الأربعاء، 21 يناير 2009

القرضاوي: شراء البضائع الإسرائيلية والأمريكية في هذا الوقت من الكبائر

قال فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي – رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- في إحدى خطبه عن قضية المقاطعة الاقتصادية لمن يعادي الأمة الإسلامية:
هناك جهاد اقتصادي، وهو أن نفعل الفتوى التي أصدرتها وأصدرها معي عدد من علماء الأمة بتحريم التعامل مع البضائع الإسرائيلية والأمريكية، المقاطعة، مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية، هذا واجب الأمة، كل ما يشير إلى أمريكا، مجرد الإشارة حتى ولو كانت وطنية، (كولا) كلمة كولا يعني أمريكا، هامبورجر، ماكدونالد، بيتزا، هذه الأشياء أمريكية، ارحمونا، كلما رأيت هذه العناوين ثارت نفسي وثار البركان في صدري، نريد أن تقاطع الأمة هذه البضائع، من زجاجة البيبسي إلى السيارة إلى الطائرة البوينج، نطالب الحكومات ونطالب الشعوب، أن تقاطع هذه البضائع وأن تنظم اللجان الشعبية لتفعيل هذه المقاطعة وترتيب الأولويات فيها، كل ما له بديل يجب أن يقاطع، ما الذي يجعلني أركب سيارة أمريكية وأستطيع أن أشتري سيارة يابانية أو سيارة ألمانية؟ لن أخسر شيئاً، المقاطعة، هذه المقاطعة واجبة على الجميع، الكبير والصغير..
في أول الانتفاضة رأينا العجب والله، رأينا الصغار الأطفال يقولون لآبائهم: لا يا أبي لا يا أمي هذه بضاعة أمريكية حرام، رأينا الأخوة في الهند في كيرالا يجتمعون في يوم الجمعة مثل هذا وكل واحد في يده زجاجة كوكاكولا ويكسرها إشارة إلى المقاطعة، ما الذي جعل الأمة تسترخي، نريد من الأمة من رجالها ونسائها من الأمهات في البيوت أن لا يشترين البضائع الأمريكية، وربما تكون هناك بضائع إسرائيلية تتسلل تحت أسماء وعناوين، من عرف ذلك فعليه أن يقاطع، حرام أي حرام، حرام بل كبيرة من الكبائر أن تشتري في هذا الوقت البضائع الإسرائيلية والأمريكية، هذا جهاد نوع من الجهاد، لابد أن نفعله ونتواصى به.

'لعنة غزة' ستطارد الكثيرين


'لعنة غزة' ستطارد الكثيرين
عبد الباري عطوان

اعادت قمة الكويت العربية الاقتصادية التأكيد على مدى ضحالة النظام العربي الرسمي، وعجزه عن القيام بأي خطوة عملية لمواجهة التحديات التي تقف امام الأمة في مرحلة التحول الخطيرة التي يعيشها العالم حاليا بمقدم رئيس امريكي جديد من اصول افريقية ومن صلب أب مسلم.كان من المفترض ان يتنبه الزعماء العرب الذين تداعوا لهذه القمة، الى هذه اللحظة التاريخية، وان يظهروا بمظهر القوي، الحريص على قضاياه، وتعزيز رغبته في اثبات وجوده على الساحة الدولية، ولعب دور فاعل في تكريس استقرارها، والانتصار لقضاياه المصيرية، ولكن هذا لم يحدث مطلقا، فقد ظهر هؤلاء الزعماء امام مواطنيهم الغاضبين من عجزهم، وتبلّد مشاعرهم، وافتقادهم زمام المبادرة، مفلسين كليا، على الصعد كافة، السياسية منها على وجه الخصوص. ونحن هنا لا نتحدث عن الافلاس العسكري، لانه مسألة ميؤوس منها، ويتساوى في ذلك محورا الاعتدال والممانعة.ملحمة الصمود في غزة لم تستحق من هؤلاء الزعماء غير كلمات عابرة، تفتقر الى الحرارة، وتركز على المال تحت عنوان 'اعادة الاعمار'، ولم ترد كلمة المقاومة اطلاقا في البيان الختامي، ولو بشكل عابر، بينما تم التأكيد على شرعية سلطة بلا شرعية دستورية او اخلاقية، بعد سقوطها المريع طوال فترة المجازر، وتبرئتها للجلاد، ولومها للضحية، كأن المقاومة اصبحت عارا، خاصة اذا مارسها من هم تحت الاحتلال.عندما اظهرنا كل الحذر الممكن تجاه التحليلات المتفائلة للكلمات المعسولة التي وردت على ألسنة بعض الخطباء حول غسل القلوب من الاحقاد والترفع عن الصغائر، والانطلاق نحو المستقبل نابذين الخلافات، لم نكن نضرب بالرمل، ولا نقرأ الفنجان، وانما ننطلق من قناعة راسخة بأن الخلافات بين 'كهنة' النظام العربي الرسمي اعمق من ان تذيبها مصافحة 'فاترة' امام عدسات التلفزة، او عشاء دسم بدعوة من امير القمة. فهناك مشروعان متعارضان احدهما يدعم المقاومة، وآخر يعتمد اسلحة المبادرات السلمية وحوارات الاديان مع اناس لا دين لهم غير سحق عظام الاطفال والمدنيين وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم.فالمصالحة الجدية بين طرفين متخاصمين، تعني وببساطة شديدة ان يتنازل احد الطرفين الى الآخر، مسلما بصحة وجهة نظره ومسعاه، او ان يلتقيا على ارضية وسط بين الموقفين، وهذا لم يحدث في قمة الكويت، بل شاهدنا عكس ذلك تماما، اي تمسك كل طرف بوجهة نظره، ولهذا لم تتبن هذه القمة أيا من قرارات قمة الدوحة الطارئة، مثل تجميد مبادرة السلام العربية، وكل العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المعتدي الاسرائيلي.السيد عمرو موسى بشرنا قبيل انعقاد قمة الكويت، بأنه سيعرض على الزعماء في القمة مجموعة من الخيارات البديلة لمبادرة السلام العربية، ولكن في الجلسات المغلقة، وبعد اختتام القمة قال إنه سيتولى شخصيا البحث عن هذه الخيارات والبدائل. اي تهريج هذا، فأصغر طفل عربي يعرف ان بديل فشل المساعي السلمية هو وضع استراتيجية لاستخدام كل اسلحة المواجهة المتاحة من سياسية واقتصادية وعسكرية. وهناك الكثير منها في حوزة النظام العربي، ولا يتطلب الامر اجراء بحث عنها.ويمكن ان نسهّل للسيد موسى مهمته بذكر بعضها مثل استخدام ورقة التنسيق الامني مع حلفاء اسرائيل، واقدام حكومته المصرية السابقة على تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة العبرية التي لا تتوقف عن توجيه الصفعات المهينة لها (الاتفاق الامني مع واشنطن لمراقبة الحدود مع غزة، وازدراء المبادرة المصرية بوقف اطلاق النار من جانب واحد)، والغاء اتفاقات الغاز، ودعم المقاومة، ووقف التعاون في الحرب على الارهاب ومكافحة الهجرة غير المشروعة، واخيرا اعلان الحرب بعد الاستعداد لها، فلماذا يقاتل الجندي الاسرائيلي المرفه القادم من نيويورك ولندن وموسكو، عن ارض مسروقة ولا يتردد عن قتل الاطفال والنساء، ولا يقاتل العربي المسلم دفاعا عن دينه وعقيدته متصديا لهذا العدوان السافر المدان؟شعرت بالخجل الشديد وانا ارى بان كي مون امين عام الامم المتحدة يقف على انقاض مقر المنظمة الدولية المهدم، ويدين هذا العدوان بأقوى الكلمات، ويتعهد بعقاب ومطاردة كل الذين اقدموا على ارتكاب جرائم قتل الاطفال وتدمير منازلهم فوق رؤوس اهلهم. فقد كنت اتمنى لو ان السيد احمد ابو الغيط، او الرئيس مبارك نفسه، او ايا من قادة محور الاعتدال، وبالذات من حلفاء واشنطن الحميمين فعل ذلك.امين عام الامم المتحدة الكوري البوذي كان اكثر تعاطفا مع معاناة اهالي قطاع غزة من معظم المشاركين في قمة الكويت، بل ومن 'الرئيس' الفلسطيني محمود عباس نفسه، فلم يوجه كلمة لوم واحدة الى المقاومة، واتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب والاستخدام المفرط للقوة، ووعد بعدم التخلي عن المشردين وذوي الضحايا، وتقديم تقارير وافية عن كل ما شاهده من مآس الى اعضاء المنظمة الدولية ومؤسساتها.أسعدني اكثر مشاهدة جون جانغ ممثل الاونروا في القطاع الذي كان الناطق باسم الضحايا ومأساتهم في القطاع، يتحرك وسط انقاض القصف طوال الاسابيع الثلاثة من عمر العدوان، معرضا حياته للخطر، وفاضحا مرتكبي المجازر على شاشات الفضائيات، ومتحدثا الى الغرب المنافق المتواطئ بلغته، وبطريقة مؤثرة. ان هذا الرجل يستحق كل التكريم ليس من النظام العربي الفاسد، وانما من منظمات حقوق الانسان، بل يستحق جائزة نوبل نفسها.المعركة الدائرة حاليا ليست حول كيفية حماية قطاع غزة من عدوان متوقع، وانما كيفية ارسال الاموال المرصودة لاعادة الاعمار.اموال اعادة الاعمار يجب ان تذهب للحكومة المنتخبة والشرعية، الحكومة التي قاومت وصمدت وقدمت الشهداء والضحايا، لتكون تحت اشرافها، واذا تعذر ذلك فلتوضع تحت تصرف منظمات دولية مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الاونروا، ففيها من الرجال والنساء من امثال جون جانغ، والسيدة كارين ابو زيد من هم محل ثقة وتقدير، بعد ان اثبتوا ذلك عمليا في اللحظات الخطرة.الصمود البطولي لأهل قطاع غزة احدث حالة 'فرز' تاريخية في المنطقة العربية، فرز بين الانظمة والشعوب الحية، فرز بين من يقفون في خندق المقاومة ومن يقفون في خندق استجداء السلام والاستسلام، فرز بين الاعلام الشريف القابض على جمر الكرامة، واعلام التزوير والتعتيم وتوفير المنابر للمتواطئين مع العدوان ومجازره.'لعنة غزة' ستظل تطارد الكثيرين، خاصة اصحاب الفخامة والجلالة والسمو الذين رفضوا حتى تجميد مبادرة سلام ماتت وتعفنت على مدى سبع سنوات من الاستجداء، دون ان يلتفت اليها احد.

قراءة في إدارة حماس للأزمة


قراءة في إدارة حماس للأزمة
د. ممدوح المنير
إن المتابع عن كثب لحركة حماس و أسلوب إدارتها للأزمات الجارية على الساحة الفلسطينية سرعان ما يدرك أنه أمام تنظيم سياسي احترافي بكل ما تعنيه الكلمة وظهرت هذه الحرفية أكثر في إدارة أزمة العدوان الإسرائيلي على القطاع ، لقد كان الفعل الحمساوي يبعث بالفعل على الدهشة و يجعلك ترفع القبعة احتراما و إجلالاَ لهذا النبت الطيب المبارك و لعلنا هنا نقدم قراءة سريعة ، تحتاج بكل تأكيد لمزيد من العمق لنعطي لهذه الحركة قدرها و حتى تستطيع كافة حركات التحرر في العالم الاستفادة من هذه التجربة الثرية التي لا ينضب معينها بإذن الله .
ماذا فعلت حماس مع الأنظمة العربية؟
تعاطت حماس مع الواقع العربي بواقعية فلم تعول كثيرا على الحكام العرب و لكنها حرصت و على لسان قادتها على وضعهم أمام مسئولياتهم و ثمنت كل موقف داعم للمقاومة و أشادت به واختلفت و ( عتبت ) على كل نظام يتصادم مع المقاومة و العتاب هنا لغة مهذبة اعتمدتها حماس في إدارة اختلافاتها مع الأنظمة العربية حتى لا تزيد الأمور تعقيداَ ، وحرصت في حوارها مع المختلفين معها أن يكون الحوار بلغة الأرقام واستدعاء التاريخ القديم و البعيد فكانت تدلل على كل موقف بعشرات الأدلة المنطقية و الموثقة التي تلجم الطرف الآخر و تربكه.
كان الموقف الأكثر حساسية بالنسبة لحماس هو الموقف المصري المنحاز بالكلية للموقف الإسرائيلي و إن لجأ في نهاية العدوان لمحاولة إطلاق بعض التصريحات للاستهلاك المحلي و الدولي لتحسين الصورة التي تشوهت و أصبحت أكثر بشاعة من الاحتلال ذاته لأنها من الأخ و الصديق.
ماذا فعلت حماس إزاء هذا الموقف ؟ و خاصة أنها تدرك جيداَ أن روح القطاع – معبر رفح – بيدها ؟ في البداية حرصت حماس على عدم الدخول في صراع مباشر و معلن مع النظام المصري و اعتمدت حماس في إدارتها للصراع معه على أسلوب التلميح و الإحراج دون التصادم معه ، بينما تركت مهمة التصادم للمتعاطفين مع الحركة سواء من النخب أو الشعوب، وكان هجومهم قاسياَ على النظام المصري و ظلت إدارة الأزمة مع النظام المصري تتحرك في خطوط متوازية ، خط تفرضه المقاومة بصمودها و يوصل للجميع رسالة مفادها أن عمر حماس في غزة أكبر مما يتوقعه البعض ، خط آخر لجأ للمواجهة مع النظام المصري بالتلميح و الإحراج حتى لا تستعدى حماس النظام المصري المعادي أصلاَ بمواقفه، والخط الثالث هو خط المواجه المكشوفة و حمل راية هذا الاتجاه المتعاطفون مع حماس و مع مشروع المقاومة و كانت هذه الجبهة هي الأكبر و الأكثر تأثيرا لأنها لم تقتصر على المثقفين و المفكرين فقط و لكنها شمل كل الشعوب الحرة حول العالم و المتتبع لتصريحات خالد مشعل يجد في كل حديث تقريباَ مطالبته للشعوب باستمرار انتفاضتها الداعمة للمقاومة و للأمانة لم تكن الشعوب في حاجة إلى من يوجهها فالحدث كان موجعاَ وفاجعاَ للدرجة التي لا يحتاج أحد إلى من يطالبه بالتحرك، وكانت نتيجة هذا الفعل السياسي هو أن حماس كسبت المعركة مبكراَ و قبل أن تضع الحرب أوزارها، وكان العدو الإسرائيلي و الحليف المصري يصابان بتخبط في الحركة تحت ضربات الحراك الشعبي العربي و العالمي و خرجت حماس من المعركة و هي تمثل كل رمزية الصمود و المقاومة لمعظم شعوب العالم بينما خرج النظام المصري الرسمي منكس الرأس مكروها من الجميع.
ومما يوضح مدى حرفية حماس في عدم فقد هذا الزخم و الرصيد العالمي، هو عدم لجوء حماس لسلاح الاستشهاديين داخل العمق الإسرائيلي حتى لا يحدث أي اهتزاز لصورة حماس أو للدعم المعنوي الذي وفرته لها الشعوب.
كيف تعاملت حماس مع العدو في حربه الوحشية ضد الشعب الفلسطيني؟
أدركت حماس منذ اللحظة الأولى أنها تتعامل مع عدو مفرط في القوة و الوحشية على حد سواء، لذلك حرصت حماس منذ بداية الحرب على توحيد الكلمة و السلاح في غزة و نجحت في ذلك نجاحاَ باهراَ بحيث أن المرء لم يشعر طيلة الحرب بأن هناك ( فصائل ) تحارب و لكن ( فصيل ) واحد يتحرك بتنظيم و تنسيق متميز، كما أدركت الحركة أن تحقيق النصر على إسرائيل لا يتحقق بالمواجه المباشرة و لكن بإفشال أهدافها، بحيث يكون النصر لا بتكسير عظام العدو و إن كان هذا غاية المنى و لكن بإفشال مهامه التي أعلن عنها وبرر بها حربه البربرية ضد الشعب الفلسطيني، لذلك اعتمدت حماس على إستراتيجية المواجهة غير المباشرة مع العدو للحفاظ على بنيتها التحتية مع استخدام الحرب النفسية و إحداث توازن الرعب عبر تدفق الصواريخ على المدن و البلدات الإسرائيلية التي كانت – الصواريخ اليومية - تعلن فشل الحملة الإسرائيلية حتى انتهت الحرب و لم تحقق إسرائيل هدفاَ واحداَ مما أعلنته و كان هذا الفشل الذريع هو لب انتصار حماس فحين تكون الحرب بين طرف مفرط في القوة و طرف آخر مفرط في الضعف – المادي – يصبح الثبات على الموقف هو أعظم انتصار.
كيف تعاملت حماس مع المنظمات الدولية؟
حماس هي أكثر من يعرف أن معظم المنظمات الدولية وجدت من أجل أمن إسرائيل و تبرير مواقفها ، لذلك لم تلتفت إليها كثيراَ بل اعتبرت أن اللجوء إليها من الأنظمة العربية هو من باب العبث و العجز بل يصب في صالح الاحتلال ذاته، حيث ساوت هذه المنظمات بين الجاني و الضحية، لكن حماس من جانب آخر حرصت على أن تكسب معركتها مع المنظمات الدولية غير الحكومية و التي تحظى بمصداقية لدى شعوب العالم و كان وسيلة حماس هو توثيق الحدث بالصوت و الصورة فسهلت قدر المستطاع مهمة وسائل الإعلام ووفرت لهم كل دعم ممكن للقيام بعملهم ونقل كل هذا الزخم الهائل من صور ومشاهد الدمار وقتل الإنسان واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا إلى هذه المنظمات بل دعوتهم إلى غزة لرؤية الجريمة بأم أعينهم ، و كسبت حماس أيضاَ هذه الجولة و بفضل العدو المجرم الذي لم يترك فرصة إلا وأثبت فيها مدى خسته ونذالته ، فأدانت معظم المنظمات الحقوقية ما حدث في غزة بل بدؤوا في رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة العدو كمجرمي حرب.
كيف أدارت الحركة علاقتها مع أبو مازن والسلطة الفلسطينية؟
استخدمت حماس مبدأ المكاشفة و المواجهة مع نظام عباس و خصوصاَ أن تواطؤه كان مفضوحاَ للجميع، وأدركت حماس منذ اللحظة الأولى أن يد عباس و نظامه ملوثة بدماء الشعب الفلسطيني فكشفت حماس حجم تواطئه وعرّته أمام الجميع وبينت أن اغتيال سعيد صيام لم يكن ليتم بدون مساعدة من السلطة ثم جاء غياب عباس عن قمة الدوحة كاشفاَ بلا مواربة عن حجم الخيانة وتكفّل هو بفضح نفسه، نعم استجابت حماس لدعوات الحوار التي وجهت إليها ولكنها كانت تدرك أنها دعوات لإضاعة الوقت فتعاملت معها بحجمها و قدرها، كما ظهر سمو ونبل حماس أثناء العدوان، فرغم أنها أعلنت قبل بدأ العدوان أنها لن تعترف بعباس رئيساَ لفلسطين بعد التاسع من يناير إلا أنها لم تجعل هذا معركتها الأساسية أثناء العدوان، حاولت حماس رأب الصدع و لكن لمّا أصبحت رائحة الخيانة تزكم الأنوف لم يكن أمام حماس سوى المصارحة حتى يحدث التمايز بين الحق و الباطل وحتى يعرف الشعب الفلسطيني من يشارك في قتله وسفك دمه.
كيف أدارت حماس علاقتها بالشعب الفلسطيني؟
علمت حماس أنها لا يمكن أن تنجح في صد العدوان دون احتضان شعبي لها، فعملت منذ اللحظة الأولى على التعبئة المعنوية الإيمانية وإيضاح الحقائق للجميع والقيام بواجبها كحكومة شرعية من الوفاء باحتياجاته قدر المستطاع.
لم تكن هذه التعبئة الشعبية بالطبع وليدة المعركة فحسب و لكنها جزء أساسي من مشروع حماس الحضاري، وكان أهم ما قدمته حماس للشعب الفلسطيني هو النموذج و القدوة في التضحية والفداء فقدمت من دماء قادتها الكثير وبالتالي أصبح الشعب أكثر اقتناعا بها لأنها أصبحت في مقدمة من يضحى في سبيل الأرض و العرض والدين.
إن إدارة حماس لأزمة العدوان يدل على نضج سياسي وفكري وحركي على أعلى مستوى ولا أدعي أن ما فعلته حماس في إدارتها للأزمة يمكن أن يحتويه مقال ولكنها إطلالة سريعة على حركة احتلت بالفعل مرتبة عالية في ضمير هذه الأمة بل لعلي لا أكون مبالغاَ إذا قلت إن حماس أصبحت نموذجاَ يحتذى لكافة حركات التحرر في العالم.

الاثنين، 19 يناير 2009

الرابحون والخاسرون في حرب غزة


الرابحون والخاسرون في حرب غزة عبد الباري عطوان
لم تكن علامات البهجة تكسو وجهي ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير دفاعه ايهود باراك وهما يعلنان في ساعة مبكرة من فجر امس عن وقف احادي الجانب للحرب على قطاع غزة، فالانجازات التي حققتها هذه الحرب جاءت قليلة، بل مخجلة، لانها لم تتجاوز قتل المئات من الاطفال والنساء والمدنيين، وتدمير بعض البيوت والمساجد والمباني الحكومية.السيدة تسيبي ليفني توعدت بتغيير المعادلة في قطاع غزة، وسحق فصائل المقاومة، ونجحت في الاولى ولكن بشكل عكسي، وفشلت في الثانية، وخلطت جميع الاوراق في المنطقة العربية بشكل لم يتوقعه اكثر المتفائلين بامكانية حدوث التغيير المأمول.بعد ان هدأ غبار المواجهات، وتوقفت الصواريخ وقذائف الدبابات والزوارق الاسرائيلية عن تمزيق جثامين الشهداء، وحرق اجساد الآلاف بالقنابل الفسفورية، لا بد من الاعتراف بان ابناء قطاع غزة دفعوا ثمنا باهظا لهذه الحرب، من خيرة ابنائهم، فلم يتوقع احد ان تبلغ وحشية الاسرائيليين هذه الدرجة من التعطش لسفك الدماء والتمثيل بالجثث، وتدمير البيوت فوق رؤوس اصحابها الجوعى المحاصرين، ولكن هذه التضحيات الجسيمة وضعت الاسرائيليين امام العالم بأسره كعامل عدم استقرار وبؤرة ارهاب تهدد امن هذا العالم.المعركة لم تكن ابدا بين طرفين متكافئين، وكيف تكون كذلك وقد احكم النظام الرسمي العربي الطوق، وتواطأ مع المعتدين، وسهّل لهم مهمتهم بصمته تارة، والتحرك الدبلوماسي المشبوه لاعطائهم المزيد من الوقت لانجاز مهمتهم، تارة اخرى.ربما يكون تعداد الرابحين من هذه الحرب عملية شاقة، علاوة على كونها موضع جدل، بحكم الصورة المأساوية على أرض القطاع الصغير المحاصر التي نقلتها وتنقلها شاشات الفضائيات بتفاصيل مرعبة، ولكن حصر الخاسرين، من وجهة نظرنا على الاقل، يبدو اكثر يسرا، ويمكن ايجازهم في النقاط التالية:اولا: الخسارة الاسرائيلية هي الأضخم، ان لم يكن عسكريا، فسياسيا بكل تأكيد، فبعد اكثر من ثلاثة اسابيع لم يخرج المقاومون من انفاقهم رافعين الرايات البيضاء، متوسلين وقف اطلاق النار، ولم تتوقف الصواريخ، ولم يخرج شعب قطاع غزة، رغم فجيعته الكبرى في مسيرات بين انقاض منازله المدمرة مطالبا بطرد سلطة 'حماس' وعودة سلطة رام الله ورجالاتها. القيادة الاسرائيلية، ذهبت الى واشنطن، وهي القوة الاقليمية العظمى، لتوقع اتفاقا امنيا معها لمراقبة تهريب الاسلحة الى القطاع. وظهرت امام العالم بأسره كقوة مكروهة متعطشة لمص دماء ضحاياهم من الاطفال والمدنيين في حرب يجمع انصارها انفسهم بأنها لم تكن ابدا شبه متكافئة.اسرائيل خسرت الجزء الاكبر من الرأي العام العالمي، مثلما خسرت اصدقاءها العرب، وقتلت عملية السلام، وشجعت التطرف، واسست لنمو منظمات فلسطينية واسلامية ربما لن تتردد في تبني 'الارهاب' واستغلال اجواء الاحباط السائدة في الشارع العربي لتجنيد المئات،ان لم يكن الآلاف، من الشباب، تماما مثلما حدث بعد هزيمة حزيران عام 1967 المهينة.ثانيا: خرج النظام المصري الخاسر الاكبر عربيا، وخسر دوره كوسيط، بعد ان خسره كقوة اقليمية رائدة، وتعرض لطعنات قاتلة ومهينة من اقرب حلفائه، الامريكان والاسرائيليين، وتمثل ذلك في امرين اساسيين، الاول توقيع تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل ونظيرتها الامريكية كوندوليزا رايس اتفاقا امنيا بمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومنع التهريب، دون التشاور مع الحكومة المصرية، او حتى اطلاعها على تفاصيل هذه الاتفاقية، مما يؤكد ان دور نظام مصر هو التابع المؤدي للخدمات بمقابل، وليس الحليف الاستراتيجي المحترم. اما الثاني فهو ادارة اسرائيل ظهرها للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار بشكل ينطوي على احتقار وازدراء متعمدين، ودون اي اعتبار لجهود واتصالات مصرية استمرت اسبوعين لتثبيت هذه المبادرة، وشق الصف العربي من اجل تحقيق هذا الغرض.ثالثا: السلطة الفلسطينية في رام الله تهمشت بشكل مفجع، ليس بالنسبة الينا، وانما بالنسبة الى المسؤولين فيها، فقد خسرت تأييد نصف العرب على الاقل، ودول اسلامية عظمى مثل تركيا وايران واندونيسيا، ولم تتحقق احلامها في العودة الى قطاع غزة، واستمرارها في رام الله بصورتها وتركيبتها الحالية بات موضع شكوك. وجاء خطاب رئيسها محمود عباس في قمة شرم الشيخ انعكاسا واضحا لهذه الحقيقة، فقد كان الأقصر والأضعف من بين جميع الخطابات، لم يتحدث عن معاناة ابناء القطاع، ولم يطالب بفتح المعابر، ولم يكشف عن خيبة امله في عملية سلام فشل رهانه عليها.رابعا: مني ما يسمى بمحور الاعتدال العربي بضربة موجعة في مصداقيته، او ما تبقى منها، امام مواطني بلدانه، عندما تهرب من القيام بأي تحرك فعلي، وظهر بمظهر المتورط المشارك في العدوان، سواء بتصدير الازمة الى مجلس الامن الدولي، او بعرقلة عقد قمة عربية طارئة، وتمسكه بمبادرة مصرية رمت بها اسرائيل في سلة المهملات، وأدارت الظهر لها ولصاحبها.خامسا: السيد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية قد يكون ابرز ضحايا حرب غزة على الصعيد الشخصي، فقد حاول الرجل ان يلعب على عدة حبال في وقت واحد، وان يتجنب السقوط، ولكن محاولاته باءت بالفشل، وحسب نفسه على محور الاعتدال، او بالاحرى كشف عن حقيقة انحيازه الى هذا المحور منذ البداية، وهو الذي اخفى هذا الانحياز ببراعة من خلال عبارات رنانة حول الصمود والمقاومة. جامعة السيد موسى سقطت جماهيريا، وانتهى رصيدها القليل في الشارع العربي بشكل درامي، ولا نعتقد انها ستخرج من هذه الكبوة سريعا، وبالأحصنة الحالية نفسها. امر محزن ان ينهي السيد موسى بعض جوانب تاريخه بهذه الطريقة المأساوية.سادسا: خرج اعلام محور الاعتدال بخسارة كبيرة انهت كل الآمال بتعافيه من الضربة الكبيرة التي انهت مصداقيته بسبب انحيازه الى الاحتلال الامريكي للعراق. ولم تشفع كل ادعاءات المهنية في ابراء ذمته من الانحياز المبطن للعدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. بينما عزز اعلام دول الممانعة، على قلته، وضعف امكانياته من وجوده في الشارع العربي الذي وقف الى جانبه مساندا ومؤازرا.صمود اهل قطاع غزة حقق معجزة في زمن قلّت فيه المعجزات، مع اعترافنا بالثمن الباهظ لهذا الصمود. فالعالم كله منشغل حاليا في كيفية توفير الامن والحماية للاسرائيليين، وايجاد الطرق والوسائل وتوفير المعدات المتقدمة لمنع تهريب الاسلحة الى الصامدين المحاصرين في هذا القطاع الصغير في مساحته الكبير في عزيمة ابنائه.هذا العناد في التمسك بالثوابت، وفي رفض الاستسلام هو الذي تخشاه اسرائيل وقيادتها وشعبها، فإذا كان هؤلاء صمدوا ثلاثة اسابيع، ولم يخرج واحد منهم على شاشات التلفزة يندد بالمقاومة، رغم انهيار سلطة 'حماس' واختفاء قواتها التنفيذية، وضخامة اعداد الشهداء والجرحى، فإن اداءهم في اي مواجهة قادمة، اذا ما امتلكوا الحد الادنى من الاسلحة الدفاعية، سيكون مفاجئا. فالجيل القادم من ابناء القطاع، الذي سيتكون من اطفال شاهدوا مجازر آبائهم وامهاتهم واشقائهم وشقيقاتهم، سيكون الاشرس، ولن ينسى، ولا نعتقد انه سيغفر.حرب غزة اعادت القضية الفلسطينية الى الواجهة مجددا، وجبّت كل ما قبلها من مفاوضات عبثية، وعملية سلام مزورة، وقيادات متخاذلة، وما يسمى بحل الدولتين، وعززت ثقافة المقاومة، وكشفت عن المعدن الصلب المقاوم للشعب الفلسطيني، مثلما اعادت احياء الشارع العربي، والتلاحم بين ابنائه والتفافه حول قضيته المركزية، وتوسيع الفجوة بينه وبين الانظمة الدكتاتورية العاجزة، فاقدة الارادة والسيادة التي تحكمه.مسرحية مؤتمر شرم الشيخ لن تنقذ النظام الرسمي العربي من مأزقه، ولن تعيد له شرعيته ومصداقيته لان هذا النظام بات فاقد الكرامة والشرعية، بعد ان سحبهما منه شهداء غزة، واحتجاجات الشرفاء، وهم الغالبية، داخل مصر المحروسة، والعواصم العربية الاخرى.

هنية: انتصارنا في غزة تاريخي وإستراتيجي


قال "سنجعل منه منطلقاً نحو استعادة الوحدة الوطنية"
هنية: انتصارنا في غزة تاريخي وإستراتيجي يفتح الباب واسعاً أمام حتمية النصر الأكبر

غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
أعلن إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة الشرعية، انتصار الشعب الفلسطيني في الحرب الصهيونية الشرسة على قطاع غزة التي استمرت اثنين وعشرين يوماً. معتبراً أنه "نصر إلهي رباني".
وأكد في خطاب متلفز له مساء اليوم الأحد (18/1)، على ضرورة انسحاب الجيش الصهيوني من قطاع غزة "انسحاباً تاماً وكاملاً وبلا قيد أو شرط، وفتح المعابر ورفع الحصار وعدم السماح مجدداً لغزة وشعب غزة بعد هذه التضحيات العظيمة والدماء الغزيرة أن يعودوا إلى مآسي الحصار البغيض"، مشدداً على ضرورة العمل على استكمال الخطوات التي بدأناها اليوم"، في إشارة إلى وقف إطلاق النار تمهيداً لانسحاب الاحتلال ولرفع الحصار وفتح المعابر.
وقال هنية، الذي اعتبر ما جرى انتصاراً شعبياً وأممياً وإنسانياً: "نحن في لحظة تاريخية وانتصار تاريخي، إن هذا الانتصار يفتح الباب واسعاً أمام حتمية النصر الأكبر، والمتمثل بالتمسك بحقوقنا وثوابتنا وتحرير أرضنا وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس والإفراج عن كافة أسرانا وأسيراتنا من سجون الاحتلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم وأرضهم التي هجروا منها".
وأضاف في الخطاب الذي ألقاه بنبرة المنتصر: "سنجعل من هذا الانتصار منطلقاً نحو استعادة الوحدة الوطنية وإطلاق الحوار الداخلي بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وحقيقية"، داعياً إلى ضرورة تهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار".
وأشار إلى استمرار حكومته بالعمل "في قلب أجواء العاصفة" في متابعة أوضاع المعابر وتقدم المساعدات رغم شراسة العدوان وهمجيته، مشيرا إلى "أن الفوضى أو الفلتان الأمني لم يظهرا"، كما كان يراهن عليه الصهاينة.
وأكد إسماعيل هنية على ضرورة إرسال لجان تحقيق دولية "للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها العدو في قطاع غزة"، مطالباً بتقديم قادة الاحتلال إلى محكمة الجنايات الدولية.
وقال: "نحتسب عند الله شهداء شعبنا ونتوقف أمام الشهداء القادة الكبار العالم الجليل الدكتور نزار ريان والأخ القائد وزير الداخلية الشيخ سعيد صيام وندعو الله لكل شهدائنا بالرحمة والرضوان ولمرضانا وجرحانا بالشفاء العاجل ونقول لهم سنمضي على ذات الطريق ولن نفرط بهذه الدماء ولن نتنازل ولن نتراجع وسنحقق لشعبنا كل ما يتطلع إليه".
وأعلن هنية أن حكومته ستقدم إغاثات ومعونات عاجلة لكل العوائل والأسر الذين هدمت بيوتهم أو تضررت منازلهم ومنافعهم بما يعينهم على إيجاد المأوى البديل وبسرعة، وسنعمل على إعادة ما دمره الاحتلال، مطالباً في الوقت ذاته "أشقاءنا في الدول العربية والإسلامية، ومن المجتمع الدولي العمل وتحمل المسؤوليات على هذا الصعيد".
وثمن رئيس الوزراء الجهود والمسيرات والتحركات في كافة أرجاء المعمورة "، مقدراً على وجه الخصوص دور العلماء والنخب والقيادات والمؤسسات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان"، كما وجه التحية لكافة وسائل الإعلام والفضائيات "والتي نقلت للعالم حجم الجريمة من ناحية ومستوى الصمود والبطولة من ناحية أخرى"، مشيداً بالأطباء العرب وغيرهم الذين وصلوا إلى غزة، كما أبدى تضامنه مع "الأونروا" لما تعرضت له مدارسهم ومركزهم الرئيس في قطاع غزة من "اعتداءات وحشية".

الفلسطينيون يتفقدون آثار العدوان


منازل اختفت معالمها وأبراج سكنية شطرتها القذائف
الفلسطينيون يتفقدون آثار العدوان والصدمة تعقد الألسنة عن وصف المشهد (تقرير)
[غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
ما حدث ليس كابوساً أفاق منه أهالي قطاع غزة في اليوم الرابع والعشرين للحرب المدمرة التي لم تنته بعد، بل هو حقيقة قائمة على الأرض بكل ما خلفه الجيش الصهيوني في أرجاء القطاع. فإزاء المشاعر المروِّعة انعقدت الألسن وعجزت الكلمات عن وصف ما جرى.
على مدخل منطقة الكرامة، الواقعة شمال غرب مدينة غزة، ما أن تطأ القد الحي السكني حتى يبدأ القلب بالخفقان سريعاً، وبوتيرة تتصاعد مع حجم الخراب.
ببرج في المكان "برج الأندلس" السكني، المكوّن من ستة عشر طابقاً، والذي شطرته الآلة الحربية الصهيونية مناصفة طولاً، وكأنّ منشاراً قسمه نصفين. الفلسطينيون شيباً وشباباً ونساءً ورجالاً من حول المكان، كانت أقدامهم تأخذهم إلى مواقع الدمار والأنقاض وبقايا الأبنية.
داخل منطقة "أبراج الكرامة"، كما يسميها الأهالي الذين بدؤوا يتوافدون تترا إلى شقق سكنية اهترأت من رصاص طائرات "الأباتشي" المروحية، يبدو مشهد ما بعد القصف الضاري أبلغ من أي وصف. منهم من راح يلملم أخشاباً تبقت من سرير طفل وليد لجمه الخوف على لقم ثدي أمه، وأشقاء وجيران من حوله يتفقدون أشياءهم الصغيرة، يحاولون إنقاذ حقائبهم المدرسية والكراسات الممزقة.
إلى الشمال من منطقة الكرامة، وتحديداً في منطقة التوام، تبدأ الكارثة بالتكشف تباعاً، ليس بدءاً بالطرقات المجرفة، وليس انتهاءً بالمنازل والمتاجر والورش الصناعية المتهالكة.
الحاج "أبو يوسف" العجرمي، يمضي بخطى رجل بلغ من العمر عتياً، تسحبه أقدامه قلقاً على اثنين من أبنائه يسكنان التوام، ضُرب منزلهما بقذائف المدفعية المتمركزة شمال القطاع المحاصر.
يصف "أبو يوسف" ما يشاهده من خراب إسرائيلي بانعقاد في اللسان، فقد توقف برهة قبل الإجابة، ثم التفت يمنة ويسرة ورمق الأراضي والمنازل المدمرة من حوله بنظرات عميقة، وقال الحاج العجرمي (88 عاماً)، "عايشت نكبة 1948، وحرب 1956، وحرب 1967، جميعها شمّة هواء أمام هذا البلاء". مضى التسعيني متعجباً، أو مستعجباً مما رأت مقلتاه المتعبتان. أكمل طريقه عائداً إلى وسط غزة، تسنده في الطريق الوعرة عكازه التي رافقته عقوداً من الزمن.
من يواصل السير قدماً إلى الشمال، يجد الطريق أمامه طويلة ووعرة، بما يكفي ليتأمل كل شيء من حوله بتمعّن. فهذه أشجار الزيتون والحمضيات خرجت جذورها فوق الأرض، بينما تعطلت شبكات الكهرباء وقطعت خطوط المياه كلياً، على طول الطريق المؤدي إلى منطقة السلاطين، على مشارف بلدة بيت لاهيا.
وبدأت العائلات التي فرّت من جحيم القوات الصهيونية، بالعودة الحذرة إلى أحياء يمكن التعرف عليها بالكاد، لتفقد من نجا بحياته ومن قضى.
أمهات ينتحبن بكاءً فوق ركام منازلهن، يوارين الدمع، وأخريات تفتشن الأنقاض ليجمعن المتعلقات العزيزة على قلوبهن، في حقائب بلاستيكية.
آلة الحرب ظلّت تحلق فوق الرؤوس، ففي الأجواء تحوم طائرات الاستطلاع المعروفة بالزنانة، على مستويات منخفضة، بينما جابت المقاتلات الحربية، محدثة غارات وهمية، لتفزع السكان.
على الجانب الأيمن للطريق، لا يدرك المرء للوهلة الأولى أنّ ثمة بيوتاً كانت تنتصب هنا، فتغيير الواقع الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، قبيل الحرب، جُسِّد تماماً على الأرض بمنازل الآمنين، فلم يبقَ من منزل الحاج علي عبد القادر أبو جلهوم (76 عاماً) الأسبستي، حجر على حجر.
أبو جلهوم جلس وسط ما كان يسمى سابقاً دكاناً، ومن حوله دجاجاته، يتأمل بعض أكياس البقوليات، ومواد تموينية، وحاجيات أطفال، يقتات منها وزوجته "أم العز"، التي أجبرته على الخروج من المنزل رغم أنفه، خوفاً.
ويقول "أبو العز"، "لم أكن أرغب في الخروج من منزلي للبته، ماذا بقي لي في هذه الحياة وبعد هذا العمر لأعيش، لقد أخذت نصيبي منها، كان حريّ بي أن أُدفن قبل أن أشاهد بيتي كومة من خراب هكذا".
على الأرض، لم تزل عيون المواطنين غير مستوعبة هول الدمار الذي أحدثته دبابات "ميركافاه" ومقاتلات "إف 16"، وما كان يهبط على المنازل والأراضي من صواريخ وقذائف وقنابل فسفورية. حفر عميقة أحدثها الطائرات في حقول المزارعين، متذرعة باستهداف منصات صورايخ المقاومة وليس المدنيين الذين غادروا ديارهم مع بدء المرحلة الثانية للحرب غير المتكافئة، ولا زالوا ينزحون عن المنطقة، غير معلومة المعالم، كما يصفها سمير العامودي.
سمير في العقد الثالث من عمره، فقد وشقيقه منزلهما، ورشة لإعادة تهيئة وإصلاح المركبات، التي أتت عليها جنازير الآليات العسكرية، فلم تُبقِ في المكان شيئاً ولم تذر سوى أكوام من الحديد لا تسمن ولا تغني من جوع.
وأزاحت الجرافات التابعة للسلطات البلدية السيارات وقطع الخرسانة المتساقطة بعيداً عن الشوارع، لكنّ شيئاً لا يمكنه إخفاء نطاق الدمار الذي جلبته الآلة العسكرية الإسرائيلية. وكان رجل يواسي صديقه محمد عطا سلطان، الذي سُوِّي منزله المكون من ثلاث طبقات بالأرض تماماً، قائلا "الحمد لله أنك حيّ، يمكن إعادة بناء المنزل، إن شاء الله".
أما الأطفال في المنطقة فكان لهم قصة أخرى، وطرق أخرى في تفقد الخراب الذي خلفته آليات الاحتلال. فقد أخذوا يجمعون صفائح الرصاص الفارغة، وشظايا الصواريخ، والقذائف المدفعية، وفوارغ (خرطوش) الرصاص، متذرعين بأنها معادن نحاسية سيقومون ببيعها لجني بعض المال.
صور الخراب والدمار والمآسي التي تركتها الآليات العسكرية، تعجز عن وصفها الكلمات، فما حدث في غزة ليس مجرد حرب يُعتقد أنها انتهت، بل قد تكون بداية لحرب جديدة، سترسم معالمها دماء أطفال قضوا تحت المدافع والصواريخ الصهيونية.

فلسطينيو 48 يسعون لبرلمان عربي بديلا للكنيست

سليمان بشارات
مظاهرات فلسطيني48 خرجت بالآلاف مناصرة لغزة
يبحث نواب من فلسطينيي 48 بالكنيست الإسرائيلي إقامة برلمان عربي بديل لإدارة شئونهم الداخلية، كرد فعل على قرار إسرائيل منع قائمتين لهم من المشاركة في الانتخابات التشريعية في فبراير المقبل، والذي زاد من قلق الأقلية العربية بدولة الاحتلال من أن يكونوا الهدف القادم "للقمع الإسرائيلي" بعد قطاع غزة.
ودفع مرشحو فلسطينيي 48 مبكرا فاتورة احتجاجهم على المجزرة الإسرائيلية التي خلفت على مدار 22 يوما 1300 شهيد و5400 جريح معظمهم من النساء والأطفال، حيث منعت لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل الإثنين 12-1-2009 قائمتي التجمع الوطني برئاسة جمال زحالقة والعربية الموحدة برئاسة إبراهيم صرصور، اللتين تضمان عدة أحزاب عربية، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة متهمة إياهم بـ"عدم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود".
ورأى مراقبون أن هذا القرار الذي من المنتظر أن تبت فيه المحكمة الإسرائيلية العليا الأسبوع الجاري "قد يؤدي لتمرد فلسطينيي 48 على المؤسسة الإسرائيلية احتجاجا على سياستها العنصرية في التعامل معهم".

ومع أن القرار لا يعتبر نهائيا حتى تقره المحكمة، فإن مراقبين يعتبرون ذلك "دليلا على تفاقم نظرة العداء والعنصرية تجاه العرب داخل إسرائيل، ولاسيما بعد تنظيمهم العديد من حملات التضامن مع أهالي قطاع غزة ورفضهم الحرب الإسرائيلية".
وفي تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" قال جمال زحالقة، رئيس قائمة التجمع الوطني التي شملها قرار المنع: "إذا ما أقرت المحكمة الإسرائيلية العليا تثبيت قرار الحظر فإن ذلك سيخلق أزمة بين فلسطينيي 48 والحكومة الإسرائيلية".
تهديد بالمقاطعة
وأضاف زحالقة: "وضعنا عددا من الإستراتيجيات الجديدة للتعامل مع الواقع المستقبلي لفلسطينيي 48 داخل إسرائيل، ونحن الآن ندرس إقامة برلمان عربي من شأنه أن يدير الشأن الداخلي الفلسطيني".
وأشار إلى أن "هناك تأييدا يزيد على 50% بين ممثلي الأحزاب العربية إلى الدفع باتجاه الانتخاب المباشر للجنة المتابعة العليا التي تمثل الفلسطينيين في الداخل، وهذا بالتالي قد يمثل أرضية ننطلق منها لدراسة إقامة برلمان عربي بشكل جدي".
وهدد زحالقة أنه إذا تم تثبيت قرار الحظر على القائمتين العربيتين فإن ذلك "سوف يدفعنا لمقاطعة الانتخابات البرلمانية بشكل شامل، ورفض أي تمثيل عربي في الكنيست".
وبين زحالقة أن "المؤسسة الإسرائيلية ستكون في ورطة إذا بقي قرار الحظر، لا سيما أن الأحزاب العربية تمتلك برامج سياسية مشروعة مبنية على مبدأ المساواة في الحقوق، ومشاريع قومية تنويرية لا برامج عنصرية"، في إشارة إلى برامج بعض الأحزاب الإسرائيلية المتشددة التي تطالب بطرد فلسطينيي 48 من إسرائيل.
تصفية سياسية
من جانبه قال طلب الصانع، النائب بالكنيست عن الحزب الديمقراطي العربي: "ننظر بخطورة بالغة لهذا القرار.. منع الأحزاب العربية من المشاركة هو محاولة لتصفية القيادة السياسية للجماهير العربية.. هذا يسقط القناع عن العنصرية الإسرائيلية".
وأوضح الصانع في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت" أنه حتى "لو منعنا من الوجود بالكنيست، فهذا لا يعني سلب حضورنا العربي في أي قرار يهمنا داخل إسرائيل، فالتأييد العربي لبرامجنا يفرض نفسه على أي قرار يطمح أصحابه لتطبيقه على الأرض".
وأشار الصانع إلى أن الممارسات الإسرائيلية هذه "تدلل على هيمنة الخطاب الفاشي داخل الخطاب الإسرائيلي.. وهو لا يستوعب أن يسمح لأي خطاب أو فكر آخر أن يوجد في هذه الساحة.. هذا يمثل انعدام الوعي الديمقراطي داخل إسرائيل".
التمرد في مواجهة الإقصاء
بدوره قال إبراهيم أبو جابر، رئيس مركز الدراسات المعاصرة في أم الفحم (داخل إسرائيل): "إن ما يجري داخل إسرائيل وحظر الأحزاب السياسية يندرج في سياق الحملة العدوانية الحالية ضد الشعب الفلسطيني، ويأتي على هامش العدوان على غزة".
وحول مدى دفع هذه الممارسات الإسرائيلية فلسطينيي 48 إلى التمرد على دولة الاحتلال قال أبو جابر: "هذا أمر لا يستبعد، وخلال العدوان على قطاع غزة كتب العديد من المثقفين اليهود أن الهدف القادم بعد غزة هو فلسطينيو 48.. في كل يوم نشعر أنهم يحاولون طردنا".
وأشار أبو جابر في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت" إلى أن فلسطينيي 48 من خلال احتكاكهم اليومي مع المؤسسات والجمهور الإسرائيلي "يتعرضون لكثير من المضايقات والقمع، وهذا من شأنه أن يدفع باتجاه التمرد كرد فعل طبيعي على الواقع الذي يعيشونه".
وأوضح أبو جابر أن "العقلية الإسرائيلية تنبع من مبدأ راسخ أنه لا وجود للفلسطينيين بدولتهم ويجب التخلص منهم.. لذلك هناك إجماع كامل داخل إسرائيل على طردهم من هذه الأرض، والتضييق عليهم بكل الوسائل".
وقال أبو جابر: "الجميع هنا يستشعر ويعرف حقيقة أن هناك خططا إسرائيلية للتخلص من فلسطينيي 48، وكنا في الماضي نتحدث عن مخططات، لكن اليوم بدأ ذلك يطبق على الواقع".
وبيّن أبو جابر أنه منذ اليوم الأول لبدء الحرب على غزة فرضت قوات الاحتلال حصارا شاملا ومشددا على جميع البلدات والقرى العربية داخل إسرائيل.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن عدد الفلسطينيين داخل إسرائيل مع نهاية عام 2008 بلغ نحو 1.2 مليون فلسطيني.
وبحسب أحدث إحصائية لوزارة الخارجية الإسرائيلية في عام 2008 فإن عدد سكان إسرائيل يبلغ نحو 7 ملايين نسمة، يشكل اليهود ما نسبته 75.5% منهم، فيما يشكل الفلسطينيون 20.1%، ويصنف الباقي "آخرون" ونسبتهم نحو 4.4% ومعظمهم من القادمين الجدد، وذريتهم من غير المسجلين كيهود في وزارة الداخلية.
غزة.. شجار بالكنيست
وكانت جلسة برلمانية في الكنيست الإسرائيلي مؤخرا قد شهدت مناوشات ساخنة بين النواب الفلسطينيين ونواب الائتلاف واليمين اليهودي المتطرف الذين شرعوا في حملة تحريض على العرب، فتصدى لهم النائب محمد بركة، الأمر الذي لم يرق لرئيسة الكنيست التي سارعت بإخراج النائب بركة من الجلسة.
وكان أول المتحدثين في الجلسة زعيم المعارضة اليمينية "بنيامين نتنياهو" الذي ألقى خطابا تحريضا دمويا على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مهللا لمجازر قوات الاحتلال، فتصدى له النائب بركة، طالبا منه أن "ينخرس ولا يرقص على الدماء".
وكان المئات من فلسطينيي 48 داخل الخط الأخضر قد تظاهروا أمام ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" في مدينة القدس، احتجاجا على استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وقد دعت إلى التظاهرة لجنة المتابعة العربية العليا.