الأربعاء، 21 يناير 2009

قراءة في إدارة حماس للأزمة


قراءة في إدارة حماس للأزمة
د. ممدوح المنير
إن المتابع عن كثب لحركة حماس و أسلوب إدارتها للأزمات الجارية على الساحة الفلسطينية سرعان ما يدرك أنه أمام تنظيم سياسي احترافي بكل ما تعنيه الكلمة وظهرت هذه الحرفية أكثر في إدارة أزمة العدوان الإسرائيلي على القطاع ، لقد كان الفعل الحمساوي يبعث بالفعل على الدهشة و يجعلك ترفع القبعة احتراما و إجلالاَ لهذا النبت الطيب المبارك و لعلنا هنا نقدم قراءة سريعة ، تحتاج بكل تأكيد لمزيد من العمق لنعطي لهذه الحركة قدرها و حتى تستطيع كافة حركات التحرر في العالم الاستفادة من هذه التجربة الثرية التي لا ينضب معينها بإذن الله .
ماذا فعلت حماس مع الأنظمة العربية؟
تعاطت حماس مع الواقع العربي بواقعية فلم تعول كثيرا على الحكام العرب و لكنها حرصت و على لسان قادتها على وضعهم أمام مسئولياتهم و ثمنت كل موقف داعم للمقاومة و أشادت به واختلفت و ( عتبت ) على كل نظام يتصادم مع المقاومة و العتاب هنا لغة مهذبة اعتمدتها حماس في إدارة اختلافاتها مع الأنظمة العربية حتى لا تزيد الأمور تعقيداَ ، وحرصت في حوارها مع المختلفين معها أن يكون الحوار بلغة الأرقام واستدعاء التاريخ القديم و البعيد فكانت تدلل على كل موقف بعشرات الأدلة المنطقية و الموثقة التي تلجم الطرف الآخر و تربكه.
كان الموقف الأكثر حساسية بالنسبة لحماس هو الموقف المصري المنحاز بالكلية للموقف الإسرائيلي و إن لجأ في نهاية العدوان لمحاولة إطلاق بعض التصريحات للاستهلاك المحلي و الدولي لتحسين الصورة التي تشوهت و أصبحت أكثر بشاعة من الاحتلال ذاته لأنها من الأخ و الصديق.
ماذا فعلت حماس إزاء هذا الموقف ؟ و خاصة أنها تدرك جيداَ أن روح القطاع – معبر رفح – بيدها ؟ في البداية حرصت حماس على عدم الدخول في صراع مباشر و معلن مع النظام المصري و اعتمدت حماس في إدارتها للصراع معه على أسلوب التلميح و الإحراج دون التصادم معه ، بينما تركت مهمة التصادم للمتعاطفين مع الحركة سواء من النخب أو الشعوب، وكان هجومهم قاسياَ على النظام المصري و ظلت إدارة الأزمة مع النظام المصري تتحرك في خطوط متوازية ، خط تفرضه المقاومة بصمودها و يوصل للجميع رسالة مفادها أن عمر حماس في غزة أكبر مما يتوقعه البعض ، خط آخر لجأ للمواجهة مع النظام المصري بالتلميح و الإحراج حتى لا تستعدى حماس النظام المصري المعادي أصلاَ بمواقفه، والخط الثالث هو خط المواجه المكشوفة و حمل راية هذا الاتجاه المتعاطفون مع حماس و مع مشروع المقاومة و كانت هذه الجبهة هي الأكبر و الأكثر تأثيرا لأنها لم تقتصر على المثقفين و المفكرين فقط و لكنها شمل كل الشعوب الحرة حول العالم و المتتبع لتصريحات خالد مشعل يجد في كل حديث تقريباَ مطالبته للشعوب باستمرار انتفاضتها الداعمة للمقاومة و للأمانة لم تكن الشعوب في حاجة إلى من يوجهها فالحدث كان موجعاَ وفاجعاَ للدرجة التي لا يحتاج أحد إلى من يطالبه بالتحرك، وكانت نتيجة هذا الفعل السياسي هو أن حماس كسبت المعركة مبكراَ و قبل أن تضع الحرب أوزارها، وكان العدو الإسرائيلي و الحليف المصري يصابان بتخبط في الحركة تحت ضربات الحراك الشعبي العربي و العالمي و خرجت حماس من المعركة و هي تمثل كل رمزية الصمود و المقاومة لمعظم شعوب العالم بينما خرج النظام المصري الرسمي منكس الرأس مكروها من الجميع.
ومما يوضح مدى حرفية حماس في عدم فقد هذا الزخم و الرصيد العالمي، هو عدم لجوء حماس لسلاح الاستشهاديين داخل العمق الإسرائيلي حتى لا يحدث أي اهتزاز لصورة حماس أو للدعم المعنوي الذي وفرته لها الشعوب.
كيف تعاملت حماس مع العدو في حربه الوحشية ضد الشعب الفلسطيني؟
أدركت حماس منذ اللحظة الأولى أنها تتعامل مع عدو مفرط في القوة و الوحشية على حد سواء، لذلك حرصت حماس منذ بداية الحرب على توحيد الكلمة و السلاح في غزة و نجحت في ذلك نجاحاَ باهراَ بحيث أن المرء لم يشعر طيلة الحرب بأن هناك ( فصائل ) تحارب و لكن ( فصيل ) واحد يتحرك بتنظيم و تنسيق متميز، كما أدركت الحركة أن تحقيق النصر على إسرائيل لا يتحقق بالمواجه المباشرة و لكن بإفشال أهدافها، بحيث يكون النصر لا بتكسير عظام العدو و إن كان هذا غاية المنى و لكن بإفشال مهامه التي أعلن عنها وبرر بها حربه البربرية ضد الشعب الفلسطيني، لذلك اعتمدت حماس على إستراتيجية المواجهة غير المباشرة مع العدو للحفاظ على بنيتها التحتية مع استخدام الحرب النفسية و إحداث توازن الرعب عبر تدفق الصواريخ على المدن و البلدات الإسرائيلية التي كانت – الصواريخ اليومية - تعلن فشل الحملة الإسرائيلية حتى انتهت الحرب و لم تحقق إسرائيل هدفاَ واحداَ مما أعلنته و كان هذا الفشل الذريع هو لب انتصار حماس فحين تكون الحرب بين طرف مفرط في القوة و طرف آخر مفرط في الضعف – المادي – يصبح الثبات على الموقف هو أعظم انتصار.
كيف تعاملت حماس مع المنظمات الدولية؟
حماس هي أكثر من يعرف أن معظم المنظمات الدولية وجدت من أجل أمن إسرائيل و تبرير مواقفها ، لذلك لم تلتفت إليها كثيراَ بل اعتبرت أن اللجوء إليها من الأنظمة العربية هو من باب العبث و العجز بل يصب في صالح الاحتلال ذاته، حيث ساوت هذه المنظمات بين الجاني و الضحية، لكن حماس من جانب آخر حرصت على أن تكسب معركتها مع المنظمات الدولية غير الحكومية و التي تحظى بمصداقية لدى شعوب العالم و كان وسيلة حماس هو توثيق الحدث بالصوت و الصورة فسهلت قدر المستطاع مهمة وسائل الإعلام ووفرت لهم كل دعم ممكن للقيام بعملهم ونقل كل هذا الزخم الهائل من صور ومشاهد الدمار وقتل الإنسان واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا إلى هذه المنظمات بل دعوتهم إلى غزة لرؤية الجريمة بأم أعينهم ، و كسبت حماس أيضاَ هذه الجولة و بفضل العدو المجرم الذي لم يترك فرصة إلا وأثبت فيها مدى خسته ونذالته ، فأدانت معظم المنظمات الحقوقية ما حدث في غزة بل بدؤوا في رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة العدو كمجرمي حرب.
كيف أدارت الحركة علاقتها مع أبو مازن والسلطة الفلسطينية؟
استخدمت حماس مبدأ المكاشفة و المواجهة مع نظام عباس و خصوصاَ أن تواطؤه كان مفضوحاَ للجميع، وأدركت حماس منذ اللحظة الأولى أن يد عباس و نظامه ملوثة بدماء الشعب الفلسطيني فكشفت حماس حجم تواطئه وعرّته أمام الجميع وبينت أن اغتيال سعيد صيام لم يكن ليتم بدون مساعدة من السلطة ثم جاء غياب عباس عن قمة الدوحة كاشفاَ بلا مواربة عن حجم الخيانة وتكفّل هو بفضح نفسه، نعم استجابت حماس لدعوات الحوار التي وجهت إليها ولكنها كانت تدرك أنها دعوات لإضاعة الوقت فتعاملت معها بحجمها و قدرها، كما ظهر سمو ونبل حماس أثناء العدوان، فرغم أنها أعلنت قبل بدأ العدوان أنها لن تعترف بعباس رئيساَ لفلسطين بعد التاسع من يناير إلا أنها لم تجعل هذا معركتها الأساسية أثناء العدوان، حاولت حماس رأب الصدع و لكن لمّا أصبحت رائحة الخيانة تزكم الأنوف لم يكن أمام حماس سوى المصارحة حتى يحدث التمايز بين الحق و الباطل وحتى يعرف الشعب الفلسطيني من يشارك في قتله وسفك دمه.
كيف أدارت حماس علاقتها بالشعب الفلسطيني؟
علمت حماس أنها لا يمكن أن تنجح في صد العدوان دون احتضان شعبي لها، فعملت منذ اللحظة الأولى على التعبئة المعنوية الإيمانية وإيضاح الحقائق للجميع والقيام بواجبها كحكومة شرعية من الوفاء باحتياجاته قدر المستطاع.
لم تكن هذه التعبئة الشعبية بالطبع وليدة المعركة فحسب و لكنها جزء أساسي من مشروع حماس الحضاري، وكان أهم ما قدمته حماس للشعب الفلسطيني هو النموذج و القدوة في التضحية والفداء فقدمت من دماء قادتها الكثير وبالتالي أصبح الشعب أكثر اقتناعا بها لأنها أصبحت في مقدمة من يضحى في سبيل الأرض و العرض والدين.
إن إدارة حماس لأزمة العدوان يدل على نضج سياسي وفكري وحركي على أعلى مستوى ولا أدعي أن ما فعلته حماس في إدارتها للأزمة يمكن أن يحتويه مقال ولكنها إطلالة سريعة على حركة احتلت بالفعل مرتبة عالية في ضمير هذه الأمة بل لعلي لا أكون مبالغاَ إذا قلت إن حماس أصبحت نموذجاَ يحتذى لكافة حركات التحرر في العالم.

ليست هناك تعليقات: