الاثنين، 26 يناير 2009

افضحوهم! فهمي هويدي


حين كانت الطائرات الإسرائيلية تلقي أطنان قنابلها المسرطنة على قطاع غزة وتوزع الموت على ساعات النهار والليل، نشرت مجلة نيوزويك صورة على صفحتين كاملتين لجثة طفل فلسطيني من ضحايا الاجتياح، وبعد ذلك مباشرة صورة على صفحتين أيضاً لتابوت ملفوف بالعلم الإسرائيلي لأحد المستوطنين من ضحايا صواريخ المقاومة الفلسطينية.
وهذا الأسلوب في النشر ليس بريئاً بطبيعة الحال، ولكنه محمل برسالة تقول إن الإسرائيليين يقتلون الفلسطينيين حقاً، ولكن الآخرين بدورهم يقتلون الاسرائيليين، بما يعني أنه إذا كان الفلسطينيون يُقتلون فالاسرائيليون معذورون، ولكي يحقق النشر هدفه كان طبيعياً أن يتجاهل كاتب التقرير أي إشارة الى الاحتلال والحصار وإصرار الإسرائيليين على خنق القطاع وتدمير الحياة فيه، الأمر الذي استدعى المقاومة الفلسطينية أن تبعث برسائل الاحتجاج والغضب، وأن تتصدى بكل ما تملك من قوة لمساعي الخنق والتدمير.
تغييب الحقائق وتزويرها هم المحور الأساسي لما لا حصر له من التقارير والتحليلات التي تحفل بها الصحف الغربية الآن، والأميركية بوجه أخص. ومن يتابع هذه الكتابات يلاحظ أن اسرائيل تخوض الآن بعنف معركتها على الساحة الإعلامية لكي تغسل يديها من دماء الفلسطينيين وتبرئ ساحتها من الفظاعات والجرائم البشعة التي ارتكبتها طوال أسابيع حربها على القطاع.
سياسياً وقانونياً هم يرتبون انفسهم الآن، سواء بعقد صفقات مع الحكومات الأوروبية للحيلولة دون تقديم قادتهم للمحاكمة بتهم إبادة الجنس، واستخدام الأسلحة المحظورة أو بتزوير الأدلة التي يريدون بها إثبات ان قصف المدنيين كان خطأ ناشئاً عن وجودهم بين «المقاتلين»(!) أو أنه كان بسبب إطلاق صواريخ من مساكنهم، الى غير ذلك من الادعاءات والذرائع التي تتخلل سيل الكتابات التي تُنشر هذه الأيام.
أغلب الظن أن اسرائيل ستنجح في أن تكسب تأييد الحكومات.. وربما القضاء ايضاً إلى جانبها، لكن كسبها للرأي العام الغربي غير مضمون خصوصاً أن بعض المنابر الإعلامية في أوروبا بدأت تنشر صور الفظائع التي حدثت وتنقل تفاصيل الجرائم التي ارتكبت، وقد تحدث آخرون عن ضرورة الاهتمام في الوقت الراهن بتسجيل الوقائع وتوثيقها بالصور والتقارير الطبية وشهادات من بقي على قيد الحياة، فهذه كلها أدلة ينبغي ان تتوافر، إن لم تنفع في أي جهد قانوني أو ادعائي في الوقت الحاضر فيمكن الاحتفاظ بها للمستقبل لإثبات بشاعة الجريمة الإسرائيلية، والتدليل على مدى السقوط الأخلاقي ليس فقط من جانب الدولة العبرية ولكن ايضاً من جانب «المتحضرين» الذين ساندوها وتستروا على فعلتها.
أدري أن فرقاً طبية أوروبية ووفوداً صحافية وصلت الى القطاع، ولست أشك في أن هؤلاء سينقلون الى الرأي العام الغربي انطباعهم عما شاهدوه بصورة أو أخرى، لكن لدي اقتراحاً محدداً في هذا الصدد يتلخص في نقل نماذج من ضحايا المحرقة للعلاج في إحدى الدول الأوروبية لكي يرى العالم الغربي ما فعلته البربرية الإسرائيلية بهم.
ولست أشك في أن بعض الدول العربية على استعداد لتوفير طائرة خاصة لنقل وعلاج ما بين 20 و 30 شخصا، إلى جنيف أو باريس أو لندن أو أي عاصمة أوروبية اخرى توافق على استقبالهم، ولكي تصل الرسالة بشكل واف يتعين أن يكون أولئك الضحايا من الذين شوهتهم الأسلحة المحرمة دولياً، الذين فقئت أعينهم، وحرقت عظامهم وسلخت جلودهم وبترت اطرافهم.. الخ، ذلك أن وجود هذه الشهادات الحية في قلب أوروبا من شأنه ان يفضح الجريمة ويصدم الضمير الغربي بما ينبههم الى ان ما فعله الاسرائيليون بالفلسطينيين، أفدح مما فعله النازيون باليهود أما الذي فعلته بعض الأنظمة العربية بالفلسطينيين في هذه النكبة الجديدة فله حساب آخر.

الوجه الآخر لحماس


الوجه الآخر لحماس
عدنان أبوعامر

شعار حركة حماس
حضور حركة حماس في ميدان المقاومة لم يكن له أن يأتي على هذا النحو من القوة والثبات وتوالي التطور لولا أن هناك حضورا يسبق دوما هذا الحضور ويؤسس له، فقد ظل الحضور داخل ساحة الفعل الاجتماعي هو ما يمنح الحركة فرص التمدد وامتلاك القدرات الفاعلة في مختلف النواحي الخاصة بمفاصل الواقع الفلسطيني، وإذا كانت آلة الفعل المقاوم قد أدت دورها والذي يبدو دوما ظرفيا رغم أهميته من حيث طبيعة وقتية وقوعه، وخاصة عندما يكون شاملا وكثيفا، فإن آلة الفعل الاجتماعي تظل دوما في صدارة المشهد وبؤرة التطلعات، وفي الأحداث الأخيرة التي شهدها القطاع جراء العدوان الإسرائيلي تبدو مطالعة الدور الاجتماعي لحماس هامة للكشف عن السياق التاريخي لهذا الدور وكيفية تشكله، وما طبيعة تجلياته، وما يواجهه من تحديات؟.
في الوقت الذي يتفقد فيه الغزيون شهداءهم وجرحاهم، ويرمم السكان مبانيهم المدمرة، ويطمئن الأهالي على أعزائهم وأحبابهم في المستشفيات والعيادات الطبية، يبرز دور هام تقوم به المؤسسات الخيرية الاجتماعية، وهي تقف جنبا إلى جنب مع المؤسسات الحكومية، والمنظمات الدولية، في إغاثة الملهوف، وإعانة المكلوم.
ولعل اعتماد حركة حماس بقوة ملحوظة على هذه المؤسسات هو ما يجعلها مطمئنة إلى حد كبير على قدرتها على التغلب على حجم النكبة الجديدة التي حلت بسكان قطاع غزة، جراء التدمير الإسرائيلي، الذي استهدف البشر والحجر والشجر، فما هي هذه المؤسسات، وأهميتها، وفوائدها، وأبرز التحديات التي تعترضها؟
التأسيس التاريخي
شرع التيار الإسلامي الفلسطيني في مرحلتي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين في إنشاء مؤسساته الجماهيرية، أبرزها:
1- المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية وجمعية الصلاح الإسلامية، بفروعها المختلفة التي تقدم خدماتها الاجتماعية والإغاثية لعشرات الآلاف من الفقراء والمحتاجين والأسر المستورة، وربما يزداد دورها أهمية في مثل هذه المرحلة لتوفير الإعانات العاجلة لمنكوبي العدوان على غزة.
2- الجامعة الإسلامية: التي تستوعب في أروقتها ما يزيد على 15 ألف طالب وطالبة في مختلف التخصصات العلمية الحديثة، وتعتبر اليوم من أهم المؤسسات التعليمية في فلسطين، وقد حازت على العديد من شهادات التقدير من قبل أهم جامعات العالم.
3- دور القرآن الكريم: المنتشرة في مختلف أنحاء قطاع غزة، وتقدم دورات تدريبية لحفظ القرآن الكريم وترتيله، وقد خرجت العام الماضي ما يزيد عن 2500 حافظ وحافظة ممن هم في مرحلة التعليم الأساسي، وهو الرقم الذي شكل ذروة العمل في هذا المجال خلال السنوات الماضية.
وإلى جانب هذه المؤسسات الكبيرة، أنشأ الإسلاميون رياضا للأطفال والمدارس والمكتبات، وبنوكا للدم والعيادات الصحية، ومراكز التعليم المهنية للنساء والنوادي الرياضية، وجمع التبرعات للصدقات لمساعدة المحتاجين، وتوسيع نشاطات المؤسسات الخيرية، وبناء عدد من المساجد بجانب المراكز التعليمية الإسلامية.
وتعد هذه المؤسسات النواة التنظيمية الأولى للحركة الإسلامية في فلسطين، وأدى الوجود العلني لها ودورها الفاعل في النشاطات الثقافية والاجتماعية لزيادة نفوذها، وأثبتت السنوات التي تلت مرحلة بناء المؤسسات، أنها كانت عملية ثورية وتغييرا جوهريا في نمط التفكير لدى قيادة الإسلاميين الفلسطينيين، فلم يكن سهلا الخروج من قوقعة الانعزال، والإحساس بتآمر جميع الأطراف عليهم بعد سنوات من الملاحقة والضعف والدعاية ضدهم وضد أهدافهم.
وكانت عملية جريئة أن يخرج أبناء الحركة الإسلامية للشارع الفلسطيني يخوضون العمل الشعبي والاجتماعي، ويتعاملون مع الناس جميعا على اختلاف أفكارهم، وبالتالي استفادوا من تجربة المؤسسات فائدة عظيمة، حيث وفرت نمطا وشكلا من أشكال الحماية لنشاطاتهم في الأراضي المحتلة، وغدوا يمارسون كل فعالياتهم من خلالها.
وتعددت نشاطات تلك المؤسسات من مثل: تنظيم المحاضرات، إقامة المكتبات الإسلامية، المعرض السنوي للكتاب الإسلامي، إعادة طبع بعض الكتب الإسلامية، إنشاء رياض الأطفال، تأسيس مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، عقد دورات تقوية للطلاب في المساجد، إقامة لجان لجمع الزكاة والصدقات، تأسيس صندوق لمساعدة الطالب الفقير، تقديم مساعدات طارئة للعائلات التي تتعرض لنكبات، كنسف البيوت، أو اعتقال العائل الوحيد للأسرة، ومن تعرضت بيوتهم للأضرار الجسيمة، مما ترك أثرا طيبا في نفوس الناس.
كيف استفادت حماس من العمل الخيري؟
لاحقا، قامت حركة المقاومة الإسلامية حماس –بعد الإعلان عن تأسيسها أواخر الثمانينيات- بنشاطات اجتماعية واسعة، انعكست آثارها على أوساط كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني، حيث انتشرت المراكز الطبية، الجمعيات الخيرية، لجان الزكاة، وقربت صورة الإسلاميين من أذهان الناس في ظل شيوع ثقافة "الاستنفاع" في بعض الأوساط الفلسطينية، لاسيما المقربة من منظمة التحرير وفصائلها.
وهو ما جعل الكثير من الفلسطينيين يجدون في المؤسسات الإسلامية متنفسا للحصول على الخدمة والرعاية غير الممزوجة بالفئوية والتناحر السياسي، والاستعلاء العقائدي، والتكسب والارتزاق المستشري في الظاهرة "الدكاكينية" الملازمة للكثير من المؤسسات الأخرى.
ويمكن حصر الفوائد التي جنتها حركة حماس من العمل الاجتماعي في الأصعدة التالية:
- مكن العمل المؤسسي الحركة من التطور وتراكم الخبرات.
- ساعدها على الاحتكاك بالجماهير، والعمل لكسبها، واستقطاب أجزاء مهمة منها.
- جعلها بمنأى عن كثير من المشكلات التي تفتك بالتنظيمات المعزولة الجامدة.
- لعل أفضل ما يوضح تلك المسألة نظرية الشيخ الشهيد أحمد ياسين فيما أطلق عليه "الماء الجاري والماء الراكد"، وكان يقول: "نحن حركة إما أن نكون كالماء الراكد يجمدنا الخوف، ولا نتحرك بحجة المحافظة على أمن التنظيم، وحينها نتعرض كالماء للعفن والأمراض، وإما أن نتحرك كالماء الجاري والمتجدد فنتطور وننتشر، وكان بذلك يرد على أصوات محافظة تتذرع بالمحافظة على سلامة الدعوة، بينما كان رأيه أن سلامة الدعوة تكمن في حركتها وظهورها".
- حافظت المؤسسات على الدور الخيري والخدمي بالدرجة الأولى، تاركة مجال التطور التنظيمي والجماهيري للحركة يسير بمعزل عنها دون الارتباط الواضح بها رغم دعمها ومساندتها الطبيعية لهذا التطور.
- لم تكن الحركة تمتلك بعد، جهازا بيروقراطيا كبيرا أو معقدا، كالذي امتلكته منظمة التحرير، ومن ثم فإن أوجه إنفاق أموالها كانت محدودة، وبات من المعروف أن الإخوان المسلمين وقيادتهم، يتسمون بالتواضع في أساليب إنفاقهم، وأبعد ما يكونون عن مظاهر البذخ أو الإسراف والفساد المالي.
الجمعية والتنظيم.. من يستوعب من؟

الجامعة الإسلامية بغزة
ويمكن تحديد أوجه الاستفادة للحركة من تجربة المؤسسات الاجتماعية على المستويين، التنظيمي الداخلي، والخارجي، في عدة مجالات:
- أتاح الفرصة للحركة للاحتكاك بالناس، والتعرف إليهم، واختيار العناصر الملائمة، وإعدادها وتهيئتها، مما يسر على التنظيم زيادة أعضائه كما وكيفا.
- وفر الإمكانية للعناصر القيادية والكفؤة، أن تجد لها أدوارا فعالة تكشف عن بعض قدراتها ومواهبها، وتساعد على تطويرها، وساعد على إبراز قيادات جديدة، أتاح لها الفرصة للمشاركة المناسبة، وأصبح المجال مفتوحا لكل أصحاب المواهب والطاقات والقدرات القيادية أن تجد لها دورا داخل التنظيم.
- وفر إحساسا بالرضا للعاملين فيها، فهم يعملون لتحقيق أهداف مرحلية ملموسة يعلمونها، ورغم العقبات التي اعترضتهم، فقد كانوا يشعرون بالانتصار لتحقيق أهدافهم أو بعضها، ويسعون لتحقيق أهداف جديدة.
- أصبحت هذه المؤسسات والجمعيات والمدارس، بعد فترة من تأسيسها تنتج "الخامة" التي تشكل جماهير التجمعات الإسلامية هذه الأيام، وأصبح بالإمكان متابعة الطلاب المنتمين للكتل الإسلامية، وربطهم بالتنظيم، بعد أن ينفصلوا من عضوية التنظيم بعد تخرجهم.
- حقق إنجازا تنظيميا فريدا، تمثل في انعدام مشكلة الفتور التي تعانيها العديد من التنظيمات، لأن العمل المؤسساتي يجعل "الأعمال أكثر من الأوقات"، ولا تصبح المواهب مشكلة لأصحابها، لأن الحركة حينذاك ستكون بحاجة للطاقات والعناصر القيادية اللازمة، لتلبية حاجاتها في قيادات المناطق والمؤسسات والنقابات والكتل الطلابية وغير ذلك.
سمات العمل في المؤسسات الإسلامية
على المستوى الخارجي، اكتسبت حركة حماس العديد من المكاسب من العمل المؤسساتي على الصعيد الخارجي، أهمها:
- شكل البعد الإقليمي أهمية خاصة للمؤسسات الإسلامية، التي ركّزت على العمل الجماهيري المحلي، عبر تقديمها خدمات مدنية عبر شبكة فعّالة انطلاقا من القاعدة الاجتماعية والهوية الدينية.
- عملت هذه الشبكة كنظامٍ لتقديم الخدمات التي لم يوفّرها الاحتلال الإسرائيلي، وازدادت الحاجة إليها في المراحل التي تميّزت بالتدهور الاقتصادي في المناطق المحتلة على خلفية الأزمات الاقتصادية في الكيان، من خلال سياسة الاستيطان المتسارعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وترك إسرائيل لمسئولياتها تجاه الفلسطينيين.
- جعل حركة حماس جزءا مهما، من الشعب الفلسطيني، يتفاعل معها وتتفاعل معه، بدل أن تكون تيارا منعزلا، وأصبح الناس يعرفون الإسلاميين بالمجمع والجمعية والجامعة، عبر استطلاعات الرأي والانتخابات النقابية التي أجريت فيها، وأوضحت أن الحركة أحدثت اختراقا تاريخيا في بنى المؤسسات الفلسطينية.
- أصبحت الجماهير حرة في موقفها من الحركة الإسلامية، الذي تبنيه بناء على ممارساتها الظاهرة والمعروفة، وكان عليها أن تقدم للناس نفسها بالصورة الحسنة الجميلة، التي تتفق مع مبادئها بالخدمات الخيرية والتعليمية، وبالرجال المحترمين من ذوي السمعة الحسنة.
- شكلت هذه المؤسسات طريق التنظيم الإسلامي للجماهير، وإمكانية التعبئة والتوجيه، دينيا ووطنيا وحزبيا، ومنها المؤسسات الدينية، كدور تحفيظ القرآن الكريم والسنة ومؤسسات الأوقاف ولجان الزكاة، والمؤسسات التعليمية كالمدارس ورياض الأطفال، والمعاهد التعليمية، وبقية المؤسسات التربوية، والمؤسسات الطبية كالعيادات والمستوصفات والمستشفيات، والمؤسسات الاجتماعية كمؤسسات المعاقين، ورعاية اليتامى والمحتاجين، والفرق الرياضية، ومجموعات العمل التطوعي، والمؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والاستهلاكية.
- عند المقارنة بين المؤسسات التابعة للإسلاميين، والتابعة للتيارات الأخرى، نجد الأولى أكثر نجاحا اقتصاديا وإداريا من سواها، بل إن كثيرا منها منتجة، وتمول نفسها ذاتيا، وتعتمد على تمويل جزئي من جهات أكثر ثقة وقربا وإمكانية للاستمرار من غيرها.
- ومن الناحية التنظيمية، رغم أن هذه المؤسسات تصب في نهاية الأمر في الهدف التنظيمي نفسه للحركة الإسلامية، فإنها منفصلة تنظيميا وإداريا وماليا عنهم، بحيث تعد مؤسسات عامة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهذا الفصل بين المؤسسة والتنظيم، جعل من الصعب على الأولى الانشقاق عن مرجعيتها التنظيمية، كما يجري لبعض المؤسسات الأخرى، ومهما كانت كبيرة وقوية ومؤثرة، فلن تصبح أكبر من تنظيمها، فيما الوضع مختلف لدى الأخرى، فبعد أن نجح بعضها، أصبحت أكبر من التنظيم الأم، بل وتراجع التنظيم تحت اسم المؤسسة التي يفترض أنها جاءت لترفده بمزيد من القوة.
تحديات ميدانية
ما تقدم من استعراض للدور التاريخي والأداء الإداري لهذه المؤسسات، لا يلغي بحال من الأحوال جملة من التحديات الميدانية، والصعوبات المحيطة بعملها، داخلية وخارجية: أهمها الحصار العالمي المفروض على تدفق المساعدات على الشعب الفلسطيني من خلال هذه المؤسسات، تحت لافتة "الحرب على الإرهاب"، وما تتطلبه من إجراءات مثل "تجفيف المنابع"، ما يجعل العديد من هذه المشاريع التي تنفذها تلك المؤسسات في مهب الريح.
ولعل الوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية خلال الأعوام الثلاثة الماضية شكل نموذجا واضحا على ذلك، حيث توقفت نسبة كبيرة من المشاريع الإغاثية والتنموية لتلك المؤسسات تحت ذات "اليافطات المعلنة".
التحدي الآخر الذي لا يقفز بالضرورة لأولويات تلك المؤسسات -أو على الأقل في رأي القائمين عليها- أن التركيز على العمل الإغاثي والإعانات الاجتماعية المادية، تحتل حيزا أكبر، ولعله الأكبر، في مجالات اهتمامها، فيما هناك بعض المجالات الإعلامية والبحثية والفكرية لم ترتق لذات الاهتمام.
ربما تصدر بعض التبريرات لهذا "التأخر" أو الإرجاء، لكنه بحال من الأحوال لا يسوغ إبطال هذا التفكير على المدى البعيد، لاسيما في ضوء تعدد الاهتمامات للأجيال الشابة الفلسطينية، في المجالات البحثية والتقنية الآخذة في الانتشار رويدا رويدا.
هناك تحد لا تخفيه تلك المؤسسات يتعلق بالبعد التمويلي لمشاريعها، وعلاقات التشبيك والتنسيق بينها وبين نظيراتها من المؤسسات الأجنبية، في ظل تركيزها على جلب التمويل من قبل جهات عربية وإسلامية تحديدا، وعدم قدرتها على اختراق الستار الحديدي للمؤسسات التمويلية الغربية، في ضوء اتهامها بأنها "الواجهة الاجتماعية" لحركة حماس، الأمر الذي يفسح المجال لمؤسسات خيرية أخرى غير إسلامية لتحظى بذلك الدعم، ما يتطلب منها إجراء مسح أكثر، وبذل جهد مضاعف في الوصول لتلك المؤسسات.
باحث فلسطيني

زلزال غزة يضرب الاعلام عبد الباري عطوان


زلزال غزة يضرب الاعلام عبد الباري عطوان

زلزال غزة ضرب الاعلام العالمي، والعربي منه على وجه الخصوص، في صميم قلبه، ووضعه امام 'محاكمة' حقيقية، قضاتها هم ضحاياه، اي ضحايا هذا الاعلام بأشكاله كافة، من قراء ومشاهدين وصناع رأي، بل وابناء المهنة انفسهم، والتهمة هي السقوط الاخلاقي والقانوني والمهني بسبب الرضوخ للهيمنة الاسرائيلية، المباشرة منها وغير المباشرة.محطات تلفزة، وصحف، واذاعات، عربية واجنبية، اجتازت هذا الاختبار او المحاكمة بنجاح كبير عندما انحازت الى المهنية والموضوعية، وقدمت الوقائع الحقيقية للمجازر الاسرائيلية في قطاع غزة، بالصوت والصورة دون اي تدخل، واخرى ضبطت متلبسة في الانحياز الى الجلاد ومحاولة تحسين صورته البشعة، مثل هيئة الاذاعة البريطانية 'بي بي سي' بمختلف فروعها وقنواتها التلفزيونية والاذاعية.السقوط الاخلاقي والمهني الكبير لهيئة الاذاعة البريطانية تمثل في رفضها بث 'نداء غزة' الخيري الذي تقدمت به اكثر من خمس عشرة مؤسسة بريطانية انسانية لجمع تبرعات لضحايا العدوان الاسرائيلي، تحت ذريعة التمسك بالحيادية، في حين بثت النداء عدة محطات بريطانية منها القناتان الرابعة والخامسة والـ'اي تي في'.مظاهرات احتجاج عارمة احاطت بمبنى المحطة الرئيسي طوال اليومين الماضيين تطالبها بالتراجع عن قرارها، وفعل الشيء نفسه خمسون نائبا في البرلمان، وكذلك جون سينتامو اسقف يورك الذي اتهم الهيئة بالتحيز الى جانب دون الآخر وقال 'ان النداء ليس من حركة 'حماس' من اجل الحصول على السلاح، ولكن من اجل الاغاثة'.هذه 'الصحوة' التي انعكست في افتتاحيات قوية في معظم الصحف البريطانية، تنتقد هذه الهيئة الممولة من قبل دافع الضرائب البريطاني، تؤكد على ما كررناه دائما، من سيطرة اللوبي الاسرائيلي عليها بالكامل، بعد ان نجح في ارهابها من خلال سحب اعتماد بعض مراسليها في فلسطين المحتلة، او ارسال آلاف الرسائل الاحتجاجية اليها بعد كل برنامج تتناول فيه جوانب الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وقد علمت شخصيا، ومن مصادر وثيقة داخل الهيئة، ان اوساطا اسرائيلية فرضت ما يشبه القائمة السوداء غير المكتوبة، تضم اسماء بعض الخبراء العرب في الشأن الشرق اوسطي، تتهمهم بالتطرف، وتطالب بتقليص ظهورهم اذا لم يتأت منعهم بالكامل.صحيفة 'الجويش كرونيكل' الناطقة باسم الجالية اليهودية، والمدافعة الشرسة عن اسرائيل، نشرت في عددها قبل الاخير قائمة بمن اسمتهم بالمحللين التلفزيونيين الناقدين لاسرائيل، سخرت من مهنيتهم، في تحريض سافر، وقالت انهم غير موضوعيين، ويملكون 'اجندات خاصة'، واحتل كاتب هذه السطور رأس القائمة، مع نبذة عنه مزينة بصورته، وجاء الدكتور ريتشارد فولك منسق الامم المتحدة في قطاع غزة في المرتبة الثانية، والدكتور النرويجي مادس غلبرت، الذي اجرى عشرات العمليات الجراحية لضحايا العدوان الاسرائيلي في مستشفى الشفاء في قطاع غزة، في المرتبة الثالثة.جون سنو المذيع الشهير في القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني المعروف بمواقفه الجريئة، انتج فيلما وثائقيا مع زميله المخرج والمصور ديفيد نيبلوك اذيع مساء الخميس الماضي، يتناول رضوخ معظم وسائل الاعلام العالمية للارهاب الرسمي الاسرائيلي، والرقابة المكثفة التي فرضتها الحكومة الاسرائيلية على هذه الوسائل، بما في ذلك منعها من دخول قطاع غزة، وقذفها بآلاف الرسائل والوثائق والمعلومات المضللة عن الحرب. وبيّن الفيلم كيف نجحت محطات مثل 'الجزيرة' بشقيها العربي والانكليزي في تقديم صور حية للدمار الاسرائيلي وجثامين الشهداء من الاطفال، وآلاف المشردين بعد قصف منازلهم بالصواريخ.الفيلم الذي قدم شهادات وصورا غير مذاعة للضحايا وذويهم، وصل الى نتيجة مفادها، ان العالم ما كان سيسكت لو شاهدها مبكرا، ولما سمح لاسرائيل بمواصلة عمليات القتل الوحشية لمدة ثلاثة اسابيع ودون اي ضغوط خارجية.مارك تومبسون مدير عام هيئة الاذاعة البريطانية 'بي بي سي' اتخذ قرارات عديدة استفزازية في السابق، تكشف انحيازه لاسرائيل على مدى السنوات العشر الماضية، ورضوخه لارهابها واللوبي المناصر لها في بريطانيا، ولكن هذا القرار الاخير بمنع بث نداء انساني يجب ان يكون الاخير، وعليه الاستقالة فورا من منصبه، فهناك اجماع في بريطانيا على ان هناك ثلاث هيئات هي الاسوأ ادارة على الاطلاق، وهي 'البي بي سي' والبنك الملكي الاسكتلندي، وهيئة المطارات البريطانية، ولا نبالغ اذا قلنا ان هيئة الاذاعة البريطانية تحتل المرتبة الاولى، وصدق الزميل تيم لويلني الذي عمل مراسلا لها لمدة ثلاثين عاما في الشرق الاوسط، عندما قال انها 'هيئة من الاسود يقودها حمير'.السقوط لم يقتصر للأسف على الاعلام الغربي، او بعض هيئاته، وانما يشمل الاعلام العربي للأسف الذي لا عذر له، وللمشرفين عليه، لانه ابن المنطقة ومن المفترض معرفته بكل تفاصيلها. ومن المؤسف ان بعض وسائط هذا الاعلام، والتابعة منها لما يسمى بمحور الاعتدال، اثبت انه اكثر انحيازا للعدوان الاسرائيلي من بعض محطات التلفزة الاسرائيلية.ففي ذروة حرب الابادة التي كانت تشنها الطائرات والدبابات والزوارق الاسرائيلية على ابناء قطاع غزة، كان من يطلقون على انفسهم بالليبراليين الجدد يتربعون على الشاشات التابعة للمحور المذكور يلومون الضحية، ويحملونها مسؤولية القتل والدمار دون ذرة خجل او حياء. وسمعنا شلة منهم تسخر من فريضة الجهاد، وتطالب بالاستسلام للاعداء بالكامل.فالاعلام الرسمي المصري الذي يكلف خزينة الدولة عدة مليارات من الدولارات سنويا، في بلد يعيش نحو ثلثي سكانه على اقل من دولارين في اليوم، شن حملة شرسة طوال ايام الحرب، وما زال، استهدفت غسل دماء المواطن العادي البسيط، واستنفار مشاعره الوطنية المصرية وتوظيفها ضد العرب والفلسطينيين، للتغطية على فشل السياسة الخارجية في التعاطي مع 'مأساة غزة'.. بحيث اصبح كل من ينتقد هذه السياسة الحكومية الفاشلة والمهينة لمصر ودورها وتاريخها وشعبها عميلا لايران وسورية وقطر، واصبح الموضوع 'الهجوم العربي على مصر'.ما يطمئننا ان احداث غزة، وما رافقها من صمود اسطوري، اثبتت ورغم كل حملات التضليل الاعلامية، ان الشعوب العربية، والشعب المصري على وجه الخصوص، اذكى من كل تلك الاصوات الشاذة، والدليل على ذلك خروج مظاهرات غير مسبوقة في مدن صغيرة مثل طنطا ودمنهور وحتى بعض القرى النائية شارك فيها مئات الآلاف.والاهم من كل ذلك ان الاعلام الحكومي العربي، والمصري منه خاصة، ورغم ما ينفق عليه من مليارات الدولارات في شكل رواتب خيالية، وامتيازات لا حصر لها، فشل في مهمته وهي تبييض وجه الانظمة المتواطئة مع العدوان الاسرائيلي، كما فشل في كسب الحد الادنى من الاحترام داخل الوطن العربي وخارجه، باستثناء احترام الاسرائيليين، واثار بعض رموزه حالة من الخزي والاشمئزاز، وقد كانت احدى الصحف المصرية المستقلة اكثر من موفقة عندما قالت في مانشيت كبير 'فضحتونا'.حرب غزة شكلت علامة فارقة في التاريخ العربي، ستغير معادلات كثيرة، والمعادلة الابرز هي مدرسة التعتيم الاعلامي، والانحياز السافر للعدوان، والرضوخ للارهاب والاملاءات الاسرائيلية. فالرأي العام لا يمكن ان يسمح بعد اليوم بالصمت على سياسات التطهير العرقي وارهاب الدولة، خاصة اذا كانت اسرائيلية بحجة الموضوعية والمهنية الزائفتين.

الجمعة، 23 يناير 2009

فصائل وافقت على المشاركة في "اللجنة الوطنية العليا للإغاثة" برئاسة حكومة هنية


الجهة الوحيدة المخولة بالإشراف على توزيع المساعدات
8 فصائل وافقت على المشاركة في "اللجنة الوطنية العليا للإغاثة" برئاسة حكومة هنية


غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
أعلنت الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية أن ثمانية فصائل وطنية وإسلامية وافقت على المشاركة في "اللجنة الوطنية العليا للإغاثة" التي تم الشروع في تشكيلها لتكون الجهة الوحيدة المخولة بالإشراف على توزيع المساعدات الإغاثية للمتضررين جراء العدوان.
وقال طاهر النونو، المتحدث باسم الحكومة الشرعية في بيان له تلقى "المركز الفلسطيني للإعلام" نسخة منه إن: "اللجنة ستكون برئاسة الحكومة ومشاركة الفصائل الفلسطينية ومؤسسات من المجتمع المدني".
ودحض الناطق الرسمي مزاعم قادة "فتح" حول سرقة المساعدات القادمة إلى غزة، لافتاً النظر إلى أن اتهام الحكومة وحركة "حماس" والمقاومة بسرقة المساعدات من قبل بعض ناطقي "فتح" وسلطة المقاطعة "هو ذاته الذي تروجه وسائل إعلام العدو منذ أسبوعين وتخترق به بث إذاعة الأقصى مما يؤكد وجود تنسيق وتعاون امني وسياسي وإعلامي بين هؤلاء قادة المقاطعة والاحتلال".
وقال: "إننا اليوم وبعد بعض المؤتمرات والتصريحات التي ما فتئت تخرج علينا بين الحين والآخر مثل مؤتمر الهباش وعبد ربه وتصريحات أبو عين نقول، نحن آثرنا ومنذ البداية أن لا ننجر وراء الهجمة الإعلامية المنظمة لبعض المواقع المتصهينة التي تبرر جرائم الاحتلال وتجرم المقاومة ويمكن الاطلاع على ما تذخر به هذه المواقع والمؤسسات من أخبار كاذبة وفبركات إعلامية وتصريحات كجزء من الإشاعة والحرب النفسية".
وشدد على أن "مؤتمر الهباش وعبد ربه يهدفان بشكل واضح إلى وقف وصول المساعدات إلى القطاع بحجة سرقتها لتبقى المساعدات عنصر ابتزاز للحكومة للقبول بالامتلاءات الصهيونية أو بابتزاز مواقف سياسية لصالح المقاطعة".
وأشار إلى أن "إصرار أولمرت أنه لا مساعدات ولا اعمار على يد حماس هو ذاته الذي تحققه ادعاءات عبد ربه والهباش بشكل يكمل بعضه بعضاً".
وأكد أن ادعاءات إرهاب الصحافيين بغزة وتحدثهم بلغة "حماس" وحكومتها "أمر يكذبه كل إعلامي"، لافتاً النظر إلى أن غزة مليئة بمئات الصحافيين العرب والأجانب ولا احد يتدخل في جهودهم أو رسائلهم الإعلامية "فلسنا نحن من قمع المسيرات المتضامنة مع غزة أو اعتقل الصحافيين وآخرهم خالد العمايرة في الخليل".
واعتبر أن الادعاء المستمر من قبل أبو عين والهباش وغيره عن قتل عناصر "فتح" في السجون مثل المشتل وغيره "هي أكاذيب ونتحداهم على ذلك، وهي محاولة مفضوحة لحرف مسار البوصلة الإعلامية مثل الحديث وقت الحرب عن قتل عناصر فتح في سجن السرايا وهو أمر قالوه وثبت كذبه المطلق ويريدون خلق الفتن وصناعة البلبلة في غزة".
وأضاف: "أما السخرية الأكبر فهي الادعاء أن هدف الاحتلال من الحرب ليس القضاء على حماس وإنما الحفاظ عليها وتقويتها وهو أمر تكذبه الوقائع وتدحضه يوميات الحرب، أما تحميل حماس مسؤولية ما حدث أمر لا يقوله إلا ثلاثة أولمرت وباراك وقادة المقاطعة".
وأشار إلى أنه "منذ اليوم الأول لبدء العدوان الإرهابي على قطاع غزة شرعت الحكومة بالعمل وفق خطة الطوارئ التي أعدتها لكل الاحتمالات، وكثفت الحكومة جهودها لوقف العدوان وفي الوقت نفسه العمل من أجل التخفيف عن المواطنين وتوفير أماكن أكثر أمنا للمتضررين والمهدمة بيوتهم وتزويدهم بالمواد الاغاثية الطارئة وتفعيل كل الجهود للعمل الاغاثية بأشكاله المختلفة واتخاذ الاحتياطات لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية والتخفيف من وقع الجرائم المرتكبة ضد شعبنا بالوسائل المتاحة".
وقال: "بعد إعلان وقف إطلاق النار بدأت الحكومة في المرحلة الثانية من الجهود تجاه الأضرار والدمار الكبير الذي خلفه العدوان على شعبنا وذلك على صعيدين متزامنين الأول جهود إحصاء وحصر الأضرار التي خلفتها الهجمة الإرهابية على شعبنا، والثاني الشروع بعمليات الدعم والإسناد للمتضررين وتخفيف الواقع المأساوي الذي يعيشونه وبذل كل الجهود لتغيير هذا الواقع الذي خلفته آلة الحرب والدمار الصهيونية".

الخميس، 22 يناير 2009

الوكالة الذرية تحقق في معلومات حول استخدام اسرائيل لليورانيوم المخصب في غزة

الوكالة الذرية / غزة /
تعهدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية باجراء التحقيقات اللازمة بشأن معلومات تفيد أن القوات الإسرائيلية استخدمت خلال العدوان المسلح الذي شنته على قطاع غزّة من الجو والبحر والبر واستمر لمدة 22 يوما أسلحة وقذائف محظورة دوليا.وأكدت الناطقة الإعلامية باسم الوكالة الذرية السيدة ميليسا فليمنغ أن مندوبي مجموعة الدول العربية لدى الوكالة قدموا مذكرة إلى المدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي تتضمن معلومات حول قيام القوات الإسرائيلية باستعمال أسلحة محظورة دولياً خلال الحرب التي شنتها على قطاع غزّة.وأكدت فليمينغ في بيان مقتضب وزعته اليوم " بعدما تسلم المدير العام رسالة المجموعة العربية نحن الآن بصدد توزيع الرسالة على جميع الدول الاعضاء في الوكالة الذرية المؤلفة من 145 دولة وستقوم الأجهزة المعنية في الوكالة باجراء التحقيقات اللازمة بالمسألة المطروحة وذلك بموجب الصلاحيات الموكولة إليها".في غضون ذلك أكد سفير فلسطين لدى النمسا ومندوب بلاده الدائم لدى المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بصفة مراقب الدكتور زهير الوزير أن مجلس السفراء العرب طلب من الوكالة الذرية التحقيق باستعمال القوات الإسرائيلية لأسلحة وذخائر محظورة من بينها اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية والأسلحة الفوسفورية خلال العدوان الذي شنته على قطاع غزّة وأدى لتدمير أحياء سكنية كاملة.وأوضح السفير الوزير في تصريح أدلى به إلى وكالة أنباء الإمارات أن مجلس السفراء العرب طلب من الوكالة التحقيق باستخدام إسرائيل للأسلحة والذخائر المحظورة يندرج في إطار الولاية المنوطة بالوكالة وبخاصة فيما يتعلق بطلب التحقق وإرسال لجنة لتقصي الحقائق وزيارة المناطق الفلسطينية التي تعرضت للقصف المدفعي والصاروخي من قبل القوات الإسرائيلية والقيام بمعاينة المصابين في المستشفيات. وأوضح ان البرادعي أشار بدوره إلى خطوات تعتزم الوكالة الذرية القيام بها في هذا الشأن من بينها توزيع نص رسالة مجلس السفراء العرب على الدول الأعضاء في الوكالة والتفكير في إمكانية توجيه مذكرة إلى إسرائيل بشأن استخدامها اليورانيوم المنضب على حد تعبيره. وأشاد السفير الوزير بالموقف التضامني لمجلس السفراء العرب مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والذي تعرض لحرب مدمره وحشية أودت بحياة المئات من الأبرياء غالبيتهم من الأطفال والنساء وجرحت الآلاف ..مشيرا الى ان مجلس السفراء العرب بادر منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي إلى وضع خطة للتحرك منذ بدء الحرب على قطاع غزة تتضمن اجراء سلسلة لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين النمساويين والدوليين في طليعتهم الدكتور محمد البرادعي .وأكد السفير الفلسطيني أن وفداً من السفراء العرب برئاسة سفير المملكة العربية السعودية الأمير منصور بن خالد الفرحان آل سعود بوصفه رئيساً لمجلس السفراء العرب خلال الربع الأول من العام الحالي اجتمع مع الدكتور البرادعي في مكتبه وسلمه رسالة من المجلس وتطالب الأجهزة المختصة في الوكالة الذرية بإجراء تقييم مادي وإشعاعي فوري بغية التحقق من وجود مادة اليورانيوم المنضب او مادة الفوسفور الأبيض في الأسلحة التي استخدمتها القوات الإسرائيلية خلال العمليات الحربية البرية والجوية والبحرية التي شنتها على قطاع غزة. ونسب السفير الوزير إلى الدكتور البرادعي قوله اثناء استقباله لوفد مجلس السفراء العرب أنه /على الرغم من أن استخدام اليورانيوم المنضب في حروب الدروع غير محرم دولياً لكن استخدامه ضد المناطق المكتظة بالسكان يشكل انتهاكاً صارخاً للمعاهدات الدولية التي تدين أي عدوان يستهدف المدنيين/ .. مؤكدا ان إسرائيل ارتكبت جريمة ضد الإنسانية من خلال حصار وتجويع مليون ونصف مليون فلسطيني في غزة وذلك كعقاب جماعي. ولم يستبعد السفير زهير الوزير ان تقوم المجموعة العربية بطرح استخدام إسرائيل للأسلحة والذخائر المحظورة في حربها الأخيرة على قطاع غزّة، في جدول اعمال اجتماع مجلس المحافظين خلال شهر مارس المقبل ..مشيراً إلى أهمية الاجتماع الذي عقده مندوبو منظمة المؤتمر الإسلامي في الأسبوع الماضي حيث تقرر رفع مذكرة إلى الوكالة الذرية تطلب التحقيق باستعمال إسرائيل للأسلحة والذخائر المحظورة خلال الحرب الأخيرة التي شنتها قواتها على قطاع غزّة.جدير بالذكر أن اليورانيوم المنضب او المستنفذ هو معدن كثافته 7ر1 مرات أثقل من الرصاص وعندما تصيب قذيفة ذات رأس من اليورانيوم المنضب إحدى الدبابات أو المصفحات أو ناقلة الجنود فإنها تحرقها على الفور وتصهر حرارتها معدن الفولاذ كما أنها تخترق الدبابة مهما كانت سماكتها،وتقوم بتحويل اليورانيوم المنضب إلى غبار يتكون من جزيئات إشعاعية وسامة قد تنقلها الرياح إلى مسافات طويلة وبالتالي تتسبب بالتسمم الكيماوي أو الإشعاعي لدى استنشاقها وتؤدي إلى تلف القصبة الهوائية والرئتين.

الأربعاء، 21 يناير 2009

القرضاوي: شراء البضائع الإسرائيلية والأمريكية في هذا الوقت من الكبائر

قال فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي – رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- في إحدى خطبه عن قضية المقاطعة الاقتصادية لمن يعادي الأمة الإسلامية:
هناك جهاد اقتصادي، وهو أن نفعل الفتوى التي أصدرتها وأصدرها معي عدد من علماء الأمة بتحريم التعامل مع البضائع الإسرائيلية والأمريكية، المقاطعة، مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية، هذا واجب الأمة، كل ما يشير إلى أمريكا، مجرد الإشارة حتى ولو كانت وطنية، (كولا) كلمة كولا يعني أمريكا، هامبورجر، ماكدونالد، بيتزا، هذه الأشياء أمريكية، ارحمونا، كلما رأيت هذه العناوين ثارت نفسي وثار البركان في صدري، نريد أن تقاطع الأمة هذه البضائع، من زجاجة البيبسي إلى السيارة إلى الطائرة البوينج، نطالب الحكومات ونطالب الشعوب، أن تقاطع هذه البضائع وأن تنظم اللجان الشعبية لتفعيل هذه المقاطعة وترتيب الأولويات فيها، كل ما له بديل يجب أن يقاطع، ما الذي يجعلني أركب سيارة أمريكية وأستطيع أن أشتري سيارة يابانية أو سيارة ألمانية؟ لن أخسر شيئاً، المقاطعة، هذه المقاطعة واجبة على الجميع، الكبير والصغير..
في أول الانتفاضة رأينا العجب والله، رأينا الصغار الأطفال يقولون لآبائهم: لا يا أبي لا يا أمي هذه بضاعة أمريكية حرام، رأينا الأخوة في الهند في كيرالا يجتمعون في يوم الجمعة مثل هذا وكل واحد في يده زجاجة كوكاكولا ويكسرها إشارة إلى المقاطعة، ما الذي جعل الأمة تسترخي، نريد من الأمة من رجالها ونسائها من الأمهات في البيوت أن لا يشترين البضائع الأمريكية، وربما تكون هناك بضائع إسرائيلية تتسلل تحت أسماء وعناوين، من عرف ذلك فعليه أن يقاطع، حرام أي حرام، حرام بل كبيرة من الكبائر أن تشتري في هذا الوقت البضائع الإسرائيلية والأمريكية، هذا جهاد نوع من الجهاد، لابد أن نفعله ونتواصى به.

'لعنة غزة' ستطارد الكثيرين


'لعنة غزة' ستطارد الكثيرين
عبد الباري عطوان

اعادت قمة الكويت العربية الاقتصادية التأكيد على مدى ضحالة النظام العربي الرسمي، وعجزه عن القيام بأي خطوة عملية لمواجهة التحديات التي تقف امام الأمة في مرحلة التحول الخطيرة التي يعيشها العالم حاليا بمقدم رئيس امريكي جديد من اصول افريقية ومن صلب أب مسلم.كان من المفترض ان يتنبه الزعماء العرب الذين تداعوا لهذه القمة، الى هذه اللحظة التاريخية، وان يظهروا بمظهر القوي، الحريص على قضاياه، وتعزيز رغبته في اثبات وجوده على الساحة الدولية، ولعب دور فاعل في تكريس استقرارها، والانتصار لقضاياه المصيرية، ولكن هذا لم يحدث مطلقا، فقد ظهر هؤلاء الزعماء امام مواطنيهم الغاضبين من عجزهم، وتبلّد مشاعرهم، وافتقادهم زمام المبادرة، مفلسين كليا، على الصعد كافة، السياسية منها على وجه الخصوص. ونحن هنا لا نتحدث عن الافلاس العسكري، لانه مسألة ميؤوس منها، ويتساوى في ذلك محورا الاعتدال والممانعة.ملحمة الصمود في غزة لم تستحق من هؤلاء الزعماء غير كلمات عابرة، تفتقر الى الحرارة، وتركز على المال تحت عنوان 'اعادة الاعمار'، ولم ترد كلمة المقاومة اطلاقا في البيان الختامي، ولو بشكل عابر، بينما تم التأكيد على شرعية سلطة بلا شرعية دستورية او اخلاقية، بعد سقوطها المريع طوال فترة المجازر، وتبرئتها للجلاد، ولومها للضحية، كأن المقاومة اصبحت عارا، خاصة اذا مارسها من هم تحت الاحتلال.عندما اظهرنا كل الحذر الممكن تجاه التحليلات المتفائلة للكلمات المعسولة التي وردت على ألسنة بعض الخطباء حول غسل القلوب من الاحقاد والترفع عن الصغائر، والانطلاق نحو المستقبل نابذين الخلافات، لم نكن نضرب بالرمل، ولا نقرأ الفنجان، وانما ننطلق من قناعة راسخة بأن الخلافات بين 'كهنة' النظام العربي الرسمي اعمق من ان تذيبها مصافحة 'فاترة' امام عدسات التلفزة، او عشاء دسم بدعوة من امير القمة. فهناك مشروعان متعارضان احدهما يدعم المقاومة، وآخر يعتمد اسلحة المبادرات السلمية وحوارات الاديان مع اناس لا دين لهم غير سحق عظام الاطفال والمدنيين وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم.فالمصالحة الجدية بين طرفين متخاصمين، تعني وببساطة شديدة ان يتنازل احد الطرفين الى الآخر، مسلما بصحة وجهة نظره ومسعاه، او ان يلتقيا على ارضية وسط بين الموقفين، وهذا لم يحدث في قمة الكويت، بل شاهدنا عكس ذلك تماما، اي تمسك كل طرف بوجهة نظره، ولهذا لم تتبن هذه القمة أيا من قرارات قمة الدوحة الطارئة، مثل تجميد مبادرة السلام العربية، وكل العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المعتدي الاسرائيلي.السيد عمرو موسى بشرنا قبيل انعقاد قمة الكويت، بأنه سيعرض على الزعماء في القمة مجموعة من الخيارات البديلة لمبادرة السلام العربية، ولكن في الجلسات المغلقة، وبعد اختتام القمة قال إنه سيتولى شخصيا البحث عن هذه الخيارات والبدائل. اي تهريج هذا، فأصغر طفل عربي يعرف ان بديل فشل المساعي السلمية هو وضع استراتيجية لاستخدام كل اسلحة المواجهة المتاحة من سياسية واقتصادية وعسكرية. وهناك الكثير منها في حوزة النظام العربي، ولا يتطلب الامر اجراء بحث عنها.ويمكن ان نسهّل للسيد موسى مهمته بذكر بعضها مثل استخدام ورقة التنسيق الامني مع حلفاء اسرائيل، واقدام حكومته المصرية السابقة على تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة العبرية التي لا تتوقف عن توجيه الصفعات المهينة لها (الاتفاق الامني مع واشنطن لمراقبة الحدود مع غزة، وازدراء المبادرة المصرية بوقف اطلاق النار من جانب واحد)، والغاء اتفاقات الغاز، ودعم المقاومة، ووقف التعاون في الحرب على الارهاب ومكافحة الهجرة غير المشروعة، واخيرا اعلان الحرب بعد الاستعداد لها، فلماذا يقاتل الجندي الاسرائيلي المرفه القادم من نيويورك ولندن وموسكو، عن ارض مسروقة ولا يتردد عن قتل الاطفال والنساء، ولا يقاتل العربي المسلم دفاعا عن دينه وعقيدته متصديا لهذا العدوان السافر المدان؟شعرت بالخجل الشديد وانا ارى بان كي مون امين عام الامم المتحدة يقف على انقاض مقر المنظمة الدولية المهدم، ويدين هذا العدوان بأقوى الكلمات، ويتعهد بعقاب ومطاردة كل الذين اقدموا على ارتكاب جرائم قتل الاطفال وتدمير منازلهم فوق رؤوس اهلهم. فقد كنت اتمنى لو ان السيد احمد ابو الغيط، او الرئيس مبارك نفسه، او ايا من قادة محور الاعتدال، وبالذات من حلفاء واشنطن الحميمين فعل ذلك.امين عام الامم المتحدة الكوري البوذي كان اكثر تعاطفا مع معاناة اهالي قطاع غزة من معظم المشاركين في قمة الكويت، بل ومن 'الرئيس' الفلسطيني محمود عباس نفسه، فلم يوجه كلمة لوم واحدة الى المقاومة، واتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب والاستخدام المفرط للقوة، ووعد بعدم التخلي عن المشردين وذوي الضحايا، وتقديم تقارير وافية عن كل ما شاهده من مآس الى اعضاء المنظمة الدولية ومؤسساتها.أسعدني اكثر مشاهدة جون جانغ ممثل الاونروا في القطاع الذي كان الناطق باسم الضحايا ومأساتهم في القطاع، يتحرك وسط انقاض القصف طوال الاسابيع الثلاثة من عمر العدوان، معرضا حياته للخطر، وفاضحا مرتكبي المجازر على شاشات الفضائيات، ومتحدثا الى الغرب المنافق المتواطئ بلغته، وبطريقة مؤثرة. ان هذا الرجل يستحق كل التكريم ليس من النظام العربي الفاسد، وانما من منظمات حقوق الانسان، بل يستحق جائزة نوبل نفسها.المعركة الدائرة حاليا ليست حول كيفية حماية قطاع غزة من عدوان متوقع، وانما كيفية ارسال الاموال المرصودة لاعادة الاعمار.اموال اعادة الاعمار يجب ان تذهب للحكومة المنتخبة والشرعية، الحكومة التي قاومت وصمدت وقدمت الشهداء والضحايا، لتكون تحت اشرافها، واذا تعذر ذلك فلتوضع تحت تصرف منظمات دولية مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الاونروا، ففيها من الرجال والنساء من امثال جون جانغ، والسيدة كارين ابو زيد من هم محل ثقة وتقدير، بعد ان اثبتوا ذلك عمليا في اللحظات الخطرة.الصمود البطولي لأهل قطاع غزة احدث حالة 'فرز' تاريخية في المنطقة العربية، فرز بين الانظمة والشعوب الحية، فرز بين من يقفون في خندق المقاومة ومن يقفون في خندق استجداء السلام والاستسلام، فرز بين الاعلام الشريف القابض على جمر الكرامة، واعلام التزوير والتعتيم وتوفير المنابر للمتواطئين مع العدوان ومجازره.'لعنة غزة' ستظل تطارد الكثيرين، خاصة اصحاب الفخامة والجلالة والسمو الذين رفضوا حتى تجميد مبادرة سلام ماتت وتعفنت على مدى سبع سنوات من الاستجداء، دون ان يلتفت اليها احد.

قراءة في إدارة حماس للأزمة


قراءة في إدارة حماس للأزمة
د. ممدوح المنير
إن المتابع عن كثب لحركة حماس و أسلوب إدارتها للأزمات الجارية على الساحة الفلسطينية سرعان ما يدرك أنه أمام تنظيم سياسي احترافي بكل ما تعنيه الكلمة وظهرت هذه الحرفية أكثر في إدارة أزمة العدوان الإسرائيلي على القطاع ، لقد كان الفعل الحمساوي يبعث بالفعل على الدهشة و يجعلك ترفع القبعة احتراما و إجلالاَ لهذا النبت الطيب المبارك و لعلنا هنا نقدم قراءة سريعة ، تحتاج بكل تأكيد لمزيد من العمق لنعطي لهذه الحركة قدرها و حتى تستطيع كافة حركات التحرر في العالم الاستفادة من هذه التجربة الثرية التي لا ينضب معينها بإذن الله .
ماذا فعلت حماس مع الأنظمة العربية؟
تعاطت حماس مع الواقع العربي بواقعية فلم تعول كثيرا على الحكام العرب و لكنها حرصت و على لسان قادتها على وضعهم أمام مسئولياتهم و ثمنت كل موقف داعم للمقاومة و أشادت به واختلفت و ( عتبت ) على كل نظام يتصادم مع المقاومة و العتاب هنا لغة مهذبة اعتمدتها حماس في إدارة اختلافاتها مع الأنظمة العربية حتى لا تزيد الأمور تعقيداَ ، وحرصت في حوارها مع المختلفين معها أن يكون الحوار بلغة الأرقام واستدعاء التاريخ القديم و البعيد فكانت تدلل على كل موقف بعشرات الأدلة المنطقية و الموثقة التي تلجم الطرف الآخر و تربكه.
كان الموقف الأكثر حساسية بالنسبة لحماس هو الموقف المصري المنحاز بالكلية للموقف الإسرائيلي و إن لجأ في نهاية العدوان لمحاولة إطلاق بعض التصريحات للاستهلاك المحلي و الدولي لتحسين الصورة التي تشوهت و أصبحت أكثر بشاعة من الاحتلال ذاته لأنها من الأخ و الصديق.
ماذا فعلت حماس إزاء هذا الموقف ؟ و خاصة أنها تدرك جيداَ أن روح القطاع – معبر رفح – بيدها ؟ في البداية حرصت حماس على عدم الدخول في صراع مباشر و معلن مع النظام المصري و اعتمدت حماس في إدارتها للصراع معه على أسلوب التلميح و الإحراج دون التصادم معه ، بينما تركت مهمة التصادم للمتعاطفين مع الحركة سواء من النخب أو الشعوب، وكان هجومهم قاسياَ على النظام المصري و ظلت إدارة الأزمة مع النظام المصري تتحرك في خطوط متوازية ، خط تفرضه المقاومة بصمودها و يوصل للجميع رسالة مفادها أن عمر حماس في غزة أكبر مما يتوقعه البعض ، خط آخر لجأ للمواجهة مع النظام المصري بالتلميح و الإحراج حتى لا تستعدى حماس النظام المصري المعادي أصلاَ بمواقفه، والخط الثالث هو خط المواجه المكشوفة و حمل راية هذا الاتجاه المتعاطفون مع حماس و مع مشروع المقاومة و كانت هذه الجبهة هي الأكبر و الأكثر تأثيرا لأنها لم تقتصر على المثقفين و المفكرين فقط و لكنها شمل كل الشعوب الحرة حول العالم و المتتبع لتصريحات خالد مشعل يجد في كل حديث تقريباَ مطالبته للشعوب باستمرار انتفاضتها الداعمة للمقاومة و للأمانة لم تكن الشعوب في حاجة إلى من يوجهها فالحدث كان موجعاَ وفاجعاَ للدرجة التي لا يحتاج أحد إلى من يطالبه بالتحرك، وكانت نتيجة هذا الفعل السياسي هو أن حماس كسبت المعركة مبكراَ و قبل أن تضع الحرب أوزارها، وكان العدو الإسرائيلي و الحليف المصري يصابان بتخبط في الحركة تحت ضربات الحراك الشعبي العربي و العالمي و خرجت حماس من المعركة و هي تمثل كل رمزية الصمود و المقاومة لمعظم شعوب العالم بينما خرج النظام المصري الرسمي منكس الرأس مكروها من الجميع.
ومما يوضح مدى حرفية حماس في عدم فقد هذا الزخم و الرصيد العالمي، هو عدم لجوء حماس لسلاح الاستشهاديين داخل العمق الإسرائيلي حتى لا يحدث أي اهتزاز لصورة حماس أو للدعم المعنوي الذي وفرته لها الشعوب.
كيف تعاملت حماس مع العدو في حربه الوحشية ضد الشعب الفلسطيني؟
أدركت حماس منذ اللحظة الأولى أنها تتعامل مع عدو مفرط في القوة و الوحشية على حد سواء، لذلك حرصت حماس منذ بداية الحرب على توحيد الكلمة و السلاح في غزة و نجحت في ذلك نجاحاَ باهراَ بحيث أن المرء لم يشعر طيلة الحرب بأن هناك ( فصائل ) تحارب و لكن ( فصيل ) واحد يتحرك بتنظيم و تنسيق متميز، كما أدركت الحركة أن تحقيق النصر على إسرائيل لا يتحقق بالمواجه المباشرة و لكن بإفشال أهدافها، بحيث يكون النصر لا بتكسير عظام العدو و إن كان هذا غاية المنى و لكن بإفشال مهامه التي أعلن عنها وبرر بها حربه البربرية ضد الشعب الفلسطيني، لذلك اعتمدت حماس على إستراتيجية المواجهة غير المباشرة مع العدو للحفاظ على بنيتها التحتية مع استخدام الحرب النفسية و إحداث توازن الرعب عبر تدفق الصواريخ على المدن و البلدات الإسرائيلية التي كانت – الصواريخ اليومية - تعلن فشل الحملة الإسرائيلية حتى انتهت الحرب و لم تحقق إسرائيل هدفاَ واحداَ مما أعلنته و كان هذا الفشل الذريع هو لب انتصار حماس فحين تكون الحرب بين طرف مفرط في القوة و طرف آخر مفرط في الضعف – المادي – يصبح الثبات على الموقف هو أعظم انتصار.
كيف تعاملت حماس مع المنظمات الدولية؟
حماس هي أكثر من يعرف أن معظم المنظمات الدولية وجدت من أجل أمن إسرائيل و تبرير مواقفها ، لذلك لم تلتفت إليها كثيراَ بل اعتبرت أن اللجوء إليها من الأنظمة العربية هو من باب العبث و العجز بل يصب في صالح الاحتلال ذاته، حيث ساوت هذه المنظمات بين الجاني و الضحية، لكن حماس من جانب آخر حرصت على أن تكسب معركتها مع المنظمات الدولية غير الحكومية و التي تحظى بمصداقية لدى شعوب العالم و كان وسيلة حماس هو توثيق الحدث بالصوت و الصورة فسهلت قدر المستطاع مهمة وسائل الإعلام ووفرت لهم كل دعم ممكن للقيام بعملهم ونقل كل هذا الزخم الهائل من صور ومشاهد الدمار وقتل الإنسان واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا إلى هذه المنظمات بل دعوتهم إلى غزة لرؤية الجريمة بأم أعينهم ، و كسبت حماس أيضاَ هذه الجولة و بفضل العدو المجرم الذي لم يترك فرصة إلا وأثبت فيها مدى خسته ونذالته ، فأدانت معظم المنظمات الحقوقية ما حدث في غزة بل بدؤوا في رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة العدو كمجرمي حرب.
كيف أدارت الحركة علاقتها مع أبو مازن والسلطة الفلسطينية؟
استخدمت حماس مبدأ المكاشفة و المواجهة مع نظام عباس و خصوصاَ أن تواطؤه كان مفضوحاَ للجميع، وأدركت حماس منذ اللحظة الأولى أن يد عباس و نظامه ملوثة بدماء الشعب الفلسطيني فكشفت حماس حجم تواطئه وعرّته أمام الجميع وبينت أن اغتيال سعيد صيام لم يكن ليتم بدون مساعدة من السلطة ثم جاء غياب عباس عن قمة الدوحة كاشفاَ بلا مواربة عن حجم الخيانة وتكفّل هو بفضح نفسه، نعم استجابت حماس لدعوات الحوار التي وجهت إليها ولكنها كانت تدرك أنها دعوات لإضاعة الوقت فتعاملت معها بحجمها و قدرها، كما ظهر سمو ونبل حماس أثناء العدوان، فرغم أنها أعلنت قبل بدأ العدوان أنها لن تعترف بعباس رئيساَ لفلسطين بعد التاسع من يناير إلا أنها لم تجعل هذا معركتها الأساسية أثناء العدوان، حاولت حماس رأب الصدع و لكن لمّا أصبحت رائحة الخيانة تزكم الأنوف لم يكن أمام حماس سوى المصارحة حتى يحدث التمايز بين الحق و الباطل وحتى يعرف الشعب الفلسطيني من يشارك في قتله وسفك دمه.
كيف أدارت حماس علاقتها بالشعب الفلسطيني؟
علمت حماس أنها لا يمكن أن تنجح في صد العدوان دون احتضان شعبي لها، فعملت منذ اللحظة الأولى على التعبئة المعنوية الإيمانية وإيضاح الحقائق للجميع والقيام بواجبها كحكومة شرعية من الوفاء باحتياجاته قدر المستطاع.
لم تكن هذه التعبئة الشعبية بالطبع وليدة المعركة فحسب و لكنها جزء أساسي من مشروع حماس الحضاري، وكان أهم ما قدمته حماس للشعب الفلسطيني هو النموذج و القدوة في التضحية والفداء فقدمت من دماء قادتها الكثير وبالتالي أصبح الشعب أكثر اقتناعا بها لأنها أصبحت في مقدمة من يضحى في سبيل الأرض و العرض والدين.
إن إدارة حماس لأزمة العدوان يدل على نضج سياسي وفكري وحركي على أعلى مستوى ولا أدعي أن ما فعلته حماس في إدارتها للأزمة يمكن أن يحتويه مقال ولكنها إطلالة سريعة على حركة احتلت بالفعل مرتبة عالية في ضمير هذه الأمة بل لعلي لا أكون مبالغاَ إذا قلت إن حماس أصبحت نموذجاَ يحتذى لكافة حركات التحرر في العالم.

الاثنين، 19 يناير 2009

الرابحون والخاسرون في حرب غزة


الرابحون والخاسرون في حرب غزة عبد الباري عطوان
لم تكن علامات البهجة تكسو وجهي ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير دفاعه ايهود باراك وهما يعلنان في ساعة مبكرة من فجر امس عن وقف احادي الجانب للحرب على قطاع غزة، فالانجازات التي حققتها هذه الحرب جاءت قليلة، بل مخجلة، لانها لم تتجاوز قتل المئات من الاطفال والنساء والمدنيين، وتدمير بعض البيوت والمساجد والمباني الحكومية.السيدة تسيبي ليفني توعدت بتغيير المعادلة في قطاع غزة، وسحق فصائل المقاومة، ونجحت في الاولى ولكن بشكل عكسي، وفشلت في الثانية، وخلطت جميع الاوراق في المنطقة العربية بشكل لم يتوقعه اكثر المتفائلين بامكانية حدوث التغيير المأمول.بعد ان هدأ غبار المواجهات، وتوقفت الصواريخ وقذائف الدبابات والزوارق الاسرائيلية عن تمزيق جثامين الشهداء، وحرق اجساد الآلاف بالقنابل الفسفورية، لا بد من الاعتراف بان ابناء قطاع غزة دفعوا ثمنا باهظا لهذه الحرب، من خيرة ابنائهم، فلم يتوقع احد ان تبلغ وحشية الاسرائيليين هذه الدرجة من التعطش لسفك الدماء والتمثيل بالجثث، وتدمير البيوت فوق رؤوس اصحابها الجوعى المحاصرين، ولكن هذه التضحيات الجسيمة وضعت الاسرائيليين امام العالم بأسره كعامل عدم استقرار وبؤرة ارهاب تهدد امن هذا العالم.المعركة لم تكن ابدا بين طرفين متكافئين، وكيف تكون كذلك وقد احكم النظام الرسمي العربي الطوق، وتواطأ مع المعتدين، وسهّل لهم مهمتهم بصمته تارة، والتحرك الدبلوماسي المشبوه لاعطائهم المزيد من الوقت لانجاز مهمتهم، تارة اخرى.ربما يكون تعداد الرابحين من هذه الحرب عملية شاقة، علاوة على كونها موضع جدل، بحكم الصورة المأساوية على أرض القطاع الصغير المحاصر التي نقلتها وتنقلها شاشات الفضائيات بتفاصيل مرعبة، ولكن حصر الخاسرين، من وجهة نظرنا على الاقل، يبدو اكثر يسرا، ويمكن ايجازهم في النقاط التالية:اولا: الخسارة الاسرائيلية هي الأضخم، ان لم يكن عسكريا، فسياسيا بكل تأكيد، فبعد اكثر من ثلاثة اسابيع لم يخرج المقاومون من انفاقهم رافعين الرايات البيضاء، متوسلين وقف اطلاق النار، ولم تتوقف الصواريخ، ولم يخرج شعب قطاع غزة، رغم فجيعته الكبرى في مسيرات بين انقاض منازله المدمرة مطالبا بطرد سلطة 'حماس' وعودة سلطة رام الله ورجالاتها. القيادة الاسرائيلية، ذهبت الى واشنطن، وهي القوة الاقليمية العظمى، لتوقع اتفاقا امنيا معها لمراقبة تهريب الاسلحة الى القطاع. وظهرت امام العالم بأسره كقوة مكروهة متعطشة لمص دماء ضحاياهم من الاطفال والمدنيين في حرب يجمع انصارها انفسهم بأنها لم تكن ابدا شبه متكافئة.اسرائيل خسرت الجزء الاكبر من الرأي العام العالمي، مثلما خسرت اصدقاءها العرب، وقتلت عملية السلام، وشجعت التطرف، واسست لنمو منظمات فلسطينية واسلامية ربما لن تتردد في تبني 'الارهاب' واستغلال اجواء الاحباط السائدة في الشارع العربي لتجنيد المئات،ان لم يكن الآلاف، من الشباب، تماما مثلما حدث بعد هزيمة حزيران عام 1967 المهينة.ثانيا: خرج النظام المصري الخاسر الاكبر عربيا، وخسر دوره كوسيط، بعد ان خسره كقوة اقليمية رائدة، وتعرض لطعنات قاتلة ومهينة من اقرب حلفائه، الامريكان والاسرائيليين، وتمثل ذلك في امرين اساسيين، الاول توقيع تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل ونظيرتها الامريكية كوندوليزا رايس اتفاقا امنيا بمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومنع التهريب، دون التشاور مع الحكومة المصرية، او حتى اطلاعها على تفاصيل هذه الاتفاقية، مما يؤكد ان دور نظام مصر هو التابع المؤدي للخدمات بمقابل، وليس الحليف الاستراتيجي المحترم. اما الثاني فهو ادارة اسرائيل ظهرها للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار بشكل ينطوي على احتقار وازدراء متعمدين، ودون اي اعتبار لجهود واتصالات مصرية استمرت اسبوعين لتثبيت هذه المبادرة، وشق الصف العربي من اجل تحقيق هذا الغرض.ثالثا: السلطة الفلسطينية في رام الله تهمشت بشكل مفجع، ليس بالنسبة الينا، وانما بالنسبة الى المسؤولين فيها، فقد خسرت تأييد نصف العرب على الاقل، ودول اسلامية عظمى مثل تركيا وايران واندونيسيا، ولم تتحقق احلامها في العودة الى قطاع غزة، واستمرارها في رام الله بصورتها وتركيبتها الحالية بات موضع شكوك. وجاء خطاب رئيسها محمود عباس في قمة شرم الشيخ انعكاسا واضحا لهذه الحقيقة، فقد كان الأقصر والأضعف من بين جميع الخطابات، لم يتحدث عن معاناة ابناء القطاع، ولم يطالب بفتح المعابر، ولم يكشف عن خيبة امله في عملية سلام فشل رهانه عليها.رابعا: مني ما يسمى بمحور الاعتدال العربي بضربة موجعة في مصداقيته، او ما تبقى منها، امام مواطني بلدانه، عندما تهرب من القيام بأي تحرك فعلي، وظهر بمظهر المتورط المشارك في العدوان، سواء بتصدير الازمة الى مجلس الامن الدولي، او بعرقلة عقد قمة عربية طارئة، وتمسكه بمبادرة مصرية رمت بها اسرائيل في سلة المهملات، وأدارت الظهر لها ولصاحبها.خامسا: السيد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية قد يكون ابرز ضحايا حرب غزة على الصعيد الشخصي، فقد حاول الرجل ان يلعب على عدة حبال في وقت واحد، وان يتجنب السقوط، ولكن محاولاته باءت بالفشل، وحسب نفسه على محور الاعتدال، او بالاحرى كشف عن حقيقة انحيازه الى هذا المحور منذ البداية، وهو الذي اخفى هذا الانحياز ببراعة من خلال عبارات رنانة حول الصمود والمقاومة. جامعة السيد موسى سقطت جماهيريا، وانتهى رصيدها القليل في الشارع العربي بشكل درامي، ولا نعتقد انها ستخرج من هذه الكبوة سريعا، وبالأحصنة الحالية نفسها. امر محزن ان ينهي السيد موسى بعض جوانب تاريخه بهذه الطريقة المأساوية.سادسا: خرج اعلام محور الاعتدال بخسارة كبيرة انهت كل الآمال بتعافيه من الضربة الكبيرة التي انهت مصداقيته بسبب انحيازه الى الاحتلال الامريكي للعراق. ولم تشفع كل ادعاءات المهنية في ابراء ذمته من الانحياز المبطن للعدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. بينما عزز اعلام دول الممانعة، على قلته، وضعف امكانياته من وجوده في الشارع العربي الذي وقف الى جانبه مساندا ومؤازرا.صمود اهل قطاع غزة حقق معجزة في زمن قلّت فيه المعجزات، مع اعترافنا بالثمن الباهظ لهذا الصمود. فالعالم كله منشغل حاليا في كيفية توفير الامن والحماية للاسرائيليين، وايجاد الطرق والوسائل وتوفير المعدات المتقدمة لمنع تهريب الاسلحة الى الصامدين المحاصرين في هذا القطاع الصغير في مساحته الكبير في عزيمة ابنائه.هذا العناد في التمسك بالثوابت، وفي رفض الاستسلام هو الذي تخشاه اسرائيل وقيادتها وشعبها، فإذا كان هؤلاء صمدوا ثلاثة اسابيع، ولم يخرج واحد منهم على شاشات التلفزة يندد بالمقاومة، رغم انهيار سلطة 'حماس' واختفاء قواتها التنفيذية، وضخامة اعداد الشهداء والجرحى، فإن اداءهم في اي مواجهة قادمة، اذا ما امتلكوا الحد الادنى من الاسلحة الدفاعية، سيكون مفاجئا. فالجيل القادم من ابناء القطاع، الذي سيتكون من اطفال شاهدوا مجازر آبائهم وامهاتهم واشقائهم وشقيقاتهم، سيكون الاشرس، ولن ينسى، ولا نعتقد انه سيغفر.حرب غزة اعادت القضية الفلسطينية الى الواجهة مجددا، وجبّت كل ما قبلها من مفاوضات عبثية، وعملية سلام مزورة، وقيادات متخاذلة، وما يسمى بحل الدولتين، وعززت ثقافة المقاومة، وكشفت عن المعدن الصلب المقاوم للشعب الفلسطيني، مثلما اعادت احياء الشارع العربي، والتلاحم بين ابنائه والتفافه حول قضيته المركزية، وتوسيع الفجوة بينه وبين الانظمة الدكتاتورية العاجزة، فاقدة الارادة والسيادة التي تحكمه.مسرحية مؤتمر شرم الشيخ لن تنقذ النظام الرسمي العربي من مأزقه، ولن تعيد له شرعيته ومصداقيته لان هذا النظام بات فاقد الكرامة والشرعية، بعد ان سحبهما منه شهداء غزة، واحتجاجات الشرفاء، وهم الغالبية، داخل مصر المحروسة، والعواصم العربية الاخرى.

هنية: انتصارنا في غزة تاريخي وإستراتيجي


قال "سنجعل منه منطلقاً نحو استعادة الوحدة الوطنية"
هنية: انتصارنا في غزة تاريخي وإستراتيجي يفتح الباب واسعاً أمام حتمية النصر الأكبر

غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
أعلن إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة الشرعية، انتصار الشعب الفلسطيني في الحرب الصهيونية الشرسة على قطاع غزة التي استمرت اثنين وعشرين يوماً. معتبراً أنه "نصر إلهي رباني".
وأكد في خطاب متلفز له مساء اليوم الأحد (18/1)، على ضرورة انسحاب الجيش الصهيوني من قطاع غزة "انسحاباً تاماً وكاملاً وبلا قيد أو شرط، وفتح المعابر ورفع الحصار وعدم السماح مجدداً لغزة وشعب غزة بعد هذه التضحيات العظيمة والدماء الغزيرة أن يعودوا إلى مآسي الحصار البغيض"، مشدداً على ضرورة العمل على استكمال الخطوات التي بدأناها اليوم"، في إشارة إلى وقف إطلاق النار تمهيداً لانسحاب الاحتلال ولرفع الحصار وفتح المعابر.
وقال هنية، الذي اعتبر ما جرى انتصاراً شعبياً وأممياً وإنسانياً: "نحن في لحظة تاريخية وانتصار تاريخي، إن هذا الانتصار يفتح الباب واسعاً أمام حتمية النصر الأكبر، والمتمثل بالتمسك بحقوقنا وثوابتنا وتحرير أرضنا وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس والإفراج عن كافة أسرانا وأسيراتنا من سجون الاحتلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم وأرضهم التي هجروا منها".
وأضاف في الخطاب الذي ألقاه بنبرة المنتصر: "سنجعل من هذا الانتصار منطلقاً نحو استعادة الوحدة الوطنية وإطلاق الحوار الداخلي بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وحقيقية"، داعياً إلى ضرورة تهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار".
وأشار إلى استمرار حكومته بالعمل "في قلب أجواء العاصفة" في متابعة أوضاع المعابر وتقدم المساعدات رغم شراسة العدوان وهمجيته، مشيرا إلى "أن الفوضى أو الفلتان الأمني لم يظهرا"، كما كان يراهن عليه الصهاينة.
وأكد إسماعيل هنية على ضرورة إرسال لجان تحقيق دولية "للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها العدو في قطاع غزة"، مطالباً بتقديم قادة الاحتلال إلى محكمة الجنايات الدولية.
وقال: "نحتسب عند الله شهداء شعبنا ونتوقف أمام الشهداء القادة الكبار العالم الجليل الدكتور نزار ريان والأخ القائد وزير الداخلية الشيخ سعيد صيام وندعو الله لكل شهدائنا بالرحمة والرضوان ولمرضانا وجرحانا بالشفاء العاجل ونقول لهم سنمضي على ذات الطريق ولن نفرط بهذه الدماء ولن نتنازل ولن نتراجع وسنحقق لشعبنا كل ما يتطلع إليه".
وأعلن هنية أن حكومته ستقدم إغاثات ومعونات عاجلة لكل العوائل والأسر الذين هدمت بيوتهم أو تضررت منازلهم ومنافعهم بما يعينهم على إيجاد المأوى البديل وبسرعة، وسنعمل على إعادة ما دمره الاحتلال، مطالباً في الوقت ذاته "أشقاءنا في الدول العربية والإسلامية، ومن المجتمع الدولي العمل وتحمل المسؤوليات على هذا الصعيد".
وثمن رئيس الوزراء الجهود والمسيرات والتحركات في كافة أرجاء المعمورة "، مقدراً على وجه الخصوص دور العلماء والنخب والقيادات والمؤسسات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان"، كما وجه التحية لكافة وسائل الإعلام والفضائيات "والتي نقلت للعالم حجم الجريمة من ناحية ومستوى الصمود والبطولة من ناحية أخرى"، مشيداً بالأطباء العرب وغيرهم الذين وصلوا إلى غزة، كما أبدى تضامنه مع "الأونروا" لما تعرضت له مدارسهم ومركزهم الرئيس في قطاع غزة من "اعتداءات وحشية".

الفلسطينيون يتفقدون آثار العدوان


منازل اختفت معالمها وأبراج سكنية شطرتها القذائف
الفلسطينيون يتفقدون آثار العدوان والصدمة تعقد الألسنة عن وصف المشهد (تقرير)
[غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
ما حدث ليس كابوساً أفاق منه أهالي قطاع غزة في اليوم الرابع والعشرين للحرب المدمرة التي لم تنته بعد، بل هو حقيقة قائمة على الأرض بكل ما خلفه الجيش الصهيوني في أرجاء القطاع. فإزاء المشاعر المروِّعة انعقدت الألسن وعجزت الكلمات عن وصف ما جرى.
على مدخل منطقة الكرامة، الواقعة شمال غرب مدينة غزة، ما أن تطأ القد الحي السكني حتى يبدأ القلب بالخفقان سريعاً، وبوتيرة تتصاعد مع حجم الخراب.
ببرج في المكان "برج الأندلس" السكني، المكوّن من ستة عشر طابقاً، والذي شطرته الآلة الحربية الصهيونية مناصفة طولاً، وكأنّ منشاراً قسمه نصفين. الفلسطينيون شيباً وشباباً ونساءً ورجالاً من حول المكان، كانت أقدامهم تأخذهم إلى مواقع الدمار والأنقاض وبقايا الأبنية.
داخل منطقة "أبراج الكرامة"، كما يسميها الأهالي الذين بدؤوا يتوافدون تترا إلى شقق سكنية اهترأت من رصاص طائرات "الأباتشي" المروحية، يبدو مشهد ما بعد القصف الضاري أبلغ من أي وصف. منهم من راح يلملم أخشاباً تبقت من سرير طفل وليد لجمه الخوف على لقم ثدي أمه، وأشقاء وجيران من حوله يتفقدون أشياءهم الصغيرة، يحاولون إنقاذ حقائبهم المدرسية والكراسات الممزقة.
إلى الشمال من منطقة الكرامة، وتحديداً في منطقة التوام، تبدأ الكارثة بالتكشف تباعاً، ليس بدءاً بالطرقات المجرفة، وليس انتهاءً بالمنازل والمتاجر والورش الصناعية المتهالكة.
الحاج "أبو يوسف" العجرمي، يمضي بخطى رجل بلغ من العمر عتياً، تسحبه أقدامه قلقاً على اثنين من أبنائه يسكنان التوام، ضُرب منزلهما بقذائف المدفعية المتمركزة شمال القطاع المحاصر.
يصف "أبو يوسف" ما يشاهده من خراب إسرائيلي بانعقاد في اللسان، فقد توقف برهة قبل الإجابة، ثم التفت يمنة ويسرة ورمق الأراضي والمنازل المدمرة من حوله بنظرات عميقة، وقال الحاج العجرمي (88 عاماً)، "عايشت نكبة 1948، وحرب 1956، وحرب 1967، جميعها شمّة هواء أمام هذا البلاء". مضى التسعيني متعجباً، أو مستعجباً مما رأت مقلتاه المتعبتان. أكمل طريقه عائداً إلى وسط غزة، تسنده في الطريق الوعرة عكازه التي رافقته عقوداً من الزمن.
من يواصل السير قدماً إلى الشمال، يجد الطريق أمامه طويلة ووعرة، بما يكفي ليتأمل كل شيء من حوله بتمعّن. فهذه أشجار الزيتون والحمضيات خرجت جذورها فوق الأرض، بينما تعطلت شبكات الكهرباء وقطعت خطوط المياه كلياً، على طول الطريق المؤدي إلى منطقة السلاطين، على مشارف بلدة بيت لاهيا.
وبدأت العائلات التي فرّت من جحيم القوات الصهيونية، بالعودة الحذرة إلى أحياء يمكن التعرف عليها بالكاد، لتفقد من نجا بحياته ومن قضى.
أمهات ينتحبن بكاءً فوق ركام منازلهن، يوارين الدمع، وأخريات تفتشن الأنقاض ليجمعن المتعلقات العزيزة على قلوبهن، في حقائب بلاستيكية.
آلة الحرب ظلّت تحلق فوق الرؤوس، ففي الأجواء تحوم طائرات الاستطلاع المعروفة بالزنانة، على مستويات منخفضة، بينما جابت المقاتلات الحربية، محدثة غارات وهمية، لتفزع السكان.
على الجانب الأيمن للطريق، لا يدرك المرء للوهلة الأولى أنّ ثمة بيوتاً كانت تنتصب هنا، فتغيير الواقع الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، قبيل الحرب، جُسِّد تماماً على الأرض بمنازل الآمنين، فلم يبقَ من منزل الحاج علي عبد القادر أبو جلهوم (76 عاماً) الأسبستي، حجر على حجر.
أبو جلهوم جلس وسط ما كان يسمى سابقاً دكاناً، ومن حوله دجاجاته، يتأمل بعض أكياس البقوليات، ومواد تموينية، وحاجيات أطفال، يقتات منها وزوجته "أم العز"، التي أجبرته على الخروج من المنزل رغم أنفه، خوفاً.
ويقول "أبو العز"، "لم أكن أرغب في الخروج من منزلي للبته، ماذا بقي لي في هذه الحياة وبعد هذا العمر لأعيش، لقد أخذت نصيبي منها، كان حريّ بي أن أُدفن قبل أن أشاهد بيتي كومة من خراب هكذا".
على الأرض، لم تزل عيون المواطنين غير مستوعبة هول الدمار الذي أحدثته دبابات "ميركافاه" ومقاتلات "إف 16"، وما كان يهبط على المنازل والأراضي من صواريخ وقذائف وقنابل فسفورية. حفر عميقة أحدثها الطائرات في حقول المزارعين، متذرعة باستهداف منصات صورايخ المقاومة وليس المدنيين الذين غادروا ديارهم مع بدء المرحلة الثانية للحرب غير المتكافئة، ولا زالوا ينزحون عن المنطقة، غير معلومة المعالم، كما يصفها سمير العامودي.
سمير في العقد الثالث من عمره، فقد وشقيقه منزلهما، ورشة لإعادة تهيئة وإصلاح المركبات، التي أتت عليها جنازير الآليات العسكرية، فلم تُبقِ في المكان شيئاً ولم تذر سوى أكوام من الحديد لا تسمن ولا تغني من جوع.
وأزاحت الجرافات التابعة للسلطات البلدية السيارات وقطع الخرسانة المتساقطة بعيداً عن الشوارع، لكنّ شيئاً لا يمكنه إخفاء نطاق الدمار الذي جلبته الآلة العسكرية الإسرائيلية. وكان رجل يواسي صديقه محمد عطا سلطان، الذي سُوِّي منزله المكون من ثلاث طبقات بالأرض تماماً، قائلا "الحمد لله أنك حيّ، يمكن إعادة بناء المنزل، إن شاء الله".
أما الأطفال في المنطقة فكان لهم قصة أخرى، وطرق أخرى في تفقد الخراب الذي خلفته آليات الاحتلال. فقد أخذوا يجمعون صفائح الرصاص الفارغة، وشظايا الصواريخ، والقذائف المدفعية، وفوارغ (خرطوش) الرصاص، متذرعين بأنها معادن نحاسية سيقومون ببيعها لجني بعض المال.
صور الخراب والدمار والمآسي التي تركتها الآليات العسكرية، تعجز عن وصفها الكلمات، فما حدث في غزة ليس مجرد حرب يُعتقد أنها انتهت، بل قد تكون بداية لحرب جديدة، سترسم معالمها دماء أطفال قضوا تحت المدافع والصواريخ الصهيونية.

فلسطينيو 48 يسعون لبرلمان عربي بديلا للكنيست

سليمان بشارات
مظاهرات فلسطيني48 خرجت بالآلاف مناصرة لغزة
يبحث نواب من فلسطينيي 48 بالكنيست الإسرائيلي إقامة برلمان عربي بديل لإدارة شئونهم الداخلية، كرد فعل على قرار إسرائيل منع قائمتين لهم من المشاركة في الانتخابات التشريعية في فبراير المقبل، والذي زاد من قلق الأقلية العربية بدولة الاحتلال من أن يكونوا الهدف القادم "للقمع الإسرائيلي" بعد قطاع غزة.
ودفع مرشحو فلسطينيي 48 مبكرا فاتورة احتجاجهم على المجزرة الإسرائيلية التي خلفت على مدار 22 يوما 1300 شهيد و5400 جريح معظمهم من النساء والأطفال، حيث منعت لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل الإثنين 12-1-2009 قائمتي التجمع الوطني برئاسة جمال زحالقة والعربية الموحدة برئاسة إبراهيم صرصور، اللتين تضمان عدة أحزاب عربية، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة متهمة إياهم بـ"عدم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود".
ورأى مراقبون أن هذا القرار الذي من المنتظر أن تبت فيه المحكمة الإسرائيلية العليا الأسبوع الجاري "قد يؤدي لتمرد فلسطينيي 48 على المؤسسة الإسرائيلية احتجاجا على سياستها العنصرية في التعامل معهم".

ومع أن القرار لا يعتبر نهائيا حتى تقره المحكمة، فإن مراقبين يعتبرون ذلك "دليلا على تفاقم نظرة العداء والعنصرية تجاه العرب داخل إسرائيل، ولاسيما بعد تنظيمهم العديد من حملات التضامن مع أهالي قطاع غزة ورفضهم الحرب الإسرائيلية".
وفي تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" قال جمال زحالقة، رئيس قائمة التجمع الوطني التي شملها قرار المنع: "إذا ما أقرت المحكمة الإسرائيلية العليا تثبيت قرار الحظر فإن ذلك سيخلق أزمة بين فلسطينيي 48 والحكومة الإسرائيلية".
تهديد بالمقاطعة
وأضاف زحالقة: "وضعنا عددا من الإستراتيجيات الجديدة للتعامل مع الواقع المستقبلي لفلسطينيي 48 داخل إسرائيل، ونحن الآن ندرس إقامة برلمان عربي من شأنه أن يدير الشأن الداخلي الفلسطيني".
وأشار إلى أن "هناك تأييدا يزيد على 50% بين ممثلي الأحزاب العربية إلى الدفع باتجاه الانتخاب المباشر للجنة المتابعة العليا التي تمثل الفلسطينيين في الداخل، وهذا بالتالي قد يمثل أرضية ننطلق منها لدراسة إقامة برلمان عربي بشكل جدي".
وهدد زحالقة أنه إذا تم تثبيت قرار الحظر على القائمتين العربيتين فإن ذلك "سوف يدفعنا لمقاطعة الانتخابات البرلمانية بشكل شامل، ورفض أي تمثيل عربي في الكنيست".
وبين زحالقة أن "المؤسسة الإسرائيلية ستكون في ورطة إذا بقي قرار الحظر، لا سيما أن الأحزاب العربية تمتلك برامج سياسية مشروعة مبنية على مبدأ المساواة في الحقوق، ومشاريع قومية تنويرية لا برامج عنصرية"، في إشارة إلى برامج بعض الأحزاب الإسرائيلية المتشددة التي تطالب بطرد فلسطينيي 48 من إسرائيل.
تصفية سياسية
من جانبه قال طلب الصانع، النائب بالكنيست عن الحزب الديمقراطي العربي: "ننظر بخطورة بالغة لهذا القرار.. منع الأحزاب العربية من المشاركة هو محاولة لتصفية القيادة السياسية للجماهير العربية.. هذا يسقط القناع عن العنصرية الإسرائيلية".
وأوضح الصانع في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت" أنه حتى "لو منعنا من الوجود بالكنيست، فهذا لا يعني سلب حضورنا العربي في أي قرار يهمنا داخل إسرائيل، فالتأييد العربي لبرامجنا يفرض نفسه على أي قرار يطمح أصحابه لتطبيقه على الأرض".
وأشار الصانع إلى أن الممارسات الإسرائيلية هذه "تدلل على هيمنة الخطاب الفاشي داخل الخطاب الإسرائيلي.. وهو لا يستوعب أن يسمح لأي خطاب أو فكر آخر أن يوجد في هذه الساحة.. هذا يمثل انعدام الوعي الديمقراطي داخل إسرائيل".
التمرد في مواجهة الإقصاء
بدوره قال إبراهيم أبو جابر، رئيس مركز الدراسات المعاصرة في أم الفحم (داخل إسرائيل): "إن ما يجري داخل إسرائيل وحظر الأحزاب السياسية يندرج في سياق الحملة العدوانية الحالية ضد الشعب الفلسطيني، ويأتي على هامش العدوان على غزة".
وحول مدى دفع هذه الممارسات الإسرائيلية فلسطينيي 48 إلى التمرد على دولة الاحتلال قال أبو جابر: "هذا أمر لا يستبعد، وخلال العدوان على قطاع غزة كتب العديد من المثقفين اليهود أن الهدف القادم بعد غزة هو فلسطينيو 48.. في كل يوم نشعر أنهم يحاولون طردنا".
وأشار أبو جابر في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت" إلى أن فلسطينيي 48 من خلال احتكاكهم اليومي مع المؤسسات والجمهور الإسرائيلي "يتعرضون لكثير من المضايقات والقمع، وهذا من شأنه أن يدفع باتجاه التمرد كرد فعل طبيعي على الواقع الذي يعيشونه".
وأوضح أبو جابر أن "العقلية الإسرائيلية تنبع من مبدأ راسخ أنه لا وجود للفلسطينيين بدولتهم ويجب التخلص منهم.. لذلك هناك إجماع كامل داخل إسرائيل على طردهم من هذه الأرض، والتضييق عليهم بكل الوسائل".
وقال أبو جابر: "الجميع هنا يستشعر ويعرف حقيقة أن هناك خططا إسرائيلية للتخلص من فلسطينيي 48، وكنا في الماضي نتحدث عن مخططات، لكن اليوم بدأ ذلك يطبق على الواقع".
وبيّن أبو جابر أنه منذ اليوم الأول لبدء الحرب على غزة فرضت قوات الاحتلال حصارا شاملا ومشددا على جميع البلدات والقرى العربية داخل إسرائيل.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن عدد الفلسطينيين داخل إسرائيل مع نهاية عام 2008 بلغ نحو 1.2 مليون فلسطيني.
وبحسب أحدث إحصائية لوزارة الخارجية الإسرائيلية في عام 2008 فإن عدد سكان إسرائيل يبلغ نحو 7 ملايين نسمة، يشكل اليهود ما نسبته 75.5% منهم، فيما يشكل الفلسطينيون 20.1%، ويصنف الباقي "آخرون" ونسبتهم نحو 4.4% ومعظمهم من القادمين الجدد، وذريتهم من غير المسجلين كيهود في وزارة الداخلية.
غزة.. شجار بالكنيست
وكانت جلسة برلمانية في الكنيست الإسرائيلي مؤخرا قد شهدت مناوشات ساخنة بين النواب الفلسطينيين ونواب الائتلاف واليمين اليهودي المتطرف الذين شرعوا في حملة تحريض على العرب، فتصدى لهم النائب محمد بركة، الأمر الذي لم يرق لرئيسة الكنيست التي سارعت بإخراج النائب بركة من الجلسة.
وكان أول المتحدثين في الجلسة زعيم المعارضة اليمينية "بنيامين نتنياهو" الذي ألقى خطابا تحريضا دمويا على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مهللا لمجازر قوات الاحتلال، فتصدى له النائب بركة، طالبا منه أن "ينخرس ولا يرقص على الدماء".
وكان المئات من فلسطينيي 48 داخل الخط الأخضر قد تظاهروا أمام ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" في مدينة القدس، احتجاجا على استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وقد دعت إلى التظاهرة لجنة المتابعة العربية العليا.

القسام: شهداؤنا 48 وقتلاهم 80


أعلنت أنها ستواصل التسلح بطريقتها في تحد للمحاولات الدولية لمنع تسليحهم
القسام: شهداؤنا 48 وقتلاهم 80

جنود الاحتلال يشيعون جنديا قتلته المقاومةغزة - أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، اليوم الإثنين لأول مرة منذ إعلان وقف إطلاق النار مساء السبت الماضي أرقاما محددة لحصاد الحرب على غزة، وما حققته المقاومة من نتائج، متحدية قادة إسرائيل أن يخرجوا بدورهم ويعلنوا نتائج محددة وموثقة لما حققوه أو خسروه.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته الكتائب بغزة أكد الناطق باسمها "أبو عبيدة" أنه "إذا مر الأسبوع دون انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة - وهو الشرط الذي أعلنته الفصائل لوقف إطلاق النار - فإن الكتائب ستواصل إطلاق الصواريخ، وترسلها إلى مدى أبعد من المدى الذي وصلت إليه خلال الحرب"، ووصلت صواريخ المقاومة خلال العدوان بلدات إسرائيلية تبعد نحو 50 كم عن غزة.
وأعلنت الكتائب خلال المؤتمر استشهاد 48 من مجاهديها مقابل 80 جنديا إسرائيليا، بينهم 49 رصدتهم أعين المجاهدين بشكل مباشر، والبقية تقديرات تخص جنودا سقطوا في عمليات للمقاومة استهدفت تجمعات ودبابات.

وكان جيش الاحتلال قد زعم قبل أسبوع من انتهاء الحرب أنه قتل نحو 350 من رجال المقاومة مقابل قتل المقاومة 10 من جنوده، بعضهم سقط خلال حوادث سير أو بنيران صديقة، على حد قوله.
وحدد أبو عبيدة 5 محاور لنتائج الحرب، هي:
المحور الأول: عدد الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين، مشيرا إلى أن إجمالي عدد الشهداء هو 1350 شهيدا غالبيتهم من المدنيين، فيما فقدت الكتائب 48 مجاهدا في أرض المعركة.
المحور الثاني: عدد القتلى الإسرائيليين، قائلا في هذا الصدد: "رصدنا بكل دقة قتل 49 جنديا صهيونيا وجرح المئات، ناهيك عن العمليات غير المباشرة التي قصفنا خلالها تجمعات للجنود، وتقديراتنا لا تقل عن أنهم 80 جنديا بخلاف القتلى والمصابين الذين وقعوا في قصفنا للمستوطنات".
وتوجه المتحدث باسم كتائب القسام إلى قادة إسرائيل بلهجة متحدية قائلا: "ونتحدى الجيش الإسرائيلي أن يعلن خسائره الحقيقية كما أعلناها نحن، بدلا من استمراره فيما دأب عليه من تكتم وتزييف للحقائق طوال الحرب، ذهبت إلى حد أن يعلن أن بعض من قتل من جنوده كان خلال حوادث سير".
كما أشار إلى أن "العدو شن 2500 غارة جوية على قطاع غزة الصغير المحاصر، واستنزف 50% من ذخيرة الجو، فسارع أسياده في واشنطن إلى تعويضها بمدد أرسلوه خلال الحرب".
وفي المقابل - يواصل أبو عبيدة - "لم نستخدم الأسلحة المكدسة في مخازن الحرب، ولا دبابات ولا طائرات، ولكن أسلحة صنعناها بأيدينا، ودماء شهدائنا"، لافتا في هذا الصدد إلى أن "العدو بترسانته الضخمة لو تعرض لعشر ما تعرضت له غزة الصامدة لفر كل من فيه إلى المطارات والموانئ للهروب إلى الأبد".
وأشار في لفتة ساخرة إلى أن "جيش الاحتلال هو الوحيد في العالم الذي يستخدم جنوده "حفاظات" لشدة خوفه من مواجهة الرجال على الأرض".
الحصاد الجهادي
المحور الثالث هو الحصاد الجهادي، وقال فيه إنه: برغم استهداف العدو كل ما يتحرك على الأرض وإلقاء القذائف الحارقة والفسفورية والصواريخ في عملية قد تكون هي الأضخم في تاريخه، فإن القسام نفذت ما يلي:
- إطلاق 980 قذيفة وصاروخا منها 310 صواريخ جراد و422 قذيفة هاون والبقية من صواريخ القسام.
- تم التصدي للدبابات المتوغلة بـ 98 قذيفة وصاروخا مضادا للآليات وصواريخ مضادة للدروع استخدمناها لأول مرة في غزة.
- فجرنا 79 عبوة ناسفة في آليات متوغلة.
- نفذنا 52 عملية قنص للجنود وشوهدوا يتساقطون من دباباتهم أمام كاميرات العالم.
- نفذنا 12 كمينا محكما في أماكن التوغل سقط فيها عدد من جنود القوات الإسرائيلية الخاصة.
- دخلنا مع قوات العدو في 119 اشتباكا مسلحا وجها لوجه.
- وبالنسبة للعمليات التفجيرية نفذنا عملية واحدة تكفل بها المجاهد رزق سامي صبح عندما فجر نفسه بحزام ناسف في دبابة تحمل عددا من الجنود في العطاطرة غرب بيت لاهيا.
- دمرنا 47 دبابة وجرافة وناقلة متوغلة كليا أو جزئيا.
- أصبنا 4 مروحيات وأسقطنا طائرة استطلاع.
- قمنا بعمليتي أسر لجنود صهاينة، الأولى وقعت شرق حي التفاح في اليوم الثالث للحرب البرية، حيث أسرنا عدة جنود، ولكن تدخل الطيران الإسرائيلي وقصف الجنود ومعهم منفذ العملية محمود الريفي فقتل الجنود ولقي الريفي ربه شهيدا، والثانية جرت شرق جباليا في 5 يناير، حيث أسرنا جنديا بواسطة كمين محكم واحتفظنا به ليومين ولكن العدو رصده وقصف المنزل؛ حيث قتل الجندي و3 من المجاهدين، هم محمد فريد عبد الله ومحمد عبد الله عبيد وإياد حسن عبيد.
مناطق التوغل
المحور الرابع هو مناطق توغل قوات الاحتلال بريا، وقال أبو عبيدة في هذا الصدد إن "العدو استخدم سياسة الأرض المحروقة؛ حيث كان يقصف الأرض بحرا وجوا قبل توغلهم بريا في مناطق العطاطرة وحي تل الإسلام "تل الهوى" ونتساريم والمغراقة وشرق مناطق جباليا وخزاعة والزيتون ورفح، وهي مناطق كان يتوغل فيها دوما قبل الحرب؛ لأنها مناطق حدودية عديمة أو قليلة السكان".
وأكد أن العدو لو كان يستطيع أن يجتاح غزة بريا لما تردد، ولكنه يعلم جيدا ماذا كان سيحدث له.
فشل الأهداف
أما عن المحور الخامس والأخيرة فهو ما أسماه الناطق باسم كتائب القسام "فشل أهداف العدو".
وتابع موضحا: "سمعنا منهم أن الحرب ستكون صادمة أي قصيرة، ولكن تحت وطأة الفشل أعلنوا لها مرحلة ثانية ثم ثالثة ثم رابعة.. فكيف تكون هذه حربا لها أهداف محددة، وكيف تكون قد حصدت إنجازات تذكر غير سفك الدماء؟!"
وتوجه للشعب الإسرائيلي بالقول: "اسألوا قادتكم عن ماهية هذه الأهداف وما حققوه منها، ولماذا لم يخرج أحدهم ليعلنها وبالتفصيل أمام العالم"، قائلا: "إننا فوجئنا بعدم قدرة العدو على الرؤية والتخطيط وأثبت فقط أنه يتقن القتل بالجملة".
وبحسب تقدير القسام قال أبو عبيدة: إن "قادة العدو قالوا إنهم يستهدفون إسقاط حماس، فهل أسقطوها؟ وقالوا إنهم سيمنعون إطلاق الصواريخ فهل منعوها يوما طوال مدة الحرب؟"، مشيرا في هذا الصدد إلى أن قرار حماس بوقف إطلاق النار لمدة أسبوع شرط انسحاب قوات الاحتلال من غزة هو قرار "اختياري من حماس وليس نتيجة أي ضغوط".
ولدى سؤاله عما يمكن أن تفعله القسام إذا لم تستجب إسرائيل لهذا الشرط وبقيت قواتها في غزة قال أبو عبيدة: "لقد وعدناهم قبل الحرب أن صواريخنا ستنال أسدود وبلدات أخرى ونفذنا وعدنا، ونعدهم الآن بأن تصل صواريخنا إلى مدى أبعد من كل ما وصلت إليه إذا ما اختاروا البقاء".
وأضاف: "نطمئن رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت بأن أهدافكم سقطت في وحل غزة ولم تعد إلا برصيد جديد من المجازر".
ونفى أبو عبيدة ما أسماها بـ"أكاذيب الاحتلال خلال الحرب"، ومنها قوله إنه اعتقل عددا من رجال المقاومة، مؤكدا "لم يتم اعتقال أي من رجالنا، ومن تم اعتقالهم هم من المدنيين".
"ويقولون إنهم دمروا قوة حماس العسكرية، وأقول لكم بكل مصداقية ودقة إن ما خسرناه كان ضئيلا جدا، ورممناه قبل انتهاء الحرب".
"احشدوا العالم"
وفيما يخص المباحثات الجارية بين أطراف عربية ودولية من أجل وقف تهريب السلاح إلى غزة، قال أبو عبيدة متهكما: "ومنذ متى كان يُسمح لنا بإدخال رصاصة واحدة إلى غزة، فليفعلوا ما يشاءون واحشدوا العالم لأننا نعلم جيدا كيف نحصل على السلاح".
وأشار أبو عبيدة إلى أن "كل من يسوق أكاذيب العدو بأن هدف حربه على غزة هو إطلاق المقاومة الصواريخ على جنوب الكيان الصهيوني فإنه متواطئ ومشارك في العدوان".
واختتم كلمته بالتأكيد على أن نجاح الحرب "لا يقاس بكم الدماء التي نزفت فيها، ولكن بتحقيق الأهداف.. ونحن لن نركع ولن نستسلم ولن نرفع الراية البيضاء".
ووجه تحية إلى "كل مجاهدينا في كافة الفصائل الضاغطين على الزناد، ولشعبنا الصامد، وللشعوب العربية الحية التي انتفضت لغزة، ولكل أحرار العالم.. ونعاهد الله أن نبقى على درب الجهاد والمقاومة حتى تحرير بلادنا ومقدساتنا المدنية والله مولانا ولا مولى لهم".

إسرائيل تحارب المقاومة بمقالات عربية!

محمد جمال عرفة
في إطار حربها النفسية والإعلامية التي تواكبت مع عدوانها الذي استمر 22 يوما على قطاع غزة، استعانت إسرائيل بكتابات لكتاب ومحللين عرب يحسبون على تيار "الاعتدال الليبرالي"، توجه انتقادات حادة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" و"من يقف وراءها من دول محور الشر"، في إشارة إلى سوريا وإيران، بحسب وصف هؤلاء الكتاب.
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي في 27-12-2008، مخلفا نحو 1300 شهيد و5400 جريح، نصفهم من النساء والأطفال، دأب موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية "التواصل" على الإنترنت على إعادة نشر عشرات المقالات لكتاب عرب يذمون "إرهاب" حركتي حماس والجهاد، ويؤكدون الاتهامات الإسرائيلية للحركتين بأنهما "ألعوبة" في أيدي "الإرهاب الفارسي".
كما ذهبت بعض هذه المقالات إلى الإشادة بـ"ديمقراطية" دولة الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن أرض فلسطين المحتلة "حق لبني إسرائيل، وأرض الميعاد التي بشرتهم بها التوراة".
وكانت الناطقة الرسمية باسم جيش الاحتلال "أفيتال ليبوفيتش" قالت إبان العدوان: إن "وسائل الإعلام الجديدة وعالم التدوين يشكلون معارك جديدة في إطار الصراع حول كسب الرأي العام العالمي"، فيما وصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الإنترنت بأنه "منطقة حرب".
وسبق أن اتبعت الخارجية الإسرائيلية نفس الأسلوب خلال الحرب الثانية على لبنان صيف 2006، فتحت عنوان "مقالات رأي لكتاب عرب"، أعادت نشر موضوعات من صحف عربية شهيرة، مثل "الشرق الأوسط" السعودية و"الأهرام" المصرية و"الوطن" و"الرأي " الكويتيتين، تدين حزب الله، وتؤكد وجهة النظر الإسرائيلية في أنه كان السبب في اندلاع الحرب؛ بسبب أسره جنديين إسرائيليين.
اللافت أن الأقلام التي سبق أن هاجمت حزب الله عام 2006 هي نفسها بجانب كتاب جدد التي هاجمت حماس خلال العدوان الأخير.
"أراجوزات" إيران!
من أبرز المقالات التي احتفى بها موقع وزارة الخارجية مقال "مأساة غزة: أصابع إيران الخفية" للكاتب السعودي تركي الحمد، والذي نشر في "الشرق الأوسط" يوم 31-12-2008، ووصف فيه صواريخ المقاومة بأنها "ألعاب نارية حماسية"، واعتبر أن حزب الله وحماس "أراجوزات تحركها إيران من وراء الستار وقتما تشاء وكيفما تشاء، وليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم".
وقال الحمد في مقاله: "إسرائيل تتعرض للاستفزاز المتكرر من قبل حماس، حين ترشقها بالصواريخ بشكل شبه يومي، فما هو المتوقع من إسرائيل وهي الدولة التي قامت واستمرت في الحفاظ على وجودها بالقوة والحل العسكري؟!".
ويتابع: "إذا كانت إسرائيل قد أجرمت بحق الفلسطينيين، فإن حماس شريكتها في الجريمة، بل تتحمل الوزر الأكبر.. وما يجب لفت النظر إليه هنا هو الدور الإيراني في المأساة.. أحداث غزة الأخيرة، وقبلها أحداث لبنان عام 2006، لم تكن نتيجة فعل مقاومة وطنية بقدر ما كانت وسائل لإشغال إسرائيل، القوة الإقليمية الوحيدة المنافسة لإيران في المنطقة، كي تتفرغ إيران لبرنامجها النووي، وخططها الأخرى للهيمنة على المنطقة".
مقالات "طارق الحميد" رئيس تحرير "الشرق الأوسط" كانت أيضا في مقدمة الكتابات التي أعاد موقع الخارجية الإسرائيلية نشرها، ففي مقال بعنوان "دماء غزة.. مشروع تجاري"، نشر يوم 28-12-2008 دعا الحميد العالم العربي لاتخاذ موقف حاسم "يحمل حماس وإيران مسئولية معاناة الفلسطينيين".
وفي مقاله "العرب يصوتون ضد حماس"، بتاريخ 29-12-2008، قال الحميد إن "العرب قرروا التصويت ضد عبث حماس، وإظهار موقف عربي يعكس الوعي بأهمية التوقيت والظرف الدولي".
"لاحقوا متمردي حماس"
وحرص الموقع على إبراز مقالات الكاتب الكويتي "عبد الله الهدلق" بصحيفتي "الرأي" و"الوطن"، والتي يوجه فيها السباب للفلسطينيين ويعتبر وطنهم "أرض الميعاد" لإسرائيل.
فقد قال "الهدلق" في مقاله بـ"الوطن" يوم 21-12-2008: "أيها الجيش الإسرائيلي عليكم بالإرهابيين الفلسطينيين المؤتمرين بأوامر الإرهاب البعثي الفارسي.. لاحقوا متمردي حماس ومعتوهيها والحمقى من قادتها والمتهورين من زعمائها المتسترين بالدين والمتاجرين به، واسحقوهم وأبيدوهم ولقنوهم درسا لن ينسوه إلى الأبد كما لقنتم حزب الله الإرهابي المهزوم عام 2006 درسا قاسيا أثخنتموهم فيه، وخلصوا غزة من سطوة الحركة الإرهابية".
وأضاف في المقال المنشور بعنوان "جزاء قيادات الغدر والخيانة": "هل نسي الإرهابيون في حماس أو تناسوا ما لقيه أمثالهم من قبل في أيلول الأسود بالعاصمة الأردنية عمان على أيدي جنود الملك الأردني حسين بن طلال رحمه الله؟!".
وأردف: "عندها هرست وفرمت دبابات الحق الأردني أجساد الإرهابيين في مخيمات شتات اللاجئين الذين حاولوا التمرد والغدر ونكران الجميل فكانت لهم السيوف بالمرصاد فحصدتهم واستأصلت شأفتهم وقطعت رءوس الإرهاب التي أينعت وحان قطافها، هؤلاء هم الفلسطينيون أينما حلوا حل معهم الإرهاب والإفساد والقلاقل والفتن والغدر واللؤم ونكران الجميل".
وتساءل الهدلق مستنكرا: "هل يمكن لحكومة إرهابية مثل حماس أن تقود شعبا أو تحقق تقدما في مسيرة السلام؟! وهل يمكن لشعب لم يعرف إلا التشرد والضياع في بداية حياته، ثم التشدد والتطرف والإرهاب والقتل والهجمات الانتحارية وقذائف الكاتيوشا التي يطلقها بشكل يومي على المدنيين الأبرياء والنساء والأطفال في المدن الإسرائيلية في الجنوب المحاذي لغزة أن يشكل مجتمعا مدنيا ونواة لدولة فلسطينية حضارية قابلة للاندماج في المجتمع الدولي؟!".
وأضاف أن: "إسرائيل دولة ديمقراطية يتحداها الإرهابيون والمتطرفون، وتحيط بها أنظمة حكم شمولية وديكتاتورية ومتسلطة ومستبدة عليها أن تخجل من أنفسها وتنسحب بهدوء".
الأرض المقدسة.. لإسرائيل!
واستطرد الكاتب الكويتي: "كما أن الأرض المقدسة حق لبني إسرائيل قبل أن ينتشر فيها شتات مخيمات اللاجئين، وقبل أن تنشأ حركات فتح والجهاد وحماس الإرهابية، وهي أرض الميعاد التي بشرت بها التوراة، ويحق لدولة إسرائيل أن تحتفل بالذكرى الستين لها"، واحتفل الإسرائيليون في مايو الماضي بمرور 60 عاما على احتلالهم أرض فلسطين وإقامة دولتهم عليها.
وتابع الهدلق: "لقد نشأت دولة إسرائيل الحديثة لتدوم وتستمر.. وإرادة الله سبحانه وتعالى أن يكتب الأرض المقدسة حقا لبني إسرائيل دون غيرهم تتأكد في قوله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } المائدة : 21.
وفي مقال آخر بصحيفة "الرأي" يوم 21-12-2008، بعنوان "أين المفر؟!"، انتقد ما أسماه بـ"الإرهاب الذي تمارسه حماس بإطلاق وابل من القذائف الصاروخية العبثية تجاه عسقلان وسديروت.. ولكن أين المفر أيها الإرهاب الفارسي، ويا إرهاب حماس والجهاد وقد أعلنت إسرائيل تهديدها النهائي؟!".
إسرائيل الديمقراطية!
الكاتب أنيس منصور كان بمقاله، الذي نشر بصحيفة الأهرام المصرية الرسمية يوم 5-6-2008 تحت عنوان "اختيار الطائر الوطني الإسرائيلي شكل من أشكال الديمقراطية"، واحدا من الكتاب العرب الذين استعانت إسرائيل بكتاباتهم في حربها ضد المقاومة.
حيث تطرق الكاتب المصري إلى الاستفتاء الذي جرى في إسرائيل لاختيار الطائر الوطني وفاز فيه الهدهد، حيث اعتبر أن هذا الاستفتاء الشعبي "يثبت ديمقراطية إسرائيل"، قائلا: "عادةً نستل السكاكين والحناجر للهجوم على إسرائيل وتسخيف هذه الأفكار، ولا نرى فيها أيا من أشكال الديمقراطية‏..‏ وهو ما يسبب سوء فهم بيننا وبين خصومنا وأعدائنا،‏ فنحن لا نرى لهم أية ميزة".
ونقلا عن مجلة "أكتوبر" المصرية يوم 11-11-2008، أعادت الخارجية الإسرائيلية نشر مقال الكاتب حسين سراج بعنوان "في مركز بيريز.. الأولاد يصنعون السلام"، والذي تحدث فيه الكاتب عن انطباعاته من احتفالات مركز بيريز الإسرائيلي للسلام بعامه العاشر.
وأوضح سراج أن "المركز يهدف إلى تعزيز الرؤية بشأن السلام، وتعاون منطقة الشرق الأوسط للعمل معا لتحقيقه من خلال التنمية والتعاون الاقتصادي والاجتماعي والتفاعل على مستوى الشعوب؛ لأن الشعوب لا الحكومات هي التي تصنع السلام الحقيقي".
واستطرد: "رغم الواقع الأليم الذي يشاهده أولاد وشباب اليوم من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي فى كثير من الأحيان من خلال القصف الإسرائيلي أو سقوط صواريخ القسام فى محيطهم، فإنهم في مركز بيريز يؤمنون بأن الأمل فى مستقبل أفضل تتبدل فيه العداوة والشك بالقدرة على رؤية إنسانية الآخر، لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق الأولاد والشباب".
ويشيد سراج بالمركز، الذي يرى مراقبون أنه "يهدف لإجراء عمليات غسيل مخ للأطفال والشباب العرب"، قائلا: "يطلق المركز سنويا برامج تشمل الآلاف من الأولاد والشباب الفلسطينيين والإسرائيليين، ليلتقوا ويعرف كل منهم الآخر".
وتابع: "تقوم هذه البرامج على استخدام وسائل من عالم الرياضة والفن والتكنولوجيا، لجعل الأولاد والشباب يتعرفون على قيم التعايش والتفاهم المتبادل، وتساعدهم على التغلب على المخاوف الأولية؛ ليكتشفوا أنه في الجانب الآخر -سواء كان فلسطينيا أو إسرائيليا - أولاد مثلهم".
ومن الكتابات التي احتفى بها أيضا موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، مقالات "إلياس بجاني"، الأمين العام للمنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية - الكندية، والكاتب الكويتي خليل علي حيدر، والكاتب السعودي حمد الماجد، وعبد الرحمن الراشد، مدير قناة "العربية" الفضائية.
------------------
* المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

انطلاق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الأربعاء القادم‏


تنطلق الدورة الحادية والأربعون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الأربعاء القادم، والذي يمتد حتى الخامس من فبراير المقبل، بمشاركة 27 دولة منها 16 دولة عربية، و11 دولة أجنبية منها دولة جديدة هي كوريا التي تشارك لأول مرة.
وستكون المملكة المتحدة ضيف شرف المعرض لهذا العام، وقد قام المجلس الثقافي البريطاني بالتعاون مع معرض لندن للكتاب وجمعية الناشرين البريطانية، ونقابة الناشرين المستقلين بالإعداد لبرنامج ثقافي.
إذ من المقرر أن يحضر المعرض بعض من كبار الكتاب والروائيين، والشعراء ومؤلفي قصص الأطفال من المملكة المتحدة، للمشاركة في فعالياته، ومن بينهم ثلاثة من كبار كتاب روايات المراهقين، هم: أنتوني هوروويتز وميج روسوف، وديفيد ألموند، الذين سيقدمون بعض الفقرات للآباء والمدرسين وللمراهقين أنفسهم.
ومن بين الحضور، كذلك حضور الكاتب الروائي بن أوكري (وهو حاصل على عدة جوائز منها جائزة الباكر Booker Prize)، ومارجريت درابل، ومارينا وارنر، وأهداف سويف، وجمال محجوب، وجيمس ميك، وسامية سراج الدين، بالإضافة إلى الشعراء بول فارلي، ومنة الفين، وليونيتا فلين. وستتاح الفرصة لمدرسي العلوم والطلبة لمناقشة الجانب العلمي الخفيف مع كوينتن كوبر من ال BBC وديفيد جيمس من جامعة شيفيلد هالام في المقهى العلمي حول علم كرة القدم.
وسيتحدث كوينتن عن تجربته مع مشروع كيب فيرويل، والذي يعتبر نفسه بمثابة "رد الفعل الحضاري تجاه التغيير المناخي".
ومن المقرر أن يتم توفير ترجمة فورية (من الإنجليزية للعربية وبالعكس) في كل المناقشات وورش العمل العلمية، وسيكون بالإمكان تسلم سماعات الترجمة لم يتقدم بإثبات شخصية، في حين ستكون المقاهي الثقافية باللغة الإنجليزية فقط

الأحد، 18 يناير 2009

دليل الدعاء من الألف الى الياء

إنَّ مقتضى إيمان المرء بالله سبحانه وتعالى إلهاً واحداً وربًّا معبوداً أن يلجأ إليه؛ وبخاصَّةٍ في المُلِمَّات، والإنسان يعرف ضعفه، فإنَّه كثيراً ما يصادف ظروفاً وأحوالاً لا يملك في مواجهتها حيلة، أمَّا المؤمن فهو يأخذ بالأسباب، وفي نفس الوقت يستعين بالله عزَّ وجلّ، أمَّا غير المؤمن فقد يهاجمه اليأس، أو يركن إلى الأسباب الماديَّة وحدها. والنفس الإنسانيَّة مهما بلغت قوَّتها، ومهما بلغ غناها، تحسُّ دائماً في ساعة العسرة بالضعف، وحاجتها إلى من يحميها وينقذها من وحدتها ويزيل عنها المكروه. الدعاء هو العبادة: والدعاء من العبادات، بل هو العبادة الحقيقيَّة ذاتها، لدلالته على إقبال العبد على الله عزَّ وجلَّ والإعراض عمَّن سواه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح. والله سبحانه وتعالى قريبٌ من عباده، وهو عزَّ وجلَّ يبادر بإجابة دعواتهم، حيث قال عزَّ وجلّ: "وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان"، والعبد الذي يدعو يمكنه أن يتقرَّب إلى الله سبحانه وتعالى بوسيلةٍ من الوسائل تُزيد من رجاء القبول والاستجابة؛ فالوسيلة هي المنـزلة والدرجة والقُربة، والتوسُّل إليه سبحانه وتعالى هو أن تتقرَّب إليه بعملٍ صالح. تحري الأوقات الفاضلة وأحوال القرب: هناك أوقاتٌ وأحيانٌ وأحوالٌ فاضلة، يستطيع المرء إذا تحرَّى الدعاء فيها كان لله عزَّ وجلَّ متوسِّلاً متقرِّبا، وصار دعاؤه أقرب للإجابة، فهناك ساعةٌ في يوم الجمعة، إن وافقناها أُعطِينَا، وساعةٌ كلَّ ليلة، للدنيا والآخرة، وهناك وقت السَّحَر، فلنتوسَّل إلى الله عزَّ وجلَّ بتحرِّي هذه الأوقات للدعاء والاستغفار. والمؤمن يدعو ربه أينما كان وفي أية ساعة، ولكن هذه الأوقات والأحوال والأماكن تخص بمزيد عناية، فإنها مواطن يستجاب فيها الدعاء بإذن الله تعالى. ومن تلك الأحوال والأوقات: ليلة القدر، ودُبُر الصلوات الخمس، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وعند شرب ماء زمزم مع النيَّة الصادقة، وفي السجود في الصلاة، وعند التأمين في الصلاة، ودعاء الغازي في سبيل الله، والدعاء عند المريض، ودعاء يوم عرفة في عرفة، والدعاء في شهر رمضان، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند المصيبة، ودعاء الوالد لولده، ودعاء المسافر، ودعاء المضطَّرّ. كما قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الربّ: وعزَّتي لأنصرنَّك ولو بعد حين"رواه الترمذيّ، وقال: حسن. ومن الوسائل الكريمة التي تؤهِّل دعاء العبد للإجابة: أن يدعو لغيره، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أَنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثل"رواه مسلم. وكذلك طلب الدعاء من الصالحين، وقد فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك، فعن أسير بن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفِيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مرادٍ ثمَّ من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك بَرَصٌ فبرِأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ ثمَّ من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبرِأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له.رواه مسلم. الاستجابة أكيدة: وعندما يرفع المؤمن دعاءه إلى الله عزَّ وجلّ، ينبغي أن يوقن بالإجابة، فعن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي"رواه البخاري. لذا فإنَّنا نعزم في الدعاء ولا نستثني، والعزم هو أن نطلب ما نريد بلا تردُّدٍ ولا تعليقٍ للأمر، والاستثناء عكس العزم؛ وهو أن نعلِّق الاستجابة على مشيئة الله سبحانه وتعالى، وبما أنَّنا نعتقد أنْ لا شيء يُلزِمُ المولى عزَّ وجلّ، فقد أُمرنا أن نعزم في الدعاء ولا نُعَلِّقه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنّ: اللهمَّ إن شئت فأعطني، فإنَّه لا مستكره له"رواه البخاري. نصون سلاح الدعاء: إنَّ كلَّ سلاحٍ يحتاج للصيانة ليبقى صالحاً للاستعمال، وصيانة سلاح الدعاء تكون: - بتحرِّي الحلال. - بالقيام بواجب الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّها الناس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيُّها الرسل كلوا من الطيِّبات واعملوا صالحاً إنِّي بما تعملون عليم"، وقال: "يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم" ثمَّ ذكر الرجل يُطيل السفر، أشعث أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك"رواه مسلم. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأمينٌ للإجابة: قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مُروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم"رواه ابن ماجه، بسندٍ حسن. فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة، فليقُمْ بهذا الواجب. أسباب عدم إجابة الدعاء: إضافةً إلى ما سبق، فهناك أسبابٌ تمنع استجابة الله عزَّ وجلَّ لدعاء العبد، ذكرها إبراهيم بن أدهم حينما مرَّ بسوق البصرة، فسأله الناس: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأنَّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله ولم تؤدُّوا حقَّه، وزعمتم أنَّكم تحبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنَّته، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدُّوا شكرها، وقلتم: إنَّ الشيطان عدوٌّ لكم، ولم تخالفوه، وقلتم: إنَّ الجنة حقّ، ولم تعملوا لها، وقلتم: إنَّ النار حقّ، ولم تهربوا منها، وقلتم: إنّ الموت حقّ، ولم تستعدوا له، وانتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بهم. من آداب الدعاء: وللدعاء آداب، منها: الإخلاص لله تعالى، والوضوء قبله، وأن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثمَّ بالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويختم بذلك، واليقين بالإجابة، والإلحاح وعدم الاستعجال، وحضور القلب، والدعاء في الرخاء والشدَّة، وعدم الدعاء على الأهل والمال والولد والنفس، وخفض الصوت، وعدم تكلُّف السجع، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وأن يبدأ بنفسه إذا دعا لغيره، وتحرِّي أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال والأوضاع والأماكن التي هي من مظانِّ إجابة الدعاء. أخطاء تقع في الدعاء: أن يشتمل الدعاء على شيءٍ من التوسُّلات الشركيَّة أو البدعيَّة، وتمنِّي الموت، وسؤال الله ذلك، والدعاء بتعجُّل العقوبة، والدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنعٌ عقلاً أو عادةً أو شرعا، والدعاء بأمرٍ قد تمَّ وحصل بالفعل وفُرِغ منه، وأن يدعو بشيءٍ دلَّ الشرع على عدم وقوعه، والدعاء على الأهل والأموال والنفس، والدعاء بالإثم كأن يدعو على شخصٍ أن يُبتلَى بشيءٍ من المعاصي، وتحجير الرحمة، كأن يقول: "اللهمَّ اشفني وحدي فقط، وارزقني وحدي فقط"، وأن يخصَّ الإمامُ نفسَه بالدعاء دون المأمومين إذا كانوا يُؤمِّنون وراءه، وترك الأدب في الدعاء، والدعاء على وجه التجربة والاختبار لله عزَّ وجلّ، كأن يقول: "سأجرِّب وأدعو لأرى أيستجاب لي أم لا؟"، وقول بعضهم: "سأدعو الله فإن نفع وإلا لم يضرّ"، وكثرة اللحن أثناء الدعاء، واليأس وقلَّة اليقين من إجابة الدعاء، ودعاء الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنَّة، والمبالغة في رفع الصوت، وتصنُّع البكاء ورفع الصوت بذلك. مقامات الدعاء مع البلاء: وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. والثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوَى عليه البلاء، فيصاب به العبد. والثالث: أن يتقاوما ويمنع كلُّ واحدٍ منهما صاحبه. وقد روى الحاكم في مستدركه بسندٍ صحيحٍ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُغنِي حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع ممَّا نزل وممَّا لم ينـزل، وأنَّ البلاء لينـزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان- أي: يصطرعان- إلى يوم القيامة". ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: "ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا ربّ، يا ربّ، لعلَّ الله عزَّ وجلَّ أن ينجيه". كتبٌ في الدعاء: أمَّا عن الكتب التي تناولت الدعاء وفلسفته، فيأتي على رأسها كتاب "إحياء علوم الدين" لحجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، وكتابا "زاد المعاد"، و"الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب" للعلاَّمة ابن القيِّم، وكتاب "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي. ومن الكتب المعاصرة: - "فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء" لفضيلة الشيخ محمد الغزالي. - "الدعاء المُيَسَّر" للأستاذ أحمد عيسى عاشور - "مفاتيح السماء من مختارات الدعاء" للأستاذ طه عبد الله عفيفي. - "الدعاء من الكتاب والسنَّة" للشيخ سعيد بن وهف القحطاني. مسألة أن ترك الدعاء في الأمور الماديَّة: أمَّا مسألة أن نترك الدعاء في الأمور الماديَّة، فلا أؤيِّدك ذلك، لأنَّ الله تعالى إذا كلن كريماً جوادا، فلماذا نكون نحن بخلاء؟؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء"رواه الطبرانيّ، بسندٍ صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء"رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه، بسندٍ صحيح. فلا تضيِّق واسعا، فتخسر هذه الفرصة".

السبت، 17 يناير 2009

الجيش الاسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تحلل الأجساد وتبقيها هياكل عظمية

أكدت مصادر طبية بمستشفى الشفاء أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يستخدم أسلحة فتاكة تستخدم لأول مرة ولم يشهد لها مثيل من قبل، موضحة أن تلك الأسلحة تتسبب فى تحلل الأجساد وإذابتها وإبقائها هياكل عظمية.
وقالت المصادر "إن هذا ما اكتشفناه عندما توجهنا إلى برج الكرامة وأخرجنا من أحد الشقق ثلاثة شهداء لحومهم ذائبة لم يبق من أجسادهم إلا العظام"، مؤكدة أن القذيفة التى استهدفتهم "فتاكة جدا وما شاهدته لا يوصف ولا يمكن رؤيته".
وأوضحت المصادر "أنه عند تفقد منطقة تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة وجدنا فى الشقق والأبراج التى تعرضت للقصف مادة شبيهة بالبودرة والطحين لها آثار فتاكة منها الصعوبة فى التنفس وحروق بدرجات عالية تعمل على تحليل الأجسام"، مشيرة إلى أنه خلال المعاينة بالمستشفيات هناك الكثير ممن تحللت أطرافهم العليا والسفلية وتم بترها إضافة إلى استشهاد 7 جرحى متأثرين بالحروق البالغة التى أصيبوا بها.
وعن معاناة الجرحي الفلسطينيين قال تقرير لصحيفة الشرق الاوسط عن شاب الفلسطيني يدعي أحمد نصر أبو جرادة/ 18 سنة انه كان يقف أمام باب بيته في غزة، حين أصيب في قصف إسرائيلي، ولا يذكر، وهو يرد بالكاد على سائليه، إن كان من صاروخ أو قنبلة طائرة أو دانة مدفع.
لكن المشكلة لا تكمن في تهتك لحم فخذيه وتحطم عظام ساقيه؛ فبحسب رواية أطباء مستشفى العريش العام بمصر أمكن السيطرة على هذه الإصابات المعتادة، أما ما لم يتمكن الأطباء من علاجه فيكمن في انفجارات بالشرايين والأوردة خاصة في المنطقة المحيطة بالمعدة وما حولها.
وقال مدير الصحة في محافظة شمال سيناء طارق المحلاوي إن «أبو جرادة»، بعد أن بدأ يتعافى من إصابته بتهتك خاصة بالساق اليمنى، ظهرت مشاكل جديدة في جدار البطن والجهاز البولي وأنه يجري متابعة حالته لمعرفة مدى تأثره بما يمكن أن يكون قد تعرض له من سلاح إسرائيلي غامض، ودراسة ما إذا كان يمكن السيطرة على التداعيات التي تحدث في جسد «أبو جرادة» من عدمه، وأنه والفريق الطبي بمستشفى العريش يجرون أبحاثا «حول هذا النوع من الإصابات التي يسببها هذا السلاح الإسرائيلي غير المعروف».
ومع تزايد عدد الجرحى القادمين للعلاج وغموض الأسلحة التي أصيبوا بها، تمت مضاعفة عدد الأطباء في أقرب أكبر مستشفيين مصريين من الحدود مع غزة، وهما، إضافة لمستشفى العريش، مستشفى مبارك العسكري.
وقالت السلطات الطبية إنه تم تعزيز الأطقم الطبية في الأسبوعين الماضيين بـ 120 طبيبا واستشاريا متخصصا جاءوا من القاهرة، وعدد كبير من الممرضين والعمال وسيارات الإسعاف وطائرات الإسعاف المجهزة طبيا، والأدوية وأسطوانات الأوكسجين وغيرها.
ويعكف أطباء مصريون على حل لغز إصابة فلسطينيين بإصابات غامضة، غير معهودة، جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة بأسلحة يعتقد أنها محرمة دوليا، بعد وصول عشرات من أولئك الجرحى للمستشفيات المصرية في الأيام الأخيرة.
وبعد أن وَقَفَتْ على مشاهد لجراح الفلسطينيين غير القابلة للعلاج، اتخذت ليلى السيد الطليمي العاملة بمستشفى العريش منذ 25 سنة، ولديها ثلاث بنات يعملن في التمريض بذات المستشفى، جانبا، وأخذت تبكي، قائلة إن هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها الأطباء وهم يقولون إنهم لا يعرفون ما هو العلاج لجريح يصرخ من الألم طوال النهار والليل حتى يفقد الوعي.
وبعد عجز مستشفى الشفاء، أكبر مستشفى في قطاع غزة، في علاجه من تهتك في البطن، وصل لمستشفى العريش الشاب الفلسطيني خضر سلطان، وقال مسؤولو المستشفى إنه يجري معالجة سلطان من تفجر في شرايينه وتهتك في أوردته، إضافة لمحاولات لعلاج طفل يبلغ من العمر 11 عاما من إصابات مماثلة ضمن الجرحى الفلسطينيين بمستشفى مبارك العسكري.
ولم تعلن إسرائيل بشكل كامل عن أنواع الأسلحة التي تستخدمها في حربها ضد قطاع غزة، والتي من الممكن أن تكون السبب في الأنواع الغريبة والخطيرة من الإصابات التي لا يستطيع الأطباء السيطرة عليها.
وفي مستشفى بنها الدولي للأطفال بدلتا مصر، يعكف الدكتور محمد ناصف، وزملاؤه، على دراسة نوع الإصابة التي تعرض لها طفل فلسطيني يقومون بعلاجه، يدعى صهيب محمد طلال سلمان، وأشار ناصف إلى أن هناك مؤشرات على وجود أمر غير طبيعي في جسد الطفل البالغ من العمر 14 شهرا.

الخميس، 15 يناير 2009

فتوى حول أنفاق غزة

فتوى حول أنفاق غزة

أنفاق غزة الملاذ الأخير للفلسطينيين لمواجهة الحصار

ما حكم هدم الأنفاق التي يتم تهريب الذخائر والأسلحة والغذاء والحاجات الأساسية للمجاهدين في غزة من خلالها؟ وما حكم من يشارك في الدلالة على الأنفاق أو في هدمها؟!

* يجيب عن السؤال فضيلة الشيخ/ د. عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث بجامعة الأزهر الشريف:
الجهاد في سبيل الله أشرف الأعمال وأفضلها، وقد فضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا؛ درجاتٍ منه ومغفرةً ورحمةً، وقد دعا الله إليه بالمال والنفس واللسان، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ".

وقد حضَّ الإسلام على مساعدة المجاهدين بالمال وإمدادهم بالسلاح، وعدَّ من يفعل ذلك مشاركًا للمجاهد في عمله، حاصلاً على مثل أجره؛ فأخرج البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا"، وأخرج أبو داود وغيره عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ"، وفي رواية للبيهقي "وَالْمُمِدَّ بِهِ"، فسوَّى النبي صلى الله عليه وسلم بين صانع السلاح والمجاهد الذي يرمي به، وبين الذي يناوله للمجاهد أو يدفع ثمنه له.

فإذا تعرَّض المسلم والمجاهد للظلم واعتداء الأعداء؛ وجب على كل مسلم إعانته بما استطاع، ولا يحلُّ للمسلم أن يخذل أخاه إذا طلب نصرته ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: 72)، وأخرج البخاري ومسلم عَنْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

ومن ثم فإن أيَّ مسلم يتخلَّى عن هذا الواجب ويُسلم إخوانه لأعدائهم أو يتوقف عن تفريج كربتهم ومساعدتهم في شدتهم- فضلاً عن أن يضرَّ بهم أو أن يعين عليهم عدوَّهم- فهو آثم آثم آثم.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من يخذل أخاه في مثل هذا الموطن؛ فأخرج أبو داود والبيهقي وغيرهما عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الأنصاريِّ قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ".

وبناءً على ما سبق يكون هدم تلك الأنفاق التي يستعين بها المجاهدون في توفير حاجتهم من العتاد والسلاح وغيره من الأمور المحرمة تحريمًا قاطعًا، وقد أخرج الترمذي وحسَّنه عَنْ أَبِي صِرْمَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ"، وأخرج الترمذي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ".

وتشتد الحرمة حين يقع هذا في وقت الحرب كما هو حاصل الآن في غزة، ولا يجوز لمسلم أن يشارك في هذا الأمر، أو أن يدل على وجود مثل تلك الأنفاق، ولا عذر لمسلم في هذا الأمر كائنًا من كان، وأيًّا ما كانت التهديدات التي يتعرض لها، حتى لو أمَرَت بذلك السلطة والحكومة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا خيرَ في الأمة إذا لم يؤخذ فيها للمظلوم حقه، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو المجاهد الذي يدافع عن الأمة، أخرج البيهقي عن بُرَيْدَةَ بنْ الحصيب رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَعْجَبُ شَيءٍٍ رَأَيْتَ؟" قَالَ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ مِنْ طَعَامٍ، فَمَرَّ فَارِسٌ يَرْكُضُ فَأَذْرَاهُ فَجَعَلَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا وَقَالَتْ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ! فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا: "لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ"، أَوْ: "كَيْفَ قُدِّسَتْ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ".

فإذا كانت الأمة التي تقف سلبيةً أمام مثل هذا الظلم الفردي يكتب الله لها الهلكة؛ فكيف إذا تعاون بعض أفراد الأمة على بعض، ومنع بعضها السلاح عن بعض؟!

إن هدم الأنفاق المذكورة أو الدلالة عليها يُعَدُّ من الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يجوز لمسلم كائنًا من كان أن يشارك في ذلك، والله أعلم.

الأحد، 11 يناير 2009

ظاهرة الشهادة والاستشهاديين



د. عبد الرحمن البر


يتعجب كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني من تلك الروح العجيبة التي تملأ قلوب المجاهدين، ومن تلك الهمم العالية التي يتمتع بها المجاهدون الاستشهاديون، الذين ينطلقون في سبيل الله لا يوقفهم ترهيبٌ ولا ترغيبٌ ولا يشغلهم زخرفٌ ولا متاعٌ، ولا تشدهم إلى الأرض أيةُ غرائز أو شهوات.

إن هذه الصورة الأكمل والأعظم من صور الجهاد بالنفس وذلك السلاح العظيم الذي غيَّر ميزانَ القوى في المعركة مع الصهاينة المجرمين، قد شغلت المراقبين للأوضاع وباتوا يتساءلون عن سر ذلك السلاح الذي كشفه وجلاه أحمد ياسين وإخوانه وتلاميذه للدنيا، بعد أن كان قد طُوِي منذ زمن بعيد.

فهذا المجاهد يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه لا يكون إلا مرةً واحدةً، وأن أجلَ الله إذا جاء لا يُؤَخَّر، ولهذا لا يتردد عند الوَغَى، ولا تَهزه زخاتُ الرصاص ولا أزيزُ الطائرات ولا هديرُ المجنـزرات ولا جلبةُ الدبابات ولا رعودُ القاصفات، فإن كتب الله له الشهادة فقد فاز بإحدى الحسنيين وأعز الفضليتين.

إن تلك النماذج الرائعة من الرجال والنساء الذين يُقْدِمون على افتداء أمتهم بأرواحهم فيُحْدِثون في أعداء الله أشد أنواع النكاية والإثخان لهم دليلٌ واضحٌ على ما تفعله العقيدةُ الحيةُ بالنفوس، ويرحم الله الإمام الشهيد بإذن الله حسن البنا الذي قال: "أيها الإخوان، إن الأمة التي تحسن صناعةَ الموت، وتعرف كيف تموت الموتةَ الشريفةَ؛ يَهَب الله لها الحياةَ العزيزةَ في الدنيا، والنعيمَ الخالدَ في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حبُّ الدنيا وكراهية الموت، فأعِدُّوا أنفسَكم لعملٍ عظيم، واحرصوا على الموت تُوهَب لكم الحياة".

لقد بعث هؤلاء المجاهدون الاستشهاديون في الأمة معاني كثيرة كان النسيانُ وطولُ الأمد قد طواها، وانتهض بناء الأمة على جثث أولئك الشهداء يسمق ويتطاول عزةً وإباءً وعزماً ومضاءً، حتى يبلغ غايته إن شاء الله.

فلماذا يتحمل هؤلاء الشباب كل هذه المهمة الثقيلة برضا نفس وعن طيب خاطر؟ هذا ما تجيب عنه الآيات الكريمة والأحاديث العظيمة في هذه الحلقات من الحديث عن الشهادة في سبيل الله.

فضل الشهادة وسر اندفاع المجاهدين إليها
أ- الشهادة هي الحياة الحقيقية:
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)﴾ (البقرة) وقال عز من قائل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)﴾ (آل عمران).

إن الشهادة في سبيل الله هي الحياة حقًّا، بها يغلب الإنسان غريزة حب البقاء وطول الأمل وإرادة الخلود التي أغرى بها الشيطان آدم عليه السلام؛ ليستنـزله من الدرجة الرفيعة والدار العالية البهية التي بوَّأه الله إياها، حين قال له: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (طه: من الآية 120) فقد أوهم إبليس آدم وزوجه، فأطمعهما أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، ويبقيا خالديْن بلا موت.

نعم إن الشهيد هو الذي قهر تلك الإرادة، ورضي بحياة حقيقية في جوار الله، دفع في مقابلها روحه وماله، فقبل الله البضاعة وقدَّم لصاحبها ذلك الثمن النفيس الفردوس الأعلى فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

قال العلماء في تفسير هذه الآية: لا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسنَ ولا أبلغَ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد، عاقدُه: رب العزة، وثمنُه: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومكان التسليم: أرضُ المعركة، وإليه الإشارة بقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "... وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ولم يجعل اللهُ المعقودَ عليه كونَهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعله مُسجَّلاً في الكتب السماوية، وناهيك به من صدقه! وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده! تنسيئُه سبحانه (أي ما أخَّره من الوعد) أقوى من نقد غيره! وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم.

إن الشهيد يقدم روحه فداء لدينه، وعزة لأمته، فيموت عزيزًا لتحيا أمته عزيزة، ويبقى دينه خالدًا مرفوعًا، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولهذا استحق هذا الشهيد بجدارة أن يكتب الله له الحياة السعيدة.

لأجل هذا يتسابق العقلاء المخلصون في طلب الشهادة، وهم يعلمون معناها ويدركون أين يطلبونها، فيسعون إلى الجهاد غير هيابين ولا مترددين، فقد صحح ابن حبان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: "أَنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ، وَيُهْرَاقَ دَمُكَ".

وصحح ابن حبان أيضًا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضلَ ما تُؤْتي عبادَك الصالحين، فلما قضى النبي- صلى الله عليه وسلم- الصلاة قال: "مَن المُتَكَلِّمُ آنِفاً؟" قال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: "إِذاً يُعْقَرُ جَوَادَُُك، وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى".

هذا هو السبيل لتحصيل أفضل ما أعطى الله عباده الصالحين، أن يموتوا ليحيا دينهم، ويستشهدوا لتعز أممهم.

ب- الأنبياء يفضلون الشهداء بدرجة النبوة فقط:
نعم تلك هي درجة الشهداء المخلصين، التي تلي درجة الأنبياء مباشرة، فقد صحح ابن حبان عن عتبة بن عبد السلمي وكان من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:
"القَتْلَى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَلِكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ، فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، وَلا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلاّ بِفَضْلِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ.

وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِه وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَتِلْكَ مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ؛ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.

وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفَاقَ".

الله الله! ما أكرمها منزلة! وما أرفعها درجة! ولم لا وقد أقدم حين أحجم المترددون، وجاهد حين قعد المخلفون، وباع روحه لله حين أمسك الجبناء والمخذولون.

ج- الله تعالى يعجب من همة الشهيد:
أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "عَجِبَ رَبُّنَا عز وجل مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ أَهْلِهِ وَحِبِّهِ، فَيَقُولُ رَبُّنا: أَيَا مَلائِكَتِي، انْظِرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، ومِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الفِرَارِ وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ".

د- النبي- صلى الله عليه وسلم- يتمنى الشهادة:
بلغ من رفعة الشهادة أن أفضل الخلق- صلى الله عليه وسلم- كان يتمناها، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ؛ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ".

هـ- الشهيد يتمنى أن تتكرر شهادته:
حين يرى الشهيد كرامته عند الله وما أعد الله له من الدرجات العالية، يدرك أنه اشترى غاليًا برخيص، وباع خسيسًا بنفيس، فيتمنى أن يُعاد إلى الدنيا؛ ليكرر عمله العظيم وجهاده الرائع، لولا أن الحق قد سبقت كلمته أنهم إليها لا يرجعون، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

وفي رواية عند البخاري وابن حبان: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ".

وفي رواية عند ابن حبان: "مَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَحَدٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ عَشْرَةُ أَمْثَالِهَا إِلاَّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْفَضْلِ".

وأخرج الضياء في المختارة بسند حسن عن عبادة بن الصامت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ وَلَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَإِنَّ لَهَا الدُّنْيَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

و- الشهداء يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم:
يقول الله تبارك وتعالى ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، إن من أعظم علامات الإيمان الصادق والأخوة الوثيقة التي تربط الشهداء الذين سبقوا إلى الله بإخوانهم الذين ينتظرون: أن الشهداء يرغبون في أن يعرف إخوانهم ما نزلوا فيه من الخير، وما آلوا إليه من النعيم المقيم؛ ليجتهد الخامل وينشط الكسول ويخف الثقيل، ولتتحرك الأشواق إلى لقاء الحنان المنان جل وعلا في صحبة الأنبياء والصديقين، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بَعَثَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ- صلى الله عليه وسلم-.

وأخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ".

إن المؤمن المجاهد لا ينسى في غَمْرَةِ فرحه بالجنة ونعيمها إخوانَه الذين ساروا معه على الدرب، ويرجو أن يُعَرِّفَهم ما سِيقَ إليه من الخير الذي ينتظرهم؛ ليخِفُّوا للجهاد والاستشهاد، ومن قبل ذلك قال الرجل الصالح الذي دعا قومَه لإتباع الرسل فأبَوْا عليه وقتلوه، حين نزل في مقعد الصدق وقيل له ﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس).

وفي المقال القادم أسوق إليك أيها الأخ الكريم عشرًا من ثمرات الشهادة، وكرامات الشهيد عند ربه، من فيض ما ذكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حديثه، لتعرف سر اندفاع أصحاب الهمم العالية نحو الشهادة، وأسأل الله العظيم أن يرزقنا إياها، ويجعلنا من أهلها.

الكرامات العشر للشهيد في سبيل الله
مما يدفع المجاهدين إلى طلب الشهادة علمُهم بما أعدَّ الله للشهيد من الخير والكرامة في الدنيا والآخرة، بحيث لا يجد المؤمنُ بوعد الله مفرًّا من القبول بالصفقة الربانية الرابحة التي عرضها الله تبارك وتعالى في قوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ (الصف).

وهاك عشرًا من الكرامات التي أعدها الله للشهيد:
1- تخفيف ألم القتل على الشهيد:
فمن رحمة الله بهذا العبد المخلص المجاهد أن يُهَوِّن عليه الألم فلا يجد ألمًا لما يصيبه من القتل، إلا شيئًا يسيرًا: فقد أخرج الضياء المقدسي في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عَضَّةُ نَمْلَةٍ أَشَدُّ عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ مَسِّ السِّلاحِ، بَلْ هُوَ (أي القتل بالسلاح) أَشْهَى عِنْدَهُ مِنْ شَرَابٍ بَارِدٍ لَذِيذٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ".

وأخرج أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مَسَّ الْقَتْلِ إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ الْقَرْصَةِ".

فسبحان من يرحم أولياءه ويعطف على أهل كرامته!.
2- تجب له الجنة بمجرد الشهادة:
كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

بل هو في الدرجات العلا من الجنة، فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".

على أن بعض الروايات تذكر أن حارثة لم يكن قتل يوم بدر في قتال، بل انطلق ينظر ما صنع القوم، فأصابه ذلك السهم الغرب، فقد أخرج أحمد وصححه ابن حبان عن أنس قال: انْطَلَقَ حَارِثَةُ ابْنُ عَمَّتِي يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- غُلامًا نَظَّارًا، مَا انْطَلَقَ لِلْقِتَالِ، قَالَ: فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّهُ عَمَّتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي حَارِثَةُ إِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِلاَّ فَسَيَرَى اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ حَارِثَةَ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى".

فإن كان حارثة في الفردوس الأعلى مع ذلك، فما ظنك بمن خرج مقاتلاً، ولقي العدو مقبلاً غير مدبر‍؟

3- يُغْفَر للشهيد مع أول قطرةٍ من دمه ذنوبُه كلُّها إلا الدَّيْن:
من كرامة الشهيد على ربه أن يغفر الله ذنوبَه وخطاياه كلها إلا الدَّيْن- لأنه حق العباد- مع أول قطرة من دمه الزكي الطاهر، فقد صحح الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْن".

كما صحح عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُهْرَاقُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ".

وأخرج النسائي وصححه ابن حبان عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّى خَطَايَايَ؟َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ". فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "كَيْفَ قُلْتَ؟". فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ إِلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ".

4- يُزوَّج من الحور العين قبل أن تجف دماؤه:
إن الذي ترك زينة الدنيا، وأعرض عن مصاحبة وملاعبة الغيد الحسان من أهلها؛ طمعًا فيما عند الله، ورغبةً في إعلاء كلمة الله لحقيق بهذه الكرامة الإلهية والمنحة الربانية، فلا يكاد دمه يسيل حتى يكون قد زُفَّ إلى الحور العين، فقد أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ذُكِرَ الشُّهَدَاءُ عِنْدَ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "لاَ تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ (يعني مرضعتين) أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنَ الأَرْضِ، وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وكم من شهيدٍ أخلص نيَّتَه وصدق في طلبه، فأُري في منامه الحورَ الحسانَ تستعجلن مقدمه في شوقٍ ولهفٍ.

5- تظلله الملائكة بأجنحتها:
الشهيد المبارك الذي استرخص روحه في سبيل الله، وهانت عليه الدنيا بزخرفها جدير بأن تحتفي به الملائكة، فتظلله حتى يُرفع من موضع استشهاده، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَمَّا قُتِلَ أَبِي (يعني في غزوة أُحُد) جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: "تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ، مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ".

6- يُحفظ من فتنة القبر:
فتنة القبر وسؤال الملكين فيه هو أشد ما يلقى الإنسان عقب موته، حتى كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من فتنة القبر، ويحض على التعوذ بالله منها، لكن الشهيد الذي صبر للسيوف اللامعة والرصاص القاتل والصواريخ المدمرة وهو يرى الموت يحصد النفوس ويقطع الرؤوس، يجعل الله ما رأى وعاين من تلك الشدائد في الميدان وعند الموت حظَّه من تلك الفتنة، وينجيه منها، فينجو من هول المطلع وشدة السؤال، فقد صحح الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَقِيَ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ".

وأخرج النسائي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".

7- يكلمه ربه كفاحًا أي مواجهة بلا واسطة:
كيف لا، وقد باع لله نفسَه! واسترخص في سبيل الله روحَه! وآثَرَ ما عند الله على الدنيا وما فيها! فقد أخرج الترمذي وحسَّنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ: "أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟". قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يُرْجَعُونَ" قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران).

يا بشرى تلك العين الكريمة التي تلذذت بالنظر إلى وجه الله الكريم! وتلك الأذن العظيمة التي تلذذت بهذا الخطاب الرحيم! وذلك اللسان الطيب الذي خاطب العلي الأعلى جل وعلا! ولئن كان ذلك عقب استشهاده ونحن في الدنيا، فما ظنك بكرامة ذلك الشهيد على الله يوم لقائه والعرض عليه؟.

8- تطير روحه في الجنة وتَعْلُق بأغصانها حيث شاءت:
ألا ما أكرم الشهيد على ربه، وما أرفع منزلته عنده! إذ تُحَلِّقُ روحُه في رياض الجنة وتسرح فيها حيث شاءت، حتى ترده إلى جسدها يوم القيامة، فتنال الجائزة الكبرى والفوز العظيم، وقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا". إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

وأخرج أبو داود وصححه ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".

وأخرج مسلم عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (يعني ابن مسعود رضي الله عنه) عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران). قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ (يعني سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاَعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".

9- يُبْعَث الشهيدُ يوم القيامة وريحُ دمه ريحُ المسك:
إن هذا الدمَ الزكيَّ النفيس الذي أهريق في ذات الله لهو أنفس وأغلى ما يُبذَل، ولئن كان الموتى تتغير روائحُهم وروائحُ دمائهم فإن الشهداء سيُعْرَفون بين الناس يوم القيامة حين يُبْعَثون بدمائهم، اللونُ لونُ الدم والريحُ ريحُ المسك، وتلك آيةٌ لهم خاصة، حتى يعرف الأشهادُ كرامةَ الشهداء عند الله، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ".

وصحح ابن حبان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ، وَمَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ".

وفي رواية عند ابن حبان أيضًا: "مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحُهُ كِرِيحِ المِسْكِ، لَوْنُهُ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ مُخْلِصًا أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ".

ولذلك أُمر بأن يُزَمَّل الشهيد في دمه، ولا يُمْسَح عنه الدم، حتى يخرج به آية يوم القيامة، فقد أخرج الترمذي وحسَّنه، وصححه ابن حبان عن عبد الله بن ثعلبة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لِقَتْلَى أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ".

10- هو أول من يدخل الجنة مع الأولين:
حُق للشهيد وقد باع لله روحه، وأسلم لله نفسه، ولم يبخل بحياته في سبيل دينه أن يكون من أول الداخلين إلى الجنة، بل أن ينزل في الجنة في أحسن دورها وأعلى قصورها، فأخرج الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ".

وصحح ابن حبان عن سَمُرَة بن جُنْدب قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الغداة (يعني الفجر) أقبل علينا بوجهه، فقال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟" فَسَأَلَنا يَوْمًا، ثم قال: "أُرِيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ فَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنََ مِنْهَا، فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".

فهل أدرك المتعجبون بعض أسرار اندفاع المجاهدين المخلصين لنيل الشهادة وسر تسابقهم إلى الفوز بها؟ هنيئًا للشهداء تلكم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، والله نسأل أن يبلغنا منازلهم.

كرامة الشهيد في أهله وماله
مما لفت نظر كثير من الناس: هذا الاحتضانُ العجيبُ من قِبَل الشعب الفلسطيني للاستشهاديين، وخصوصًا أولئك الآباء والأمهات الذين يفرحون باستشهاد آبائهم وبناتهم، ويستقبلون التهاني بالشهادة كأنها عرس لذويهم، فقد سمعنا السيدة أم نضال أم الاستشهاديين محمد ونضال وياسر فرحات تقول: "كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلاً يمكن أن يسير في طريق الجهاد".

ثم تقول لابنها محمد وهي تودعه ليفجر نفسه في الصهاينة وقد غلبها البكاء: "إياك أن تصدق دموعي؛ فإنها دموع أمّ تزفُّ ابنَها إلى الحور العين فأطعْ ربك، وجاهدْ، واثبتْ حتى تلقى ربك".

ثم توجِّه تلك السيدةُ العظيمةُ نساء الأمة، فتقول: "من يحب الله والوطن فلا يتوانى عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تُشْمِت الأعداءَ بشعبنا بدموعها على شاشات التلفزة". هذا هو نموذج الأم المسلمة التي تصنع أولئك الاستشهاديين، إنها أم تملك قلبَ الأم المحبة لأولادها، ولكن حبها لدينها وربها أعظم من حبها لبنيها، وإن قيمة الوطن عندها أغلى من أولادها وفلذات كبدها.

ولا يزال مثل هذا الموقف من أهالي الشهداء يثير إعجاب البعض وعجب البعض، ويحار الكثيرون في تفسير هذه الحالة الإيمانية العجيبة.

وفي هذا المقال الذي أختم به هذه المقالات أشير إلى ما يلحق أهالي الشهداء من ورائهم، وما يحصل من بركة في أموالهم، فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، ويبارك الله في ماله ونسله ويجعل عاقبة أمره كلها خير، فقد أخرج ابن حبان عن نمران بن عتبة الذماري (وكان أبوه قد استشهد في سبيل الله) قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام صغار، فمسحت رؤوسنا وقالت: أَبْشِرُوا يَا بَنِيَّ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا فِي شَفَاعَةِ أَبِيكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ".

ومسك ختام هذه الباقة ما أورده الإمام البخاري في صحيحه بعنوان (باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًَا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر)، حيث أخرج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لا أُرَانِي إِلا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي.

وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ- يَعْنِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ، وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلايَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ، حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ.

فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِلا أَرَضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ وَدَارًا بِالْكُوفَةِ وَدَارًا بِمِصْرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلا شَيْئًا، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ(1.200.000) قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنْ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي.

قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ (1.600.000) ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا. قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً (يعني يطلب أن يأخذ دينه جزءًا من الأرض) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ.

فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتْ الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ.

قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ".

أي أنه بعد سداد دين الشهيد الزبير رضي الله عنه أعطى الثلث الذي أوصى به لأبناء عبد الله، ثم قسم باقي الميراث على الورثة فكان نصيب المرأة الواحدة من نسائه الأربع مليونًا ومائتي ألف أي أن ثمن الباقي بعد الوصية بلغ أربعة ملايين وثمانمائة ألف، وكان جميع ماله خمسين مليونًا ومائتي ألف.

أرأيت هذه الكرامة العظيمة، وهذه البركة الكبيرة التي وضعها الله تبارك وتعالى في مال الغازي وفي تركته، وكيف سدد عنه دينه، وبارك لورثته فيما بقي من ماله، بعد أن ظنوا وظن غيرهم أن ماله أعجز من أن يقضي ديونه؟ وانظر إلى قول عبد الله بن الزبير: "فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ".
فما أكرم الشهيد على ربه!.

بشارات نبوية لعشاق الشهادة:
إليك أيها الأخ الحبيب هذه الجملة من البشارات والكرامات يزفها الحبيب- صلى الله عليه وسلم- إلى طالبي الشهادة وعاشقي الجنة، فقد أخرج الترمذي وصححه عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ".

نسأل الله أن يتقبل شهداءنا، وأن يختم لنا بشهادة صادقة يرضى بها عنا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-----------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر