مثل تلك الأنفاق، ولا عذر لمسلم في هذا الأمر كائنًا من كان، وأيًّا ما كانت التهديدات التي يتعرض لها، حتى لو أمَرَت بذلك السلطة والحكومة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا خيرَ في الأمة إذا لم يؤخذ فيها للمظلوم حقه، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو المجاهد الذي يدافع عن الأمة، أخرج البيهقي عن بُرَيْدَةَ بنْ الحصيب رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَعْجَبُ شَيءٍٍ رَأَيْتَ؟" قَالَ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ مِنْ طَعَامٍ، فَمَرَّ فَارِسٌ يَرْكُضُ فَأَذْرَاهُ فَجَعَلَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا وَقَالَتْ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ! فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا: "لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ"، أَوْ: "كَيْفَ قُدِّسَتْ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ".

فإذا كانت الأمة التي تقف سلبيةً أمام مثل هذا الظلم الفردي يكتب الله لها الهلكة؛ فكيف إذا تعاون بعض أفراد الأمة على بعض، ومنع بعضها السلاح عن بعض؟!

إن هدم الأنفاق المذكورة أو الدلالة عليها يُعَدُّ من الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يجوز لمسلم كائنًا من كان أن يشارك في ذلك، والله أعلم.

الأحد، 11 يناير 2009

ظاهرة الشهادة والاستشهاديين



د. عبد الرحمن البر


يتعجب كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني من تلك الروح العجيبة التي تملأ قلوب المجاهدين، ومن تلك الهمم العالية التي يتمتع بها المجاهدون الاستشهاديون، الذين ينطلقون في سبيل الله لا يوقفهم ترهيبٌ ولا ترغيبٌ ولا يشغلهم زخرفٌ ولا متاعٌ، ولا تشدهم إلى الأرض أيةُ غرائز أو شهوات.

إن هذه الصورة الأكمل والأعظم من صور الجهاد بالنفس وذلك السلاح العظيم الذي غيَّر ميزانَ القوى في المعركة مع الصهاينة المجرمين، قد شغلت المراقبين للأوضاع وباتوا يتساءلون عن سر ذلك السلاح الذي كشفه وجلاه أحمد ياسين وإخوانه وتلاميذه للدنيا، بعد أن كان قد طُوِي منذ زمن بعيد.

فهذا المجاهد يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه لا يكون إلا مرةً واحدةً، وأن أجلَ الله إذا جاء لا يُؤَخَّر، ولهذا لا يتردد عند الوَغَى، ولا تَهزه زخاتُ الرصاص ولا أزيزُ الطائرات ولا هديرُ المجنـزرات ولا جلبةُ الدبابات ولا رعودُ القاصفات، فإن كتب الله له الشهادة فقد فاز بإحدى الحسنيين وأعز الفضليتين.

إن تلك النماذج الرائعة من الرجال والنساء الذين يُقْدِمون على افتداء أمتهم بأرواحهم فيُحْدِثون في أعداء الله أشد أنواع النكاية والإثخان لهم دليلٌ واضحٌ على ما تفعله العقيدةُ الحيةُ بالنفوس، ويرحم الله الإمام الشهيد بإذن الله حسن البنا الذي قال: "أيها الإخوان، إن الأمة التي تحسن صناعةَ الموت، وتعرف كيف تموت الموتةَ الشريفةَ؛ يَهَب الله لها الحياةَ العزيزةَ في الدنيا، والنعيمَ الخالدَ في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حبُّ الدنيا وكراهية الموت، فأعِدُّوا أنفسَكم لعملٍ عظيم، واحرصوا على الموت تُوهَب لكم الحياة".

لقد بعث هؤلاء المجاهدون الاستشهاديون في الأمة معاني كثيرة كان النسيانُ وطولُ الأمد قد طواها، وانتهض بناء الأمة على جثث أولئك الشهداء يسمق ويتطاول عزةً وإباءً وعزماً ومضاءً، حتى يبلغ غايته إن شاء الله.

فلماذا يتحمل هؤلاء الشباب كل هذه المهمة الثقيلة برضا نفس وعن طيب خاطر؟ هذا ما تجيب عنه الآيات الكريمة والأحاديث العظيمة في هذه الحلقات من الحديث عن الشهادة في سبيل الله.

فضل الشهادة وسر اندفاع المجاهدين إليها
أ- الشهادة هي الحياة الحقيقية:
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)﴾ (البقرة) وقال عز من قائل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)﴾ (آل عمران).

إن الشهادة في سبيل الله هي الحياة حقًّا، بها يغلب الإنسان غريزة حب البقاء وطول الأمل وإرادة الخلود التي أغرى بها الشيطان آدم عليه السلام؛ ليستنـزله من الدرجة الرفيعة والدار العالية البهية التي بوَّأه الله إياها، حين قال له: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (طه: من الآية 120) فقد أوهم إبليس آدم وزوجه، فأطمعهما أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، ويبقيا خالديْن بلا موت.

نعم إن الشهيد هو الذي قهر تلك الإرادة، ورضي بحياة حقيقية في جوار الله، دفع في مقابلها روحه وماله، فقبل الله البضاعة وقدَّم لصاحبها ذلك الثمن النفيس الفردوس الأعلى فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

قال العلماء في تفسير هذه الآية: لا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسنَ ولا أبلغَ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد، عاقدُه: رب العزة، وثمنُه: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومكان التسليم: أرضُ المعركة، وإليه الإشارة بقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "... وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ولم يجعل اللهُ المعقودَ عليه كونَهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعله مُسجَّلاً في الكتب السماوية، وناهيك به من صدقه! وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده! تنسيئُه سبحانه (أي ما أخَّره من الوعد) أقوى من نقد غيره! وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم.

إن الشهيد يقدم روحه فداء لدينه، وعزة لأمته، فيموت عزيزًا لتحيا أمته عزيزة، ويبقى دينه خالدًا مرفوعًا، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولهذا استحق هذا الشهيد بجدارة أن يكتب الله له الحياة السعيدة.

لأجل هذا يتسابق العقلاء المخلصون في طلب الشهادة، وهم يعلمون معناها ويدركون أين يطلبونها، فيسعون إلى الجهاد غير هيابين ولا مترددين، فقد صحح ابن حبان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: "أَنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ، وَيُهْرَاقَ دَمُكَ".

وصحح ابن حبان أيضًا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضلَ ما تُؤْتي عبادَك الصالحين، فلما قضى النبي- صلى الله عليه وسلم- الصلاة قال: "مَن المُتَكَلِّمُ آنِفاً؟" قال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: "إِذاً يُعْقَرُ جَوَادَُُك، وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى".

هذا هو السبيل لتحصيل أفضل ما أعطى الله عباده الصالحين، أن يموتوا ليحيا دينهم، ويستشهدوا لتعز أممهم.

ب- الأنبياء يفضلون الشهداء بدرجة النبوة فقط:
نعم تلك هي درجة الشهداء المخلصين، التي تلي درجة الأنبياء مباشرة، فقد صحح ابن حبان عن عتبة بن عبد السلمي وكان من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:
"القَتْلَى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَلِكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ، فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، وَلا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلاّ بِفَضْلِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ.

وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِه وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَتِلْكَ مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ؛ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.

وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفَاقَ".

الله الله! ما أكرمها منزلة! وما أرفعها درجة! ولم لا وقد أقدم حين أحجم المترددون، وجاهد حين قعد المخلفون، وباع روحه لله حين أمسك الجبناء والمخذولون.

ج- الله تعالى يعجب من همة الشهيد:
أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "عَجِبَ رَبُّنَا عز وجل مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ أَهْلِهِ وَحِبِّهِ، فَيَقُولُ رَبُّنا: أَيَا مَلائِكَتِي، انْظِرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، ومِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الفِرَارِ وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ".

د- النبي- صلى الله عليه وسلم- يتمنى الشهادة:
بلغ من رفعة الشهادة أن أفضل الخلق- صلى الله عليه وسلم- كان يتمناها، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ؛ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ".

هـ- الشهيد يتمنى أن تتكرر شهادته:
حين يرى الشهيد كرامته عند الله وما أعد الله له من الدرجات العالية، يدرك أنه اشترى غاليًا برخيص، وباع خسيسًا بنفيس، فيتمنى أن يُعاد إلى الدنيا؛ ليكرر عمله العظيم وجهاده الرائع، لولا أن الحق قد سبقت كلمته أنهم إليها لا يرجعون، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

وفي رواية عند البخاري وابن حبان: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ".

وفي رواية عند ابن حبان: "مَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَحَدٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ عَشْرَةُ أَمْثَالِهَا إِلاَّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْفَضْلِ".

وأخرج الضياء في المختارة بسند حسن عن عبادة بن الصامت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ وَلَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَإِنَّ لَهَا الدُّنْيَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

و- الشهداء يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم:
يقول الله تبارك وتعالى ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، إن من أعظم علامات الإيمان الصادق والأخوة الوثيقة التي تربط الشهداء الذين سبقوا إلى الله بإخوانهم الذين ينتظرون: أن الشهداء يرغبون في أن يعرف إخوانهم ما نزلوا فيه من الخير، وما آلوا إليه من النعيم المقيم؛ ليجتهد الخامل وينشط الكسول ويخف الثقيل، ولتتحرك الأشواق إلى لقاء الحنان المنان جل وعلا في صحبة الأنبياء والصديقين، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بَعَثَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ- صلى الله عليه وسلم-.

وأخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ".

إن المؤمن المجاهد لا ينسى في غَمْرَةِ فرحه بالجنة ونعيمها إخوانَه الذين ساروا معه على الدرب، ويرجو أن يُعَرِّفَهم ما سِيقَ إليه من الخير الذي ينتظرهم؛ ليخِفُّوا للجهاد والاستشهاد، ومن قبل ذلك قال الرجل الصالح الذي دعا قومَه لإتباع الرسل فأبَوْا عليه وقتلوه، حين نزل في مقعد الصدق وقيل له ﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس).

وفي المقال القادم أسوق إليك أيها الأخ الكريم عشرًا من ثمرات الشهادة، وكرامات الشهيد عند ربه، من فيض ما ذكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حديثه، لتعرف سر اندفاع أصحاب الهمم العالية نحو الشهادة، وأسأل الله العظيم أن يرزقنا إياها، ويجعلنا من أهلها.

الكرامات العشر للشهيد في سبيل الله
مما يدفع المجاهدين إلى طلب الشهادة علمُهم بما أعدَّ الله للشهيد من الخير والكرامة في الدنيا والآخرة، بحيث لا يجد المؤمنُ بوعد الله مفرًّا من القبول بالصفقة الربانية الرابحة التي عرضها الله تبارك وتعالى في قوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ (الصف).

وهاك عشرًا من الكرامات التي أعدها الله للشهيد:
1- تخفيف ألم القتل على الشهيد:
فمن رحمة الله بهذا العبد المخلص المجاهد أن يُهَوِّن عليه الألم فلا يجد ألمًا لما يصيبه من القتل، إلا شيئًا يسيرًا: فقد أخرج الضياء المقدسي في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عَضَّةُ نَمْلَةٍ أَشَدُّ عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ مَسِّ السِّلاحِ، بَلْ هُوَ (أي القتل بالسلاح) أَشْهَى عِنْدَهُ مِنْ شَرَابٍ بَارِدٍ لَذِيذٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ".

وأخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مَسَّ الْقَتْلِ إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ الْقَرْصَةِ".

فسبحان من يرحم أولياءه ويعطف على أهل كرامته!.
2- تجب له الجنة بمجرد الشهادة:
كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

بل هو في الدرجات العلا من الجنة، فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".

على أن بعض الروايات تذكر أن حارثة لم يكن قتل يوم بدر في قتال، بل انطلق ينظر ما صنع القوم، فأصابه ذلك السهم الغرب، فقد أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن أنس قال: انْطَلَقَ حَارِثَةُ ابْنُ عَمَّتِي يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- غُلامًا نَظَّارًا، مَا انْطَلَقَ لِلْقِتَالِ، قَالَ: فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّهُ عَمَّتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي حَارِثَةُ إِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِلاَّ فَسَيَرَى اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ حَارِثَةَ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى".

فإن كان حارثة في الفردوس الأعلى مع ذلك، فما ظنك بمن خرج مقاتلاً، ولقي العدو مقبلاً غير مدبر‍؟

3- يُغْفَر للشهيد مع أول قطرةٍ من دمه ذنوبُه كلُّها إلا الدَّيْن:
من كرامة الشهيد على ربه أن يغفر الله ذنوبَه وخطاياه كلها إلا الدَّيْن- لأنه حق العباد- مع أول قطرة من دمه الزكي الطاهر، فقد صحح الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْن".

كما صحح عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُهْرَاقُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ".

وأخرج النسائي وصححه ابن حبان عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّى خَطَايَايَ؟َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ". فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "كَيْفَ قُلْتَ؟". فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ إِلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ".

4- يُزوَّج من الحور العين قبل أن تجف دماؤه:
إن الذي ترك زينة الدنيا، وأعرض عن مصاحبة وملاعبة الغيد الحسان من أهلها؛ طمعًا فيما عند الله، ورغبةً في إعلاء كلمة الله لحقيق بهذه الكرامة الإلهية والمنحة الربانية، فلا يكاد دمه يسيل حتى يكون قد زُفَّ إلى الحور العين، فقد أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ذُكِرَ الشُّهَدَاءُ عِنْدَ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "لاَ تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ (يعني مرضعتين) أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنَ الأَرْضِ، وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وكم من شهيدٍ أخلص نيَّتَه وصدق في طلبه، فأُري في منامه الحورَ الحسانَ تستعجلن مقدمه في شوقٍ ولهفٍ.

5- تظلله الملائكة بأجنحتها:
الشهيد المبارك الذي استرخص روحه في سبيل الله، وهانت عليه الدنيا بزخرفها جدير بأن تحتفي به الملائكة، فتظلله حتى يُرفع من موضع استشهاده، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَمَّا قُتِلَ أَبِي (يعني في غزوة أُحُد) جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: "تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ، مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ".

6- يُحفظ من فتنة القبر:
فتنة القبر وسؤال الملكين فيه هو أشد ما يلقى الإنسان عقب موته، حتى كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من فتنة القبر، ويحض على التعوذ بالله منها، لكن الشهيد الذي صبر للسيوف اللامعة والرصاص القاتل والصواريخ المدمرة وهو يرى الموت يحصد النفوس ويقطع الرؤوس، يجعل الله ما رأى وعاين من تلك الشدائد في الميدان وعند الموت حظَّه من تلك الفتنة، وينجيه منها، فينجو من هول المطلع وشدة السؤال، فقد صحح الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَقِيَ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ".

وأخرج النسائي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".

7- يكلمه ربه كفاحًا أي مواجهة بلا واسطة:
كيف لا، وقد باع لله نفسَه! واسترخص في سبيل الله روحَه! وآثَرَ ما عند الله على الدنيا وما فيها! فقد أخرج الترمذي وحسَّنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ: "أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟". قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يُرْجَعُونَ" قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران).

يا بشرى تلك العين الكريمة التي تلذذت بالنظر إلى وجه الله الكريم! وتلك الأذن العظيمة التي تلذذت بهذا الخطاب الرحيم! وذلك اللسان الطيب الذي خاطب العلي الأعلى جل وعلا! ولئن كان ذلك عقب استشهاده ونحن في الدنيا، فما ظنك بكرامة ذلك الشهيد على الله يوم لقائه والعرض عليه؟.

8- تطير روحه في الجنة وتَعْلُق بأغصانها حيث شاءت:
ألا ما أكرم الشهيد على ربه، وما أرفع منزلته عنده! إذ تُحَلِّقُ روحُه في رياض الجنة وتسرح فيها حيث شاءت، حتى ترده إلى جسدها يوم القيامة، فتنال الجائزة الكبرى والفوز العظيم، وقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

وأخرج أبو داود وصححه ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".

وأخرج مسلم عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (يعني ابن مسعود رضي الله عنه) عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران). قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ (يعني سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاَعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".

9- يُبْعَث الشهيدُ يوم القيامة وريحُ دمه ريحُ المسك:
إن هذا الدمَ الزكيَّ النفيس الذي أهريق في ذات الله لهو أنفس وأغلى ما يُبذَل، ولئن كان الموتى تتغير روائحُهم وروائحُ دمائهم فإن الشهداء سيُعْرَفون بين الناس يوم القيامة حين يُبْعَثون بدمائهم، اللونُ لونُ الدم والريحُ ريحُ المسك، وتلك آيةٌ لهم خاصة، حتى يعرف الأشهادُ كرامةَ الشهداء عند الله، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ".

وصحح ابن حبان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ، وَمَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ".

وفي رواية عند ابن حبان أيضًا: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحُهُ كِرِيحِ المِسْكِ، لَوْنُهُ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ مُخْلِصًا أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ".

ولذلك أُمر بأن يُزَمَّل الشهيد في دمه، ولا يُمْسَح عنه الدم، حتى يخرج به آية يوم القيامة، فقد أخرج الترمذي وحسَّنه، وصححه ابن حبان عن عبد الله بن ثعلبة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لِقَتْلَى أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ".

10- هو أول من يدخل الجنة مع الأولين:
حُق للشهيد وقد باع لله روحه، وأسلم لله نفسه، ولم يبخل بحياته في سبيل دينه أن يكون من أول الداخلين إلى الجنة، بل أن ينزل في الجنة في أحسن دورها وأعلى قصورها، فأخرج الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ".

وصحح ابن حبان عن سَمُرَة بن جُنْدب قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الغداة (يعني الفجر) أقبل علينا بوجهه، فقال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟" فَسَأَلَنا يَوْمًا، ثم قال: "أُرِيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ فَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنََ مِنْهَا، فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".

فهل أدرك المتعجبون بعض أسرار اندفاع المجاهدين المخلصين لنيل الشهادة وسر تسابقهم إلى الفوز بها؟ هنيئًا للشهداء تلكم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، والله نسأل أن يبلغنا منازلهم.

كرامة الشهيد في أهله وماله
مما لفت نظر كثير من الناس: هذا الاحتضانُ العجيبُ من قِبَل الشعب الفلسطيني للاستشهاديين، وخصوصًا أولئك الآباء والأمهات الذين يفرحون باستشهاد آبائهم وبناتهم، ويستقبلون التهاني بالشهادة كأنها عرس لذويهم، فقد سمعنا السيدة أم نضال أم الاستشهاديين محمد ونضال وياسر فرحات تقول: "كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلاً يمكن أن يسير في طريق الجهاد".

ثم تقول لابنها محمد وهي تودعه ليفجر نفسه في الصهاينة وقد غلبها البكاء: "إياك أن تصدق دموعي؛ فإنها دموع أمّ تزفُّ ابنَها إلى الحور العين فأطعْ ربك، وجاهدْ، واثبتْ حتى تلقى ربك".

ثم توجِّه تلك السيدةُ العظيمةُ نساء الأمة، فتقول: "من يحب الله والوطن فلا يتوانى عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تُشْمِت الأعداءَ بشعبنا بدموعها على شاشات التلفزة". هذا هو نموذج الأم المسلمة التي تصنع أولئك الاستشهاديين، إنها أم تملك قلبَ الأم المحبة لأولادها، ولكن حبها لدينها وربها أعظم من حبها لبنيها، وإن قيمة الوطن عندها أغلى من أولادها وفلذات كبدها.

ولا يزال مثل هذا الموقف من أهالي الشهداء يثير إعجاب البعض وعجب البعض، ويحار الكثيرون في تفسير هذه الحالة الإيمانية العجيبة.

وفي هذا المقال الذي أختم به هذه المقالات أشير إلى ما يلحق أهالي الشهداء من ورائهم، وما يحصل من بركة في أموالهم، فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، ويبارك الله في ماله ونسله ويجعل عاقبة أمره كلها خير، فقد أخرج ابن حبان عن نمران بن عتبة الذماري (وكان أبوه قد استشهد في سبيل الله) قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام صغار، فمسحت رؤوسنا وقالت: أَبْشِرُوا يَا بَنِيَّ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا فِي شَفَاعَةِ أَبِيكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ".

ومسك ختام هذه الباقة ما أورده الإمام البخاري في صحيحه بعنوان (باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًَا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر)، حيث أخرج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لا أُرَانِي إِلا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي.

وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ- يَعْنِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ، وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلايَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ، حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ.

فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِلا أَرَضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ وَدَارًا بِالْكُوفَةِ وَدَارًا بِمِصْرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلا شَيْئًا، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ(1.200.000) قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنْ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي.

قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ (1.600.000) ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً (يعني يطلب أن يأخذ دينه جزءًا من الأرض) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ.

فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتْ الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ.

قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ".

أي أنه بعد سداد دين الشهيد الزبير رضي الله عنه أعطى الثلث الذي أوصى به لأبناء عبد الله، ثم قسم باقي الميراث على الورثة فكان نصيب المرأة الواحدة من نسائه الأربع مليونًا ومائتي ألف أي أن ثمن الباقي بعد الوصية بلغ أربعة ملايين وثمانمائة ألف، وكان جميع ماله خمسين مليونًا ومائتي ألف.

أرأيت هذه الكرامة العظيمة، وهذه البركة الكبيرة التي وضعها الله تبارك وتعالى في مال الغازي وفي تركته، وكيف سدد عنه دينه، وبارك لورثته فيما بقي من ماله، بعد أن ظنوا وظن غيرهم أن ماله أعجز من أن يقضي ديونه؟ وانظر إلى قول عبد الله بن الزبير: "فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ".
فما أكرم الشهيد على ربه!.

بشارات نبوية لعشاق الشهادة:
إليك أيها الأخ الحبيب هذه الجملة من البشارات والكرامات يزفها الحبيب- صلى الله عليه وسلم- إلى طالبي الشهادة وعاشقي الجنة، فقد أخرج الترمذي وصححه عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ".

نسأل الله أن يتقبل شهداءنا، وأن يختم لنا بشهادة صادقة يرضى بها عنا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-----------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر